هل فشلت الأمم المتحدة في سوريا؟

سمير عواد –

عندما استلم ستافان دي ميستورا منصب مبعوث الأمين المتحدة الخاص لسوريا خلفاً للمبعوث الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي، كانت الاحتجاجات التي اندلعت في هذا البلاد في مارس 2011 قد تحولت إلى حرب بين الحكومة وعدد من الأطراف المعارضة مما أدى إلى تعقيد الأزمة، بينما الرئيس السوري بشار الأسد عقد العزم منذ البداية على حسمها لصالحه باستخدام القوة العسكرية، وقال إنه لن يسمح بانتشار نفوذ تنظيم «القاعدة» في بلاده.
لكن الحرب الأهلية على وشك إكمال عامها الثامن، ولم يحسم أي طرف الحرب لصالحه بحيث أصبح الحل العسكري مستحيلا حتى لو أن قوة عظمى مثل روسيا تقف منذ عام 2015 بشكل علني إلى جانب الحكومة السورية.
بالنسبة لآراء دبلوماسيين غربيين، فإن فشل أطراف الحرب بحسمها عسكرياً، يجعل الخيار الوحيد أمامها، إيجاد حل دبلوماسي أكثر منطقية وسهولة إذا سلّمت هذه الأطراف بالواقع السوري.
وقد واجهت أول مبادرة دبلوماسية وضعها دي ميستورا لوقف إطلاق النار في مدينة حلب لمدة ستة أسابيع الفشل. ففي نهاية عام 2016 واجه مئات الآلاف من سكان المدينة خطر الموت، حيث كانت الطائرات الحربية التابعة للنظام وسلاح الطيران الروسي يقصفان بعض أحياء المدينة التي لجأ إليها مسلحون واضطر دي ميستورا لمناشدة المهاجمين تفادي إلحاق الأذى بالمدنيين، وقال حرفياً: هل تريدون فعلاً إلحاق الخطر بـ275 ألف مدني من أجل القضاء على ألف مقاتل ينتمون إلى «جبهة النصرة»؟.
ووعد دي ميستورا مقاتلي الفصيل المذكور تأمين الانسحاب بسلام من من المدينة إذا وافقوا على ذلك وأن يرافقهم شخصياً.
وفي صيف عام 2015 كان النظام السوري على وشك الانهيار، مما جعل موسكو تغير حساباتها رأساً على عقب، وكان ضعف النظام يُقلقها لأنها كانت ولا زالت تخشى وصول متشددين إلى السلطة، وأمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببدء مهمة لإنقاذ دمشق، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحكومة السورية تعلن عن انتصار بعد الآخر وتمكنت من استعادة غالبية المناطق التي خسرتها للمعارضين. لكن التحالف الروسي – الروسي أسفر عن ضعف عملية السلام، حيث أصبح النظام السوري يتساءل عن سبب تقديمه تنازلات بعد الانتصارات العسكرية التي حققها بمساعدة موسكو.
والمشكلة التي واجهت دي ميستورا وستظل قائمة هي كيفية توصل أطراف الأزمة السورية إلى حل، حيث المواقف متصلبة. من ناحية أصبحت الحكومة غير متحمسة لتقديم تنازلات بعد انتصاراتها العسكرية، وازدياد استعداد الغرب لعودة مد الجسور معها باعتبار عدم وجود بديل لها في المستقبل المنظور، ومن ناحية أخرى، لا زالت أطراف المعارضة تتمسك بمطلبها تشكيل حكومة انتقالية بدون بشار الأسد، وفي هذه الأثناء زاد عدد القوى الخارجية المتورطة بالأزمة السورية.
وبحسب المحللين فإنه بعد قيام الروس بنقل المفاوضات الدبلوماسية من جنيف إلى «أستانا» و«سوتشي» أصبح دور الأمم المتحدة يتعرض للتهميش، ولم تعد أكثر من مجرد «متفرج» على ما يدور في هذه الأزمة من لقاءات بين روسيا وتركيا وإيران، وهي الدول الداعمة للحكومة السورية، وتستطيع خلافاً للأمم المتحدة أن تتخذ قرارات وقف إطلاق النار إذا كان ذلك يخدم أهداف الرئيس بشار الأسد.
في النهاية لم يكن بيد دي ميستورا غير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي يدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة ووضع دستور جديد لسوريا، على أن يتم الاتفاق على تنفيذه في مفاوضات جنيف. لكن جنيف لم تعد جذابة بالنسبة لبشار الأسد بعد الانتصارات التي حققها بمساعدة حلفائه على الأرض، ولم يعد يواجه تهديدات واقعية من قبل معارضيه.
بتاريخ 24 أكتوبر الماضي، قام دي ميستورا قبل وقت قصير على نهاية مهمته بمحاولة أخيرة هي تشكيل هيئة لوضع دستور جديد للبلاد بينها أعضاء ينتمون إلى المعارضة الذين رشحتهم الأمم المتحدة، وتم الاتفاق على ذلك في مفاوضات «أستانا».
ولهذا الهدف زار دي ميستورا دمشق لكن جوابه قوبل بالرفض من قبل وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي أكد له أن وضع دستور البلاد مسؤولية وطنية وأن التدخل الخارجي بها يمس بسيادة سوريا.
غير أن التلفزيون السوري الرسمي كان أكثر وضوحاً عندما قال: إن وزير الخارجية السوري أبلغ دي ميستورا أنه على الأمم المتحدة عدم التدخل بوضع دستور جديد للبلاد، وكان ذلك إعلان فشل آخر مبادرة أممية لحل الأزمة السورية.