تعزيز النهضة الثقافية والفنية

عبر التاريخ كانت الفنون والثقافة عنوانا للتطور والتقدم، وهي تعكس مرآة للشعوب في رحلتها وتساؤلاتها الحرة والعميقة مع أسئلة الوجود والمعنى والحضور في كينونة الزمان والمكان.
فالفنون بكافة صورها ليست مجرد لحظات من التسلية أو المتعة العابرة، بل هي تجسيدات وارفة الظلال لحركة وفاعلية الكائن وهو يحاول أن يوجد موقعه في هذا العالم من خلال اكتشاف الحقائق وبناء جسور التواصل مع الآخر واستشراف آفاق الحياة الأجمل.
وتولي السلطنة بقيادة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه- أهمية كبيرة لغرس هذه المرتكزات في الوعي بالفنون وممارستها لدى الأجيال الجديدة بما يقرّب الإنسان من البعد الثاني وراء الحياة المادية الروتينية والمتكررة، فالفن ينزح بالكائن البشري إلى إعادة تعريف الوعي والأفكار، بل يهذب المشاعر والنفوس ويصقل المواهب، وهو معنى مدرك وعميق يلفت الانتباه إلى ضرورة الاهتمام الكبير بتنمية مواهب الصغار في المساحات التي يبدعون فيها سواء في الرسم أو الموسيقى أو العزف أو غيرها من فنون الحياة الإنسانية. وقد جاء في هذا الإطار أمس افتتاح دار الفنون الموسيقية بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وبرعاية صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، رئيس اللجنة العُليا لدار الأوبرا السلطانية.
وهو الحدث الذي يتطلب بلاشك التوقف عنده من حيث المعاني والدلالات التي يختزنها ويشير إليها، في سبيل تعزيز النهضة الثقافية والفنية في السلطنة، تلك النهضة التي تعكس الرؤية السامية لجلالة السلطان ورعايته لهذه الجوانب الحيوية، وهو اهتمام بدأ مبكرا وتواصل عبر الزمن منذ تأسيس الأوركسترا السيمفونية السلطانية في الرابع من سبتمبر عام 1985 والتي تعتبر أول فرقة من نوعها بالمنطقة، وقد جاء في الثاني عشر من أكتوبر عام 2011م افتتاح دار الأوبرا السلطانية مسقط التي مثلت صرحا عظيما يعتز به ويفخر العمانيون، لما يضيفه من معانٍ وقيم في إطار المفاهيم التي تعزز رعاية الفن والثقافة وحفز الإبداع بشكل عام.
إن تدشين هذا الصرح الجديد يأتي ليؤكد على رسالة عُمان الحضارية التي تأخذ من معطيات الحضارة الإنسانية وموقع السلطنة فيها منذ القدم، ويتلاقى ذلك مع المضي نحو المستقبل والتحديث للحياة، بما يمكن الأجيال الصاعدة من التعايش مع معطيات الحراك العالمي في مجالات الفنون والثقافة وأيضا يبرز القدرة على استضافة الفعاليات المتنوعة في هذا المجال وفق أرقى المعايير العالمية.
وهذه الرسالة التي تضطلع بها دار الفنون الموسيقية تتكامل مع ما تقوم به دار الأوبرا السلطانية مسقط، فكلاهما يؤسسان لأشرعة رفافة في بحر الحضور الرحب في صلب الحضارة وفي صميم المعطيات الإنسانية التي تمكن الإنسان من الإبداع والعطاء والمساهمة الفاعلة في الحياة خاصة في هذا العصر الذي يتسم بالانفتاح والتسارع وتبادل المعارف والثقافات وتقريب المسافات بين الشرق والغرب مع الاحتفاظ بالقيم الأصيلة للذات في الآن نفسه، وهي سمة المشروع العماني وحضارة مجان.