هل نتصالح مع ذواتنا أولا.. أو مع الآخر؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أليس الاختلاف هو أصله نقاش تزداد وتيرته ونبرة صوته كلما طال، وكلما تصادمت الآراء حول محور النقاش؟ والسؤال الآخر أيضا: من هو المخول بإثارة نقاش ما؟ ففي كثير من الاجتماعات التي نحضرها، يبدو أنه ليس شرطا أن من يترأس الاجتماع هو من تكون له الأولوية في طرح نقاش ما، فقد ينبري أي من الحاضرين ليثير نقاشا ما، خاصة إذا كان يحمل بين جوانبه شيئا ما يريد أن يدور النقاش حوله.

لعل الكثيرين منكم شاهدوا مقطع أحد البرلمانيين؛ في إحدى البرلمانات العربية؛ وهو يتلو إحدى نصوص اللائحة الداخلية للمجلس، والتي تنص على ضرورة تحمل الآخر أثناء المناقشات وتبادل الآراء، وعدم النرفزة والذهاب سريعا إلى مستوى الاحتقان لأن ذلك لن يجدي نفعا، بقدر ما يشتت الموضوعات محل النقاش، وإذ به لم يكمل بعد قراءة النص الكامل للمادة، فإذا به يقفز من كرسيه ليتعارك مع زميل له في ذات المجلس، لأنه تداخل معه أثناء قراءة المادة، وتحول الموقف إلى مشهد درامي كأحد أفلام العنف، وساد القاعة هرج ومرج «مضحك» يؤسف عليه، وكما يقال: «شر البلية ما يضحك».
تقع إشكالية الاختلاف في الآراء، والخلاف على موضوعات كثيرة تحت بنية فطرية خالصة، وتمارس بعفوية صادقة، عند جميع الكائنات بلا استثناء، فالمعارك التي نراها قائمة بين مختلف الكائنات – عاقلة منها أو غريزية – هي نفس الذات التي تتحرك تحت هذه الفطرة التي فطر الله الكائنات عليها، وليس للظروف الخارجية أي دور فيها، ربما يختلف الإنسان في تنظيمها، وفي تقصي أسبابها، فالحيوانات؛ كما هو معروف؛ إن تتحرك فهي تتحرك بدافع الغريزة، ومتى انطفأت الغريزة ، بإشباعها؛ خفت شدة الاحتقان، وانتفى الخلاف، أو الاختلاف، بين الإنسان لا يقف عند هذا الحد، فهو من يعمد إلى إثارة مسببات الاختلاف مع الآخر، حتى وإن حقق ما يريد، فهو لا يكتفي بذلك، بل يبحث عن المزيد، ولذلك لا تتقادم القضايا في حياة الناس ومن ثم تزول، وإنما يعود الإنسان في كل مرة إلى مربعه الأول ليبحث عن خلاف بصورة أخرى، تحت نفس الأسباب، ويستحدث أسبابا أخرى ليبقى الاختلاف قائما، ولعل مقولة: «خالف تعرف» واحدة من الصور التي يتكئ عليها الإنسان في إقامة اختلاف مع الآخر، وهو ذات الفهم الذي يذهب إلى اختلاف أعداء افتراضيين لتظل صورة الاختلاف قائمة ومستمرة.
