فنزويلا والتدخلات الخارجية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

بصرف النظر عن صحة الانتخابات الرئاسية التي جرت في فنزويلا العام الماضي، وفاز فيها الرئيس الحالي مادورو ورأى المعارضة المشكك في تلك الانتخابات والتي يقودها رئيس البرلمان غوايدو، فان معالجة الأزمة السياسية في هذا البلد اللاتيني ينبغي أن تكون من داخله بعيدا عن التدخلات الخارجية وخاصة من الولايات المتحدة حيث إن دول أمريكا اللاتينية، منذ عدة عقود عانت من تلك التدخلات والانقلابات وأدت الى حروب أهلية في دول لاتينية عديدة.

ومن هنا فان المنطق السياسي يقول بان الأزمة في فنزويلا ينبغي ان تعالج داخليا من خلال حوار شفاف بين القوى والأحزاب للوصول الى خيارات محددة، قد يكون منها اجراء انتخابات جديده خلال عام مثلا تشرف عليها الأمم المتحدة.

فنزويلا المستقرة

فنزويلا البوليفارية هي جمهورية تقع علي الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية تبلغ مساحتها بأكثر من 916 الف كيلومتر مربع ويقدر عدد سكانها بـ 29 مليون نسمة وعاصمتها كاراكاس وتعد من الدول النفطية الهامة، وهي عضو في منظمة الاوبك وقد بدا تصدير النفط فيها منذ اوائل القرن العشرين واستمرت كاهم واكبر المصدرين حتي فقدت هذا الموقع في عقد الستينات من القرن لصالح السعودية.
وتعد الازمة الرئاسية في فنزويلا ذات أبعاد سياسية ولكنها في المقام الأول اقتصادية فأمريكا اللاتينية من الناحية التاريخية هي الدول التي تمردت على الواقع وحدثت بها عشرات الثورات كما أنها من المناصرين التقليديين للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية ولعل صوت مثل بوليفيا وكوبا ونيكارجوا وغيرهم في منصات الأمم المتحدة يعطي دليلا علي تلك المواقف السياسية المشهودة، بل ان الرئيس الفنزويلي الراحل شافيز يعد احد المدافعين الكبار عن القضية الفلسطينية، ومن هنا فان الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب تريد ان تغير من ذلك النهج السياسي لدول أمريكا اللاتينية.
ان الاعتراف من قبل واشنطن وعدد من الدول في أمريكا اللاتينية برئيس البرلمان غوايدو كرئيس للدولة يعطي مؤشرا الى وجود شرخ حدث في فنزويلا بسبب ذلك التدخل الأمريكي الغير مبرر حيث ان الجيش الفنزويلي اعلن ولائه للرئيس الحالي نيكولاس مادورو ومع ذلك فان التهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على عدد من المسؤولين هو مقدمه لما حدث لإيران التي ترزح تحت عقوبات اقتصادية بسبب اختلاف توجهاتها السياسية مع واشنطن.
التدخلات الخارجية ينبغي ان تتوقف كأدوات لتحقيق أهداف استراتيجية ولكل دولة الحق ومن خلال أدواتها الدستورية ان تعالج أوضاعها الداخلية، وقد تكون الأمم المتحدة طرف موضوعي فيما يخص البحث عن خيارات لإنهاء الأزمة السياسية في فنزويلا، فنزويلا تعاني من مشاكل اقتصاديه خلال السنوات الماضية واي استغلال خارجي او حتى داخلي سوف يفاقم الأوضاع داخل هذه الدولة اللاتينية.
ومن هنا فان المصالح بين الدول لا تعني التدخل المباشر وتنصيب الرؤساء دون سند دستوري ولعل الرئيس الفنزويلي مادورو اعلن استعداده للتفاوض حتى مع الولايات المتحدة لإنهاء ألأشكال السياسي ويبدو لي ان الرئيس الفنزويلي الحالي رفض الإملاءات الأمريكية كما رفضتها ايران علي سبيل المثال وبالتالي اصبح سلاح العقوبات اداة أمريكية ضد الدول التي لا تتوافق توجهاتها مع واشنطن وهذه مسألة في غاية الخطورة في إطار العلاقات الدولية، وتؤدي الى مشكلات داخلية قد تفضي إلى حروب اهلية.

