السترات الصفراء .. هل ستتحول إلى ظاهرة؟!

د. عبدالعاطي محمد –

لم يقف معظم إعلامنا العربي إلا عند الطابع العنيف الذي اتسمت به التظاهرات الاحتجاجية في فرنسا، والتي قادها من أطلقوا على أنفسهم أصحاب السترات الصفراء، ومع أن ذلك صحيح، إلا أنه ليس إلا جانب واحد من عدة جوانب تشكل في مجموعها ما يعرف لدى خبراء السياسة بالحركات الاجتماعية.
ولأن الفرنسيين والغربيين عموما يدركون جيدًا المقصود بهذا المعنى فقد بدوا أكثر هدوءًا وتفهمًا للأحداث وما يمكن أن تنتهي إليه، وتحديدا كيفية التعامل معها إيجابيا حفاظا على الاستقرار وعدم الوقوع في حالة من الفوضى.
تاريخيا عرفت فرنسا قديما وحديثا أحداثا للعنف، كما عرفت أحداثا إرهابية، وعايشت لفترات حالات من الفوضى، ولكن يجب وضع كل هذه الأشكال من العنف في إطارها المحدد وظروفها الموضوعية، كما يجب التأكيد على أنه مثلما يحدث ذلك بين وقت وآخر، فإن البلاد سرعان ما تتمكن من السيطرة على الموقف وإيجاد مخرج سياسي يعيدها إلى المسار المستقر.
ومن الصحيح أن الأحداث الأخيرة شهدت مظاهر للعنف والتخريب ما كان لها أن تتم خصوصا من جانب شعب كالشعب الفرنسي المعروف بقدرته على إدارة الحوار والبحث دائما عن حلول سياسية للأزمات.
وقد بررت بعض التحليلات لجوء المتظاهرين إلى العنف في أشهر معالم باريس السياحية الشانزليزيه، وتشويه رموز تاريخية فرنسية مثل قوس النصر، والإصرار على محاولة اقتحام قصر الإليزيه، بأنه كان بهدف لفت الانتباه للحركة داخل الوسط الشعبي والإعلامي والسياسي للاستماع لمطالبها وتلبيتها، ولكن المشهد كان مؤسفا حقا ولاقى استهجانا من جانب السواد الأعظم من الفرنسيين بغض النظر عن شعبية ماكرون المتراجعة ووجود معارضة قوية لإصلاحاته الاقتصادية، ولم يخطئ من علّق على هذه الأحداث بأنها أساءت لصورة فرنسا في الخارج. ومن جهة أخرى فإن السلطات وهي تتابع الموقف لم تستنكر أعمال العنف والتخريب فقط، وإنما أكدت أنها مستعدة لإعلان حالة الطوارئ لوقف هذا العنف.
ولكن القضية الأساسية التي تسترعي الانتباه حقا، هي الحركة ذاتها التي فجرت وقادت الأحداث بكل ما يثار حولها من تساؤلات عن أسباب ظهورها، والأهداف التي تريدها، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، وكيفية تعامل الحكومة الفرنسية معها، وهنا يمكن القول إن ما جرى ويجري إلى أن يسدل الستار على هذه الأحداث المثيرة، هو أن هناك حركة اجتماعية جديدة ظهرت في فرنسا أطلقت على نفسها حركة السترات الصفراء. وعند العرفين بأمر هذا النوع من النشاط الإنساني الاحتجاجي، فإن الحركة الاجتماعية تنشأ نتيجة شعور عميق من جانب عدد ليس بالقليل من الناس بضرورة التغيير لأوضاع اجتماعية قائمة، ويمكن أن يكون التعبير عن ذلك سلميا ويستمر لعدة سنوات وربما لعقود طويلة إصرارا من القائمين عليها بضرورة إحداث التغيير فيما يحددونه بالضبط، وربما يكون العكس تماما أي الاتجاه إلى العنف، كما يتسم قيامها بالعفوية أي بدون سابق إنذار، ولا تعتمد على التنظيم في غالبية أشكالها وإنما على كسب المؤيدين والأتباع، وليس بالضرورة أن تكون لها قيادة، وغالبا ما لا تحترم القانون، وتسعى بالأخص إلى الانتشار داخل وخارج بلادها، وتهتم بالرموز، وليس لها إطار عقائدي (فكري).