هناك من يعيد ثيمة الـ«اختلاف» إلى الحالة الثقافية، ومنهم من يذهب بها إلى الحالة الاجتماعية، ومنهم من يحمل ظروف الواقع المعاش – أسباب خارجية – وهذه كلها فرضيات قابلة للنقاش، وهي إن تداخلت في هذه قضية الاختلاف في تدخل بنسب متفاوتة، وليس لها الدور المطلق كحالة واحدة قائمة بذاتها في تفعيل الاختلاف، والسؤال الأقرب إلى الطرح هنا: لماذا نتناقش أصلا، حتى نختلف؟
أليس الاختلاف هو أصله نقاش تزداد وتيرته ونبرة صوته كلما طال، وكلما تصادمت الآراء حول محور النقاش؟ والسؤال الآخر أيضا: من هو المخول بإثارة نقاش ما؟
ففي كثير من الاجتماعات التي نحضرها، يبدو أنه ليس شرطا أن من يترأس الاجتماع هو من تكون له الأولوية في طرح نقاش ما، فقد ينبري أي من الحاضرين ليثير نقاشا ما، خاصة إذا كان يحمل بين جوانبه شيئا ما يريد أن يدور النقاش حوله؛ وقد استعد لذلك للدفاع عن وجهة نظره الشخصية؛ ولذلك تمتد الاجتماعات ساعات طويلة، نتيجة نقاشات لا أول لها ولا آخر، يكثر فيها الطعن، واللمز، وما تخفي الصدور، وكثيرا ما ينتهي الزمن المحدد؛ وزيادة؛ للاجتماع دون أن يخرج المجتمعون بنتيجة تستحق هذا اللغط اللفظي الذي تم خلال هذه المدة الزمنية المقتطعة من أعمار كل من كان يحظر الاجتماع، وفوق ذلك كله، وبعد الانتهاء من الاجتماع، ستجد هناك من يسر للآخر: «هل رأيت فلان لم يستطع أن يدافع عن وجهة نظره» أو «أشكر وقفتك معي ضد فلان» أو «لقد هزمنا فلان، ولا أتصور أن يفتح موضوعه مرة ثانية» أو «أبارك لك هذا الانتصار على فلان – شكله شايف نفسه-» إلى غيرها مما تجيش به الأنفس الرافضة للتصالح مع ذواتها أولا، ومع الآخر ثانيا.
استعيد هنا أيضا إشكالية القريب (المصلحة الخاصة) والبعيد (المصلحة العامة) وأثره في تأجيج الاختلاف، فالانتصار للأول أكثر في تأجيج الاحتقان النفسي، وخروجها عن طور النقاش المتزن والعقلاني، أما الثاني فلربما يحظى بشيء من الهدوء والاتزان؛ في أغلب الأحيان؛ وهذا ما يؤكد الحكم على أن جل مواقف التقاتل التي تحدث بين بني البشر، وحتى الكائنات الأخرى هي انعكاس للخوف من الاقتراب من الخاص، فالكائن البشري؛ ليس يسيرا عليه؛ التنازل عن الخاص به؛ وبالتالي سيختلف ويقاتل ويحارب حتى ولو أدى ذلك إلى حتفه لأجل أن ينتصر لذاته ولأطماعه، ولو وقف العالم كله ضده، وهذا من الفطرة، وقد قرأت مقولة جميلة ورائعة جاءت في كتاب (أوراق المنفى – شهادات عن أحوال زماننا) للروائي حيدر حيدر، يقول فيها: «من أين ينبثق هذا الطاغية الصغير، القابع في رؤوسنا سرا، عندما نتربع على عرش السلطة، سلطة البيت، أو سلطة الوظيفة، أو سلطة الأب أو سلطة المدرس، أو سلطة الحزب؟» – انتهى النص -.
من يكسب رهان النقاشات في مجملها؟
وهنا أعود مرة أخرى إلى بيئات الاجتماعات في مختلف المؤسسات، وحتى الاجتماعات العائلية، فلا بد من أن ينبري شخص ما ليحوز على مجمل النقاشات التي تثار هنا أو هناك، فهو يعلل في «كل شيء»، ويدافع عن «كل شيء»، ويظهر للآخرين أنه يعرف «كل شيء»، ليس لمخزون المعلومات التي عنده عن «كل شيء» وإنما هي فطرة، أقرب إلى الحشرية منها إلى التمكن وإضافات معلومات قيمة، حتى يصبح شخصا تنفر النفوس منها لحشريته الزائدة، وكان الله في عون المجتمعين عندما يندس بينهم شخص من هذا النوع، وهذا يعكس نوعا من الـ«ديكتاتورية» المقيتة، فالناس عموما لهم حق إبداء الآراء والأخذ والرد في الموضوعات المطروحة للنقاش، وليس كما جاء في قول فرعون – حسب النص القرآني العظيم -: (… قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وفي اجتماعات كثيرة، نلاحظ حتى رئيس الاجتماع؛ أحيانا؛ لا يجد الفرصة للحديث، من فرط الحشرية الزائدة عند البعض، وهذه إشكالية موضوعية في مفهوم الاجتماعات، وحصص توزيع الأصوات لجميع المجتمعين.