الحوار هو الأساس

في الأزمة الحالية في فنزويلا برز الموقف الأوروبي المتناقض والذي يدعو إلى اجراء انتخابات رئاسية خلال أسبوع وهي مساله اثارت الدهشة في العالم ورغم ان ذلك من الناحية الإجرائية لايمكن ان يحدث فهو يدخل في اطار الضغط علي الرئيس الفنزويلي، وهو الأمر الذي رفضه.
ومن هنا فان الأمم المتحدة ومن خلال دورها للحفاظ علي الأمن والسلم الدوليين ان تفرض أسلوب الحوار بين الفرقاء حتي يمكن ضمان الاستقرار والسلام في فنزويلا.
الأزمة في فنزويلا ومن خلال متابعة الأحداث هي قضية مكشوفة بكل أبعادها وتداعياتها وهو تعاطي لايمكن قبوله في اطار العلاقات الدولية، فالولايات المتحدة دخلت في حروب وانقلابات في عدد من الدول اللاتينية بهدف جعلها تتماشي مع السياسة الأمريكية، ولعل المثال الصارخ هنا هي كوبا والتي تعد قريبه جغرافيا من ولاية فلوريدا في جنوب الولايات المتحدة. ورغم المحاولات المتكررة على مدى عدة عقود لزعزعة نظام الرئيس التاريخي لكوبا فيدل كاسترو إلا أن واشنطن سجلت فشلا ذريعا وكذلك الأمر في نيكارجوا خلال رئاسة اورتيجا وأيضا في بنما وتشيلي حيث ترى الولايات المتحدة ان أمريكا اللاتينية هي حديقتها الخلفية.
العلاقات المتوازنة بين الدول مطلوبة في ظل تكافؤ صريح واحترام للإرادة الداخلية للشعوب فالشعب الفنزويلي يستطيع تغيير الرئيس بعد اربع سنوات من انتخابه وقد تطرح استفتاءات شعبية قبل انتهاء فترته وهذا يعني ان الأدوات السياسية متوفره بعيدا عن تنصيب رئيس هنا او هناك فالذي يحدث في فنزويلا يعيد للأذهان الأمثلة التاريخية التي تم الحديث عنها في تاريخ أمريكا اللاتينية، وعلى ضوء التطورات المتلاحقة في فنزويلا يظل الحوار والتفاوض هما الأساس المنطقي للتوصل الى حلول واقعية بعيدا عن التدخلات السافرة في شؤون الدول، فهذه السابقة ينبغي ان تختفي في إطار العلاقات الدولية لان نموذج فنزويلا يمكن ان يتم استنساخه في دول اخرى وهذا أمر في غاية الخطورة على سيادة الدول واستقلال قرارها.

لماذا فنزويلا؟

تتمتع فنزويلا بموارد طبيعية كبيرة خاصة النفط والغاز ومن هنا تأتي المطامح الاقتصادية هي الباعث الأساسي علي ما يحدث في فنزويلا حيث ان الرئيس نيكولاس مادورو له توجهاته الوطنية ومواقفه الخارجية خاصة نصرة القضايا العادلة ومنها القضية الفلسطينية وهو يسير علي نهج سلفه الراحل شافيز، ومن هنا فان تنصيب رئيس البرلمان رئيسا للدولة والاعتراف السريع من قبل الرئيس الأمريكي ترامب يثير الكثير من الشكوك والتخطيط المسبق وهو الأمر الذي كشفته بعض الصحف الأمريكية.
ومن هنا فان احتواء الأزمة داخليا ومن قبل الأمم المتحدة هو السبيل الافضل لإبعاد فنزويلا عن الانزلاق إلى حرب أهلية محتملة خاصة وان البلاد تعاني من مصاعب اقتصادية قد تدفع بالبلاد الي مستنقع خطير. البرلمان في فنزويلا ينبغي ان يكون له دور لإبعاد البلاد عن المشكلات المتوقعة والتوصل مع الرئيس الحالي إلى اجراء انتخابات خلال العام القادم وتحت إشراف دولي ولعل الحل الداخلي هو الافضل بعيدا عن التدخلات الخارجية وافتعال الأزمات.
فنزويلا تعد الان في مفترق طرق ولعل جلسة مجلس الأمن الدولي والتي تابعت جلساتها حول الأزمة في فنزويلا كشفت عن انقسام واضح بين دول القارة الأمريكية اللاتينية وهذه احد النتائج السلبية للازمة نفسها والتي خلقها التدخل الأمريكي الغير مبرر في شؤون فنزويلا كدولة عضو في الأمم المتحدة، كما ان الانقسام الحاد والمتوقع حدث بين واشنطن وموسكو وهو امر متوقع نظرا لمصالح البلدين الاستثمارية والاقتصادية في فنزويلا، وهناك الصين والتي رفضت النهج الأمريكي. إذن دخلت أزمة فنزويلا في مجال التدويل السياسي.
مجلس الأمن لن يصدر قرارا لصالح أي الطرفين في فنزويلا تجنبا للفيتو الأمريكي والروسي ومن هنا تحدث جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي عن موضوع العقوبات وهو النهج الأمريكي الذي يستخدم لفرض الإرادة السياسية على الدول كما يحدث الآن مع ايران ومن هنا فان ثمة حاجه الي اعادة النظر في السلوك السياسي الأمريكي تجاه الدول النامية سواء في أمريكا اللاتينية او افريقيا او حتى الضغط السياسي والمالي علي السلطة الوطنية الفلسطينية للقبول بصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية.
ان الذي يحدث في فنزويلا ومسارات الأخذات والتطورات يعطي مؤشرا علي عودة الدور الأمريكي السلبي في أمريكا اللاتينية، وهو نهج ينبغي علي المجتمع الدولي مراجعته وعدم السماح به وان تظل مبادئ العلاقات الدولية تنسجم مع مبادئ القانون الدولي وقيم الأمم المتحدة ومن أهمها عدم التدخل في شؤون الدول وان تكون الآلية المحلية والدور الأممي للمنظمة الدولية هو الوسيلة الموضوعية التي تنهي أي خلاف سياسي بعيدا عن القفز فوق الواقع السياسي وتنصيب لرؤساء للدول دون انتخابات او قاعدة شعبية تدعم تلك التوجهات.
ويبقي نموذج فنزويلا هو نموذج صارخ في العلاقات الدولية ويعيد للأدهان نماذج اخرى كما حدث لرئيس الوزراء الإيراني في عقد الخمسينات وهو سياسي منتخب أعوام 1951 و1953 إلا أن المخابرات الأمريكية، ومن خلال تدخل خارجي تمت الإطاحة به في عملية سميت بعملية اجاكس وكان السبب الأساسي لذالك التدخل هو تأميم النفط الإيراني ومصالح أمريكا ليست بعيدة عن الذي يحدث الآن في فنزويلا وكأن التاريخ يعيد نفسه.