إعادة تعريف مفاهيم الإنتاج

واحدة من القضايا التي تم طرحها في «المؤتمر الوطني للرؤية المستقبلية عُمان 2040»، موضوع دور القطاع الخاص في عمليات التنمية المستدامة، الذي يبدو من الوهلة الأولى من الموضوعات المكررة وفي الوقت نفسه عصي على التوجيه أو الإدراك الفعلي من حيث المطلوبات أو الاستقراءات التي يجب أن يصل إليها صانع القرار، وهذا حقيقي لحد ما، فالقضايا المتعلقة بالقطاع الخاص ودوره في النماء وآفاق الاقتصاد الوطني متعددة الأجنحة بحيث لا يمكن حصرها أو فك تشابكها.
من هنا تأتي أهمية مناقشة هذا الموضوع بشكل جديد ومن خلال محاور غير تقليدية تعيد النظر في البنى الكلاسيكية للإنتاج، فالاقتصاد القديم لا يمكن بأي حال في أسسه والمسارات التي يعمل عليها أن يشبه التطلعات المرتقبة والمأمولة في مراحل قادمة على بعد سنوات في المستقبل القريب، إلا من حيث الجذور التي تصل بين الأمس واليوم بين ما كان وما سيكون، حيث تبقى بعض القيم وتذهب أخرى أدراج الرياح لعدم قدرتها على تعضيد النظرات الجديدة.
يتغير العالم اليوم بطريقة دراماتيكية وسريعة بحيث يصعب تعريف الظواهر والأشياء التي تحدث حولنا، وقبل أن يكون ثمة قرار أو توصية أو تفعيل خطوات باتجاه موضوع معين، سرعان ما سوف تصبح الواجهة ذات لون مختلف، بالتالي فربما كان العالم المعاصر هو عالم القرارات أكثر من كونه محلا للانتظار والتوصيات البعيدة، وبهذا فالخطط الاستراتيجية في هذا الإطار والرؤى بشكل عام لاسيما في قضايا الإنتاج وحركة الاقتصاد، تظل قائمة على الوضع في الاعتبار بشكل كافٍ لمجمل هذا التصور بأن نعي كيف أن السرعة والتحول السريع هي عوامل أساسية في أي نظرة مستقبلية أو استشرافية.
سوف يدرك أي مراقب أو صانع قرار أن مفهوم الأولويات نفسه يخضع لإعادة تعريف وقراءة في ظل معطيات العالم الجديد، فما يبدو أولوية قد يتغير سريعا بفعل هذه العوامل المستحدثة للحياة الحديثة وطبيعة عالم بات معقدا يعمل على الرقمية والابتكار السريع والقرارات المتسارعة أيضا في تشكيل الواقع الإنساني والعالمي عموما، لهذا فطبيعة التصورات القائمة لأي مفاهيم تتعلق بالإنتاج وأنظمته سوف تصبح هي الأخرى محل جدل مستمر وتساؤل لا يتوقف حول ما هو المطلوب آنيا وما هي الخطوة المقبلة؟
إن الأسئلة تندفع بلا هوادة في ظل هذا النوع من التفكير الحداثوي، الذي يجب أن يكون طابعا لأي رغبة حقيقية في الاستثمار في المستقبل، بحيث يعاد بناء المفاهيم في كل شيء تقريبا يتعلق بالمحركات والمحفزات حول الإنسان، فانطلاقا من وعي المفاهيم والتصورات والأفكار يكون الانطلاق نحو اقتناص الفرص الجديدة، فالفرصة لا تأتي من فراغ بل عبر إرادة دؤوبة من العمل المستمر والبرامج وقبل ذلك توقع كيفية التعامل مع الطبيعة الجديدة للعالم وحراكه بشكل عام.
سواء تعلق الأمر بالرؤى الجديدة للقطاع الخاص وعمليات الإنتاج عامة فإن ما قام به «المؤتمر الوطني» هو فتح الأفق لأي جهة من جهات المجتمع ومؤسسات الحكومة وكافة قطاعات الإنتاج التقليدية والحديثة أن تعيد رسم الأفق بحيث تعي اللحظة وتشخصها بشكل جيد، بهدف الاستكشاف الأفضل للمستقبل والوعي تماما بأن الإنسان هو المركز والجوهر في نسج التطلعات، عندما يعرف كيف يحرك دفة المعرفة والوعي لصالحه.