العثور على 4 آلاف سهم و50 تمثالا لأفاعٍ برونزية وأدوات تجميلية ودفاعية

موقع المضمار الأثري بأدم يعود إلى المائة السابعة قبل الميلاد –
مكتب نزوى- محمد بن سليمان الحضرمي –

في رمال الصحراء تختبئ كنوز أثرية، وفي سفح الجبال والهضاب، وحواف الأودية، وحيثما عاش الإنسان في قديم الزمان، يترك أثرًا ما، كأدواته التي كان يستخدمها في حياته اليومية، وضمائم أسراره، اندفنت بعد رحيله، وغابت في الرمال، لتتوارى عن العيون في عمق الأرض، ولا أحد يعرف ما تخبئه، إلا إذا تم الحفر في الموقع فتستخرج أدوات الإنسان القديم، مثلما كشفت البعثة الفرنسية والإيطالية المشتركة عن كنز من السهام البرونزية وتماثيل ثعبانية مصنوعة من معدن البرونز، وأدوات زراعية، في موقع صغير لا يتعدى الأمتار، وفي مكان يتوارى عن عيون الأنظار، ولا أحد يتصور أن في هذا الموقع المسمى بالمضمار، التابع لولاية أدم، يمكن أن تعثر البعثة فيه على هذا الكنز، الذي يكشف عن طبيعة الحياة للإنسان خلال المائة السابعة قبل الميلاد.
انطلقنا بالسيارة مع فريق من إدارة التراث والثقافة بمحافظة الداخلية، لزيارة موقع المضمار الواقع في الصحاري المتاخمة لولاية أدم، تبدى لنا المكان الفسيح أشبه بموقع حرثته الأقدام يوما ما، كانت أشجار الغاف والسمر بجذوعها الملتوية وأوراقها النضرة، وبعض من النباتات البرية التي تنمو في الرمل كالحرمل، هي ما يوحي باخضرار الحياة في هذا الموقع، أما جبل المضمار الصغير الذي يبدو من بعيد أشبه بسد صخري، فيمكن رؤية مدافن صغيرة تظهر في سفحه كالفصوص.

سهام وتماثيل لثعابين برونزية

هذا المكان المتواري والبعيد عن العيون، كان يومًا ما مكانًا مفعمًا بالحياة، تدل على ذلك الأسس الحجرية التي عثرت عليها البعثة خلال عام 2015م، وبدأت بالحفر في الموقع، حتى كشفت عن مخطط معماري بحجرات صغيرة، في تلك الحجرات عثرت بعثة التنقيب على كنوز، من بينها جراب للسهام، وسهام برونزية انطمرت في التراب، وكأنما عادت لها الحياة، أو عادت هي للحياة، بعد غياب دام ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.
وفي زاوية بين المبنى المكتشف والسفح الجبلي، توجد شرجة زراعية صغيرة تم التنقيب فيها خلال الموسم الماضي، واكتمل التنقيب فيها هذا الموسم من العام الحالي، فعثرت البعثة على كنوز من الأدوات الزراعية والدفاعية وأدوات الزينة، وفيما كنا نقف مع البعثة وهم يحفرون بأياديهم الأرض وينبشون التراب، ظهر لنا ثعبان برونزي، كان متواريا عن الأنظار ومنطمرًا تحت الأرض، ولعله فضل الظهور، فرحًا بعودته للحياة من جديد.

المضمار ثري بالمعثورات

يقول أحمد بن محمد التميمي مدير دائرة التراث والثقافة بمحافظة الداخلية: إن هذا الموقع مهم جدًا؛ لأنه ثري بالمعثورات التي تم الكشف عنها، لقد حصرنا المعثورات ووجدنا أن البعثة تحصلت على 4 آلاف سهم برونزي، و50 تمثالا من تماثيل الأفاعي، وآلة حفر زراعية وميدالية صدفية، وهذا العدد الهائل لم يتم العثور عليه من قبل، في موقع سلوت، الذي وكنا نتوقع أن نعثر فيه على أدوات كهذه، أكثر بكثير مما عثر عليه في موقع المضمار بأدم.
وتحدث التميمي عن الدلالات المستوحاة من الأسس والمباني التي كانت مطمورة تحت الأرض، حيث أكد أن لها دلالات مختلفة، البعض يراه أنها مبنى للتبادل التجاري، والبعض الآخر يراه أنه موضع للعبادة، وهو بلا شك موقع له أهمية بالغة.
وقال أيضا: إنه من بين الاكتشافات الجيولوجية في الموقع تم العثور على ثغرة في سفح الجبل، يرى خبراء التنقيب أنها نبع ماء جاف يعود إلى تلك الفترة، وسوف تتم الاستعانة بخبراء لدراسة وفحص الترسبات الموجودة في هذه العين، وتحديد عمرها التقريبي.

