صحافة

الحياة الجديدة : أيها الرئيس .. أنت في عُمان

25 أكتوبر 2018
25 أكتوبر 2018

في زاوية مقالات وآراء كتب سلطان الحطاب مقالا بعنوان: أيها الرئيس .. أنت في عُمان، جاء فيه:

هنا حضن دافئ لقضيتك، هنا عرب الأزد الذين نصروا الرسول (صلى الله عليه وسلم) وناصروه وآمنوا به قبل العرب الأخرى، وقد قال فيهم “هؤلاء الذين آمنوا بي قبل أن يروني”.

عُمان يا سيدي حضارة ممتدة جذورها في إمبراطورية شملت شرق إفريقيا، وسطعت شمسها في قارتين وحملت للعالم القرنفل والبخور، وجابت سفنها البحار التي وصلت إلى العالم الجديد في أمريكا قبل قرون من الزمن، ودافعت عن مجد الدولة العثمانية حين فكت السفن العمانية حصار الفرس عن البصرة استجابة لنداء السلطان العثماني. عُمان هي الساحل الممتد على طول الخليج حتى البصرة، وكل هذا الامتداد الجغرافي المائل الآن كان ساحل عمان وكان محكوما لأسرة امتد نفوذها وحكمها لأكثر من (250) سنة بشكل متصل.

عُمان وقفت كعربية إلى جانب الحق الفلسطيني، وزار وزيرها الدبلوماسي العريق معالي يوسف بن علوي فلسطين، وقال: “ليس كل من سمع كمن رأى”، وكانت زيارته نموذجا للزيارة التي تأتي البيت من بابه وتستأذن أهله فكان كبيرا في موقفه وكبيرا في هدفه، وكبيرا في الاستقبال الذي خرج له فيه الفلسطينيون يحيونه.

يهبط الرئيس محمود عباس في محطة عربية تعلن موقفها الواضح إلى جانب قضية شعبه، وهي تتعامل مع القضية الفلسطينية وقيادتها بمودة وإخلاص، فالدبلوماسية العُمانية لها لغة واحدة ووجه واحد ما فوق الطاولة هو ما تحتها، لا تمارس ضغطا ولا ابتزازا ولا تنجر لأي طرف مهما كان في أي مهمة لا تخدم قضية الشعب الفلسطيني.

الرئيس محمود عباس قائد مرحب به في عُمان، وهو يقبل القسمة على الجميع، فقد تعلم الشعب الفلسطيني وقيادته عدم التدخل في الشؤون لأي طرف، خاصة الأطراف العربية، واستفاد من الدروس الغابرة، وهذه فلسفة آمن بها الرئيس أبو مازن وما زال، غضب من غضب أو رضي من رضي، وها هو الرئيس يضع القيادة العُمانية التي يمثلها جلالة السلطان قابوس (هذه الشخصية الوطنية عميقة الانتماء للتراب العماني) يضعها في صورة مآلات القضية الفلسطينية وتطوراتها ومناصرة العالم لها