ومن جهة أخرى من الممكن أن تتحول الحركة الاجتماعية إلى تنظيم سياسي أو تبقى على حالها دون تغيير.
حالة السترات الصفراء تكاد تكون نموذجا مثاليا للمهتمين بدراسة ما يسمى بالحركات الاجتماعية والسياسية، وربما يكون الخبراء العرب وأساتذة الاجتماع أكثر الأطراف حاجة لتتبع هذه الحالة لفهم ما يجري من تغيرات اجتماعية وسياسية في منطقتنا العربية التي غالبا ما تبعث على القلق الشديد وتتسبب في عدم استقرار الأوضاع.
ومن اللحظة الأولى بدت الخصائص السالفة الإشارة إليها منطبقة إلى حد كبير على حركة السترات الصفراء حتى لا نبالغ في القول بأنها نموذج صريح تماما لما قدمه علماء السياسة المختصين بهذا المجال قديما وحديثا عن الحركات الاجتماعية والسياسية.
فقد نشأت هذه الحركة بمبادرات فردية وجدت استجابة واسعة من جانب الفرنسيين المتضررين من صعوبة الأحوال المعيشية وزيادة الضرائب وأسعار الوقود، وساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشارها السريع واتساع رقعتها وزيادة مؤيديها.
ورفض أصحابها انتماؤهم لأي أحزاب أو نقابات، وتحركوا دون أي قيادة أو تنظيم بالمعنى الدقيق للكلمة، وتركزت أهدافهم في رفض قرارات للرئيس الفرنسي يتم تطبيقها من بداية 2019 تتضمن زيادة في أسعار الوقود وفرض ضرائب عليها.
وتركز معظم المنتمين للحركة في فئات من الطبقة الوسطى التي تباشر بعض المهن والأنشطة ومن هم في سن المعاش ولكنهم يتقاضون معاشات قليلة أو إعانات.
وتطالب الحركة بإلغاء هذه القرارات، واختارت الحركة ارتداء السترات الصفراء كرمز للتعبير عن هويتها حيث غالبا ما تلعب الرموز دورا مهما في انتشار الحركات الاجتماعية.
وجاء استخدام هذا الرمز من واقع قانون صدر عام 2008 يقضي بضرورة ارتداء أي سائق لسترة صفراء مضيئة في حالة ما تعرض لحادث أو عند خروج السيارة على الطريق في حالة الطوارئ، وواضح أن الهدف هو لفت الانتباه عند الآخرين للمساعدة والإنقاذ والحذر في حالة الطوارئ.
ونظر المنتمون للحركة للرئيس ماكرون بهذه القرارات أنه رئيس يعمل لصالح الأغنياء لأنه قرر تخفيض الضرائب عليهم في حالة تجاوبهم مع دعواته المتكررة عن حماية المناخ ووقف تهديدات الكربون بزيادة حرارته، بينما فئات من الطبقة الوسطى وبالطبع الفقراء لن يتحملوا زيادات في الضرائب على أسعار الوقود بحجة حماية المناخ، وواضح من ذلك أن الحركة لها مطالب اجتماعية ولا تشكل حركة سياسية ما، ومن حيث الانتشار الخارجي فقد امتدت السترات الصفراء إلى بلجيكا المجاورة، وترددت أنباء عن نية الحركة توسيع نشاطها في بلاد أوروبية أخرى. إلى جانب الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة الفرنسية بهدف استعادة الاستقرار وحماية الممتلكات كرد فعل من جانبها على نشاط الحركة الجديدة، وعد الرئيس ماكرون بإجراء محادثات على مدى ثلاثة أشهر حول الطريقة المثلى لتحويل فرنسا إلى اقتصاد قليل الاستخدام للكربون دون معاناة الفقراء، وبإبطاء معدل الزيادة في الضرائب على الوقود إذا ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل سريع للغاية، لكن فقط بعد إقرار زيادة الضرائب المقررة بداية العام 2019، في البداية لم تجد مقترحاته الأولى بالطبع استجابة من المحتجين لأنها لا تغير سياسته الإصلاحية الاقتصادية التي جاءت بالضرر على الطبقة الوسطى والفقيرة وتحديدًا لا توقف القرارات الأخيرة التي فجرت المظاهرات، ومما زاد من صعوبة الموقف أن إمكانية الحوار مع الحركة بدت عسيرة، نظرًا لعدم وجود قيادة واضحة لها يمكن التحاور معها سواء من جانب الحكومة أو البرلمان، مما يعني أن الحل السياسي بقى متركزا في يد ماكرون وحكومته وحدهم.
والحل المُرضي للمحتجين هو إلغاء القرارات أو تأجيل تطبيقها. وفى حالة تمسك ماكرون بقراراته فإن الأزمة تنتقل من طبيعتها الاجتماعية إلى السياسية بمعنى وضع الحكومة في اختبار قاس من أجل البقاء وهي التي باشرت السلطة لنحو عام أو أكثر فقط وعلى أبواب انتخابات للبرلمان الأوروبي يريد حزب ماكرون أن يحظى بوزن مهم فيها، فإما تجرى تعديلا مُرضيا شعبيا يوقف تيار الحركة المتصاعد أو تلجأ إلى الاستفتاء أو تفقد تأييد البرلمان (الجمعية الوطنية) ثم تترك المجال لحكومة جديدة.
ويلاحظ في هذا الصدد أن اليمين واليسار المتطرف قد دخل على خط الأزمة منذ بداية الاحتجاجات حيث جرى توجيه الاتهام لعناصره بأنهم المسؤولون عن أعمال النهب والتخريب والعنف بعد أن اندسوا وسط الحركة الجديدة. ويريد كل من الطرفين إقصاء ماكرون وحكومته من السلطة من خلال تسخين الشارع الفرنسي باستغلال هذه المظاهرات الجديدة.
وسط هذه التعقيدات المتزايدة للأزمة اضطر ماكرون لفتح باب الحوار مع زعماء الأحزاب السياسية وممثلين من المحتجين، ولم يكن أمامه إلا خيار تعليق قراراته بزيادة أسعار الوقود، على الأقل لكى يبقى الباب مفتوحا للوصول إلى حل سياسي، ولكن دون التراجع عن سياسته الاقتصادية الصعبة، بما يعني أن أمد الأزمة يمكن أن يطول كثيرا.
بالطبع لم يكن من أهداف أصحاب السترات الصفراء تحويل حركتهم إلى حركة سياسية تريد تغييرا في الحكم القائم كما تريد قوى اليمين واليسار المتطرفة، ولكن الوضع السياسي العام الراهن المتأزم ليس في فرنسا وحدها، وإنما في أوروبا كلها، وفي علاقة القارة العجوز بالولايات المتحدة هو الذي أضفى طابعا سياسيا على حركة لها مطالب اجتماعية فقط. هناك أزمات اقتصادية وخلافات سياسية غير مسبوقة ومواجهات لاستعراض القوة من الدول الكبرى بين بعضها البعض، بجانب نزعة إلى الشعبوية في بعض سياسات الحكم هنا أو هناك. وكلها في الحقيقة تضع ليس الحكومة الفرنسية فقط بل الشعب الفرنسي كله في مفترق طرق.
القضية لم تعد تمثل مطالب اجتماعية لأصحاب السترات الصفراء، وإنما تمثل تحديا للدولة الفرنسية شعبا وحكومة للوصول إلى حل سياسي لتداعيات متوقعة لإصلاحات اقتصادية صعبة خصوصا أن فرنسا ماكرون تريد أن تكون نموذجا يحتذى لأوروبا جديدة قوية ذاتيا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.