اكتشاف مبنى له قداسة دينية

وتحدث سعيد بن سالم الجديدي أخصائي آثار ثانٍ بدائرة التراث والثقافة بالداخلية، أن المبنى المكتشف بحسب إفادة الخبراء من البعثة الفرنسية والإيطالية المشتركة له قداسة دينية، أشبه بمعبد تقام فيه طقوس العبادة في تلك الأزمان الغابرة، وفي السفح الجبلي تقام النذور.
وقال أيضا: إن تسقيف المبنى كان بالأخشاب المحلية كالسمر وجذوع النخيل، تؤكد على ذلك الحجرات الضيقة بداخله، وأن الموقع يعود إلى العصر الحديدي المتأخر وهي الفترة التي تعرف لدى علماء الآثار بفترة سمد.
وأضاف أيضا: إنه في ولاية أدم توجد العديد من المواقع التي تنتمي إلى فترة سمد، وأن جبل المضمار مليء بالمدافن الأثرية، بعضها يعود إلى فترات أقدم من فترة سمد، خاصة تلك المدافن المنتشرة في سفح الجبل، وهذه المدافن لها ما يشابهها في منح وبهلا وغيرها من المناطق القريبة.

امتداد لفترة سمد وسلوت

وتحدثت ماتيلد جين خبيرة الآثار الفرنسية، وهي طالبة دكتوراه في جامعة السوربون: إنه تم العثور على حوائط حجرية وسدود زراعية في الموقع، تشبه المدرجات الزراعية التي توجد في الجبل الأخضر، خصوصا مع اكتشاف نبع الماء الجاف المجاور للسدود.
وقالت أيضا: إنه خلال العام الماضي تم حفر نصف الموقع بشكل طولي، وهذا العام يكتمل التنقيب في المتبقي من الموقع.
وقالت الخبيرة الفرنسية: إن فترة المضمار هي امتداد لفترة سمد، وتشبه إحدى فترات سلوت، ومن المحتمل وجود عمليات تبادل تجاري بين المضمار وسلوت ووادي حلفين وغيرها من المواقع، كما أن القادمين من الشمال والمتجهين إلى الصحراء، يكون لهم موقع المضمار محطة استراحة تجارية ودينية.

الموقع يصلح للتبادل التجاري

ولا تعتقد الخبيرة الفرنسية ماتيلد جين وجود مصنع قديم لصناعة السهام والتماثيل الثعبانية في موقع المضمار، حيث لا توجد مصاهر للنحاس أو فحم يستخدم في عملية الصهر، والنحاس غير متوفر في هذه المنطقة، وهذا يؤكد عدم وجود مصانع للسهام والتماثيل البرونزية، ولكنها تعتقد أن المنطقة كان يزورها الناس كثير من الناس للتبادل التجاري فيما بينهم، أما السهام فتستخدم للدفاع عن النفس أو للصيد، وترى أن الأدوات الدفاعية كالسهام مهمة في هذا الموقع أكثر من غيره، وإلى جانب هذه المكتشفات عثرت البعثة على رأس حرباء كبيرة، مما يؤكد ولع الإنسان القديم باقتناء الأدوات القتالية، واستخدامها في الدفاع عن نفسه أو لحراسة الموقع. إن موقع المضمار يوحي بعراقة المكان، ومن المحتمل أن هذه الصخور المتناثرة في السفح، قد جلبت من أماكن بعيدة، لعدم وجود شبيه بها في الموقع، ولعل هذه الكنوز البرونزية التي عثرت عليها البعثة تقود إلى كنوز أخرى لا تزال مدفونة في الأرض، حيث عاش الإنسان في قديم الزمان.