المشروعات الصغيرة والمتوسطة المدخل لتعزيز التنويع الاقتصادي

د. أحمد سيد أحمد –

ترتكز السياسة الاقتصادية العمانية على تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة التي تستهدف تحسين عيشة المواطن العماني، باعتباره الأداة والغاية من التنمية، وفتح آفاق جديدة للاقتصاد في كافة المجالات عبر استراتيجية التنويع الاقتصادي وعدم الاعتماد على النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل القومي في ظل التقلبات الكبيرة التي تشهدها أسعار الطاقة في السوق العالمي وتعود لعوامل خارجية بالأساس، مما يدفعها إلى التذبذب ما بين الانخفاض والارتفاع وهو ما يؤثر سلبا على الاقتصاد وعلى الميزانية العامة، إضافة إلى أن الطاقة غير المتجددة من النفط والغاز سوف تنتهي إما عاجلا أو أجلا، وهو ما دفع القيادة العمانية إلى استشراف المستقبل وتبنى خطة التنويع الاقتصادي التي تتمثل في استدامة النمو واستقرار الاقتصاد الكلي حيث تستهدف الخطة الحفاظ على معدل نمو حقيقي في حدود 3% سنويا، وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك أساسي للنمو عبر تحسين مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتفعيل برنامج التخصيص وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعم القدرة التنافسية للاقتصاد العماني، كما أن عملية التنويع تتطلب أيضا تنمية رأس المال البشري عبر رفع كفاءة القوى العاملة الوطنية.
وقد حققت سلطنة عمان إنجازات كبيرة وخطوات مهمة على طريق التنمية الشاملة والمستدامة وعلى مسار استراتيجية التنويع الاقتصادي من خلال المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في الدقم وصلالة صحار والتي تتضمن مشروعات عملاقة في قطاعات اقتصادية مختلفة خاصة في مجال الصناعات التحويلية وصناعة البتروكيماويات إضافة إلى التوسع في مجالات الزراعة والسياحة في ظل الموارد الطبيعية الكبيرة التي تحظى بها السلطنة، وقد احتلت عمان المرتبة الـ17 من أصل 148 دولة في التقرير العالمي للتنافسية في عام 2015، وجاءت في المرتبة الرابعة بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال لعام 2016.
وتعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد المفاتيح الرئيسية التي تعزز التنمية الاقتصادية وتدعم خطة التنويع الاقتصادي التي تتبناها الدولة، وذلك من خلال التوسع في هذه المشروعات وكذلك مشروعات ريادة الأعمال والتي انتشرت في مختلف محافظات السلطنة، وبشكل خاص في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وفي المناطق الصناعية الأخرى، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة توفر العديد من المزايا للاقتصاد أبرزها:
أولا: أنها مصدر مهم لمدخلات الإنتاج للمشروعات الكبيرة والعملاقة مما يساعد بشكل كبير في دفع عجلة الإنتاج وتقليل التكلفة وتحسين الجودة، فأغلب التجارب التنموية البارزة في العالم مثل اليابان والصين تعتمد بشكل أساسي على المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تزويد المشروعات الكبرى مثل السيارات والبتروكيماويات بمدخلات الإنتاج. وتبرز أهمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في عمان في توافر العديد من المجالات والموارد التي تعتمد عليها تلك المشروعات مثل المشروعات اليدوية وإنتاج مستلزمات الإنتاج المختلفة في قطاع الصناعات التحويلية والصناعات المرتبطة بالزراعة والسياحة وغيرها، إضافة إلى تقديم الدولة لكافة التيسيرات المالية والتشريعية لتشجيع ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إطار الشراكة المتزايدة بين القطاعين العام والخاص، وقد طرحت الدولة العديد من المبادرات مثل برنامج (تنفيذ) الذي يهدف لدعم سياسة التنويع الاقتصادي ومنها المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى أن تلك المشروعات تعتمد على مفهوم الميزة النسبية، أي التخصص في قطاع أو إنتاج سلعة معينة مرتبطة بإنتاج سلع أخرى مما يساهم في تحقيق التشابك والتكامل الاقتصادي بين القطاعات الإنتاجية المختلفة.
ثانيا: يمثل قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة دورا مهما في تقليل إعداد الباحثين عن عمل من خلال فرص العمل الكثيرة التي يوفرها للشباب العماني من الجنسين، حيث يتزايد إقبال الشباب على الانخراط في تلك المشروعات، وهو ما يساهم في تحقيق ذواتهم وفي ثقافة العمل والمشروع الخاص وعدم الاعتماد بشكل كامل على الدولة، كما أنها توفر فرصا كبيرا ومجالا واسعا للمبتكرين والمبدعين من الشباب في إطار تنامي مفهوم مشروعات ريادة الأعمال في السلطنة، خاصة المصنوعات اليدوية، ويمثل هذا القطاع أهمية كبيرة في ظل اكتساب الشباب العماني مهارات كبيرة عبر التعليم تؤهله للانخراط في سوق العمل والتعامل مع أحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة.
ثالثا: يمثل قطاع الثروة السمكية والزراعية أحد المجالات المهمة لتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة في السلطنة التي تزخر بالعديد من المقومات مثل الشواطئ الطويلة وتأسيس مشروعات خاصة بتصنيع الأسماك كذلك قطاعات السياحة ومشروعات المشغولات اليدوية التي تعكس ثقافة السلطنة، إضافة إلى قطاعات الصناعات التحويلية في المناطق الصناعية، وقد ساهمت شبكة البنية الأساسية الكبيرة التي قامت الدولة بتطويرها من طرق ومواصلات وكهرباء ومطارات وموانئ في تهيئة المجال أمام انطلاق المشروعات الكبرى بشكل عام والمشروعات الصغيرة بشكل خاص.
رابعا: تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة مصدرا مهما للناتج القومى الإجمالي مع النمو الكبير في هذا القطاع الحيوي الذي يتضمن فرصا واعدة وكبيرة تجعله مرشحا لأن أن يكون أحد المصادر الأساسية غير النفطية للدخل من خلال إيجاد مزيد من التكامل مع القطاع الخاص ومع المشروعات العملاقة.