قرأت مرة ترجمة لكتاب (The 12 Bad Habits That Hold Good People Back) وهو للمؤلفين: (جيمس والدرووب وتيموثي بتلر) جمعا فيه العادات السيئة، وهنا اختار العادة السيئة الرابعة – وفق ترتيب المصدر – والمعنونة بـ«تجنب الصراعات بأي ثمن» يقولان فيها: «يميل البعض- ربما بشكل غير شعوري – لتجنب أي صراع – فكري أو بدني – مع أي شخص آخر. لا يقف الأمر عند هذا الحد، فهذا الشخص قد يتدخل أيضا وربما بدون حاجة لذلك لمنع أي شخص من مواجهة شخص آخر. الصراع لا يجب أن يكون عراكا بالأيدي والأرجل، لكن الصراع المقصود هنا هو النقاش وتوضيح الأخطاء وتبادل الآراء المتعارضة، في سياق حضاري لا همجي. الله عز وجل خلق البشر مختلفين، وسيظلون مختلفين، بل إن الإنسان نفسه، يبدأ شبابه معتنقا لبعض الأفكار، ثم يكفر بها عند كبر سنه، بعدما عركته الحياة وأكسبته الخبرة» – انتهى النص -. أصل في الختام إلى مسألة تأطير النقاشات والتخفيف من أزمة حدة النقاشات والذاهبة جلها إلى الاختلاف والخلاف، وهذه لن ينظمها إلا المؤسسات الحديثة الحاضنة لمختلف الحوارات، وهي هنا المجالس البرلمانية، بغض النظر عن بعض الانفلاتات التي تحدث بين الأعضاء؛ في بعض الأحيان؛ وأرى أنها البيئة الآمنة لإقامة حوار عقلاني متزن، وذلك لأن في هذه المؤسسة قوانين ونظم وآليات تحددها اللوائح الداخلية من شأنها أن تجفف منابع الاحتقان والانفعالات، وتفضي في النهاية إلى شيء من التكافؤ؛ على الأقل؛ في طرح الرؤى بين جميع الموجودين تحت سقف البرلمان، أما في البيئات الأخرى، فأتصور أن المسألة لن تخلو من صعوبة ما في مفهوم تأطير الحوارات، لذلك تظل قائمة وفق نمطية الاختلاف والخلاف، وأضيف إلى هذه الخاتمة مقولة رائعة قرأتها للدكتور عبدالله الغذامي في كتابه (ما بعد الصحوة – تحولات الخطاب من التفرد إلى التعدد) إذ يقول: «لقد جاءت «تويتر» لتكشف لك المخبوء النفسي والمعرفي والأخلاقي عبر ضغطة زر، وما أن تأتي تغريدة حتى ترى عبرها كما هائلا من ردود الفعل تبين لك الناس، كل الناس، بدءا من الشيخ الوقور المهيب المسلح بصمته حينا وبسطوة جماهيره حينا آخر، أو بسلطته المعنوية كونه قيمة رمزية ومؤسساتية، كما ستكشف لك عينات المثقفين بكل درجاتهم، إذ بمجرد أن يقع المثقف في مواجهة مع تغريده تلامس أدق خصائصه فيتحول الديموقراطي إلى دكتاتور».