السلطنة تحتضن إشهار الوثيقة العربية لحماية البيئة لتحقيق التنمية المستدامة

تقديرا لاهتماماتها بالبيئة وما تزخر به من تنوع جغرافي وبيولوجي –
كتب- نوح بن ياسر المعمري –

أشهرت أمس بمجلس الدولة الوثيقة العربية لحماية البيئة وتنميتها؛ لتشكل إضافة مهمة لجهود الحفاظ على البيئة العربية، وتترجم الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد والثروات الطبيعية العربية واستغلالها الاستغلال الأمثل لتحقيق التنمية المنشودة والحفاظ عليها لفائدة الأجيال القادمة، ومعالجة المشكلات البيئية من خلال وضع التشريعات والسياسات والخطط، واقتراح الأنشطة والآليات الملائمة وبرامج العمل المشتركة لصون البيئة والحد من مهددات الأمن البيئي العربي، انطلاقا من الرؤية الشاملة لمفهوم حماية البيئة التي تستصحب الاعتبارات الدينية والاقتصادية والاجتماعية. جاء حفل إشهار الوثيقة العربية لحماية البيئة وتنميتها، تحت رعاية معالي محمد بن سالم التوبي وزير البيئة والشؤون المناخية بحضور رئيسي مجلسي الدولة والشورى بالسلطنة، ومعالي الدكتور مشعل بن فهم السلمي رئيس البرلمان العربي وعدد من أصحاب المعالي والسعادة والمكرمين.
وتم اختيار السلطنة لاستضافة حفل إشهار الوثيقة تقديرا لجهودها في الاهتمام بالبيئة؛ حيث تعد من أكثر الدول العربية اهتماما بالبيئة، ومن بين الدول العشر الأولى عالميا في هذا المجال. كما يأتي اختيارها نظرا لما تزخر به من تنوع جغرافي وبيولوجي، حيث تضم الجبال والوديان والسهول والتلال الصخرية والمناطق الساحلية، كما أنها موطن للعديد من الحيوانات.

تحقيق التنمية المستدامة

وأكد معالي محمد بن سالم التوبي وزير البيئة والشؤون المناخية أن «إصدار الوثيقة العربية لحماية البيئة وتنميتها هنا في مسقط يعد إضافة جديدة لمنجزات البرلمان العربي مثل توصيات ندوة الأمن القومي ووثيقة المرأة العربية ووثيقة الشباب العرب، ومع مُضينا نحو تحقيق التنمية المستدامة في مختلف المجالات سعيا لتوفير بيئة صحية منتجة واقتصاد منافس ورفاهية وازدهار المجتمعات العربية، فإننا نواجه ضغوطا كبيرة على الموارد الطبيعية وأنماطا مختلفة من التلوث وفقدان الموائل والتنوع الأحيائي، إضافة إلى التحديات التي تواجه قطاع الأمن المائي والغذائي والمناخي وتدهور الأراضي الأمر الذي يحتم التعاون والتنسيق بين دولنا العربية التي تتميز بتشابه كبير في الظروف التنموية والبيئية، ولا شك أن النجاح الكبير الذي يحققه مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة يعد إضافة إلى الجهود المبذولة على المستويات الإقليمية».
وأشار التوبي إلى أن السلطنة أولت اهتماما كبيرا بإدارة القطاع البيئي تمثلت في تأمين سلامة البيئة ومكافحة التلوث والمحافظة على النظم البيئية المختلفة في إطار الأهداف الأساسية للتنمية المستدامة وحماية الحياة الفطرية وصون الطبيعة والحفاظ على الموارد المتجددة والعمل على استغلالها بصورة مستدامة ومراقبة وتقييم التغيرات المُناخية من أجل الحفاظ على سلامة النظم البيئية والاجتماعية والاقتصادية بما في ذلك نشر الوعي والثقافة البيئية وغرس مفاهيم متطلبات التعامل مع البيئة والشؤون المناخية لدى كافة فئات المجتمع تعزيزا لأهداف التنمية المستدامة.

حماية البيئة

وألقى سعادة الدكتور خالد بن سالم السعيدي أمين عام مجلس الدولة كلمة المجلس التي أكد فيها أن السلطنة تولي اهتماما بالغا بحماية البيئة، وتبذل جهودا عظيمة لصون مواردها، وقد تبدى ذلك جليا منذ فجر النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- حيث حرصت المرتكزات التشريعية للتنمية الشاملة على تكريس مبدأ المواءمة بين تحقيق أهداف التنمية، والحفاظ على البيئة وضمان استدامة الموارد، وتم في هذا الشأن إنشاء أول وزارة للبيئة في عام 1984م، وإصدار العديد من التشريعات واللوائح لتنظيم جوانب العمل البيئي إضافة إلى تنفيذ عدد من المشاريع البيئية لصون وحماية الموارد الطبيعية، وقال: إن يوم البيئة العماني الذي يصادف الثامن من يناير من كل عام يعد أحد تجليات الاهتمام العماني بالبيئة، من خلال التأكيد على مشاركة كافة شرائح المجتمع في الجهود المبذولة لصون الموارد الطبيعية، توظيفا لسمات الشخصية العمانية التي تتجذر لديها مفاهيم حماية موارد البيئة.
كما أوضح أن السلطنة حرصت على المشاركة الفعالة في الجهود الدولية المبذولة، لصون البيئة وحمايتها، إيمانا منها بأن التحديات البيئية لا تعترف بالحدود، ولا تتقيد بالجغرافيا، حيث انضمت إلى العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية في مجال الحفاظ على البيئة، والتزمت ببنودها تعزيزا للتعاون الدولي، وتحقيقا لتكاملية الجهود الأممية في هذا المجال.
وأضاف: إن جائزة السلطان قابوس لحماية البيئة التي تعد أول جائزة عربية في المجال البيئي، تأتي تتويجا لمواقف السلطنة، وشاهدا على جهودها في خدمة قضايا البيئة والتنمية، حيث إن الجائزة التي تُمنح من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، أسهمت منذ تدشينها قبل نحو 30 عاما، في خدمة العمل البيئي من خلال تكريم كوكبة من المهتمين بشؤون البيئة أفرادا ومؤسسات على المستوى العالمي، وتسليط الضوء على إسهاماتهم المثمرة في الحفاظ على البيئة وإدارة مواردها.
ولقد كان لكل هذه المبادرات الرائدة دور في أن تتبوأ السلطنة مكانة مرموقة بين الدول الساعية للحفاظ على البيئة، وأن تتمتع بسمعة طيبة إقليميا ودوليا في هذا المجال.
وقال: إن لمجلس عمان جهوده في المجال البيئي من خلال دراسته لعدد من مشروعات القوانين والدراسات خلال فتراته المتعاقبة منها: مشروع قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث، ومشروع قانون تنظيم وتخصيص قطاع النفايات، إضافة إلى قيام مجلس الدولة بدراسة حول التلوث البيئي وتقديمه مقترحا لمراجعة التشريعات المنظمة لقطاع الصرف الصحي.
مشيرا سعادته إلى أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان، وأعلى منزلته، ورفع مكانته، واستخلفه في الأرض، وسخر له كل ما فيها، وأوجب عليه الحفاظ على هذه الأمانة العظيمة أمانة الاستخلاف، بمراعاة الاعتدال في استغلال الموارد، وعدم التسبب في إفسادها؛ لأن مفرداتها من هواء وماء وتربة وحيوانات ونباتات، تشكل في مجملها مصدر استمرار الحياة البشرية على كوكب الأرض.
ولقد نتج عن الاستغلال الخاطئ لهذه الموارد، وسوء التعامل معها، مهددات جمة لبيئة الكرة الأرضية، الأمر الذي دفع بالعديد من دول العالم والهيئات والمنظمات إلى اتخاذ إجراءات للحد من التأثيرات السلبية للإنسان على البيئة، وتفادي المخاطر الناجمة عن الإخلال بالتوازن البيئي.
كما أن جسامة التحديات البيئية الماثلة في عالمنا العربي، تحتم العمل المشترك والتنسيق بين الدول العربية والمنظمات والهيئات الإقليمية المعنية بحماية البيئة للحفاظ عليها، وتكثيف الجهود لإعداد الاستراتيجيات الكفيلة بالتصدي للمشكلات التي تواجهها.
وأكد سعادة الدكتور خالد بن سالم السعيدي أن تصدي البرلمان العربي لهذه القضية الحيوية نابع من دوره تجاه كافة قضايا الأمة باعتباره من التجارب الناجحة للعمل العربي المشترك، ومن منطلق إدراكه للحاجة الماسة لبذل المزيد من الجهود لمواجهة التحديات البيئية الماثلة وحشد الموارد من أجل تنفيذ مبادرات جديدة في إطار التعاون الإقليمي لحماية الأنظمة البيئية في الدول العربية.
وقال سعادته: إن الوثيقة العربية لحماية البيئة وتنميتها تشكل إطارا عاما يمكن الاهتداء به في وضع السياسات والخطط والأنشطة والآليات في مجال البيئة والحياة الفطرية للحد من المشكلات البيئية، وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية للدول العربية والتنمية التي تراعي البيئة وصحة الإنسان والأخذ بالتوجهات الإقليمية والعالمية في مواجهة ومعالجة التلوث البيئي من خلال استراتيجية عربية لحماية البيئة.

استغلال الموارد الطبيعية

وتعد الوثيقة العربية لحماية البيئة وتنميتها ذات أهمية كبيرة وتهدف إلى تعزيز اهتمام كل الدول العربية بحماية البيئة والحياة الفطرية عن طريق الاستغلال الأمثل لكافة الموارد الطبيعية، وتشجيعها على تكثيف جهودها في هذا الشأن وإعداد الاستراتيجيات اللازمة للحد من تزايد الأضرار والمشكلات البيئية والعمل على معالجتها والعمل على صون الموارد الطبيعية وتنميتها والحفاظ على التنوع الحيوي في الدول العربية، واستغلاله على النحو الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة، كما تهدف إلى حماية المجتمع وصحة الإنسان والكائنات الحية الأخرى من كافة الأنشطة المضرة بيئيا التي تعيق الاستخدام الآمن والمشروع للأوساط البيئية، ويجب الحث على الانضمام لمزيد من الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية المتعلقة بالبيئة، واستكمال المنظومة التشريعية الكفيلة بحماية البيئة وتنميتها. وتحرص الدول العربية على تبني الأنظمة الموحدة والاتفاقيات الإقليمية وبرامج العمل المشتركة لحماية البيئة وصون الطبيعة ومواجهة الأضرار البيئية بكافة الوسائل بما فيها وضع التشريعات والقوانين الموحدة للبيئة وتوحيد إجراءات تقييم وتقويم الأثر البيئي وتحديثها بشكل دوري ومتجدد، وتبني مقاييس بيئية موحدة، والتعاون في المحافظة على الموارد المائية وتفعيل مفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والعمل على التعاون في حماية الأنواع المهددة بالانقراض من الكائنات. والعمل على إنشاء أجهزة تخصصية مشتركة لمواجهة الكوارث البيئية، وتشجيع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتبادل المعلومات والإبلاغ عن المخاطر والحوادث البيئية.
وتعمل الدول العربية على رفع مستوى الوعي المجتمعي بقضايا البيئة وترسيخ الشعور بالمسؤولية المجتمعية، وذلك بتوفير القوى البشرية المسؤولة عن شؤون البيئة ودعم خطط الإعداد والتدريب والبرامج البيئية وإدخال التربية البيئية في المناهج الدراسية، مع تشجيع الدراسة والبحث العلمي وتخصيص مقاعد دراسية للتخصصات البيئية.
كما تعمل الدول على إنشاء أجهزة شرطة مؤهلة ومتخصصة في مجال البيئة وإنشاء محكمة بيئية عربية متخصصة بالقضايا والنزاعات البيئية في الدول العربية. بالإضافة إلى إنشاء صناديق محلية لدعم أنشطة حماية البيئة وتنميتها واتخاذ الإجراءات والآليات التي من شأنها تشجيع استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة، وحث البرلمانات الوطنية العربية على إنشاء لجنة دائمة تختص بشؤون البيئة.