ولا شك أن تطوير ودفع قطاع المشروعات الصغيرة لكي يلعب دورا كبيرا في الناتج القومى يتطلب العديد من الأمور:
أولها: نشر ثقافة العمل الخاص بين الشباب عبر الإعلام والتعليم لدفع الشباب للاتجاه نحو المشروع الخاص والمبادرات الفردية وأهمية العائد المادي لتلك المشروعات، كذلك تأهيل الشباب على كيفية إقامة المشروع الصغير ومساعدته في التغلب على العقبات التي يواجهها خاصة العقبات المالية والتسويقية، وكذلك اختيار نوعية المشروع الذي يناسب مهاراته وإمكانياته والموارد التي تحظى بها المنطقة التي يعيش فيها، وتجنب وجود مشروعات صغيرة متشابهة تؤثر على المنافسة فيما بينها.
ثانيها: الاستفادة من الخبرات العالمية في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة خاصة في التجارب التنموية المتميزة في العديد من دول العالم مثل الصين واليابان والولايات المتحدة والبرازيل والهند وغيرها، والتي يلعب قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة دورا مهما في الاقتصاد وفي العملية التنموية والإنتاجية، وهنا يمكن إرسال وفود من أصحاب المشروعات الخاصة من الشباب العماني إلى تلك الدول للتعرف على كيفية إعداد المشروع والجدوى الاقتصادية وأساليب التسويق وغيرها من الأمور التي تساعد في إنجاح تلك المشروعات أو استقدام نماذج من أصحاب المشروعات الخاصة في تلك للدول للتعرف عن تجاربهم والاستفادة منها.
ثالثها: أهمية دور القطاع الخاص العماني في دفع وتدعيم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة سواء من خلال شراكات اقتصادية مع مؤسسات الدولة المختلفة أو من خلال تبني المشروعات الصغيرة الناجحة ودعمها ماليا وتسويقيا خاصة مشروعات ريادة الأعمال التي تمثل المستقبل الحقيقي للاقتصاد والتي يتجه إليها العالم كلها.
ولا شك أن خطة التنمية الخمسية التاسعة الحالية (2016-2020) ترتكز بشكل أساسي على دعم وتعزيز قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في إطار خطة الدولة لتحقيق التنمية لشاملة والمستدامة وتعزيز دور القطاع الخاصة، وهو ما انعكس في دعم وتعزيز سياسة التنويع الاقتصادي وزيادة إسهام المصادر غير النفطية في الدخل القومى، والتي يتزامن معها التشريعات الاقتصادية المهمة التي أصدرتها الدولة خاصة في مجال الاستثمار وتهيئة مناخ الاستثمار في السلطنة وجذب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع الاستثمارات المحلية، وبحسب الأرقام الصادرة عن النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات يتضح أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية حقق في عام 2017م نموا بلغ 8.7% مقارنة بعام 2016م، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 27.9 مليار ريال عماني في عام 2017م مقارنة بنحو 25.7 مليار ريال عماني في عام 2016م، كما يتضح أن القيمة المضافة للأنشطة غير النفطية بلغت بنهاية عام 2017م حوالي 20.5 مليار ريال عماني مقارنة بـ19.7 مليار ريال عماني في عام 2016م أي بنسبة نمو قدرها 3.9%.
هذه المؤشرات تؤكد نجاح سياسة التنويع الاقتصادي التي تتبناها السلطنة وفي القلب منها قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها أحد المداخل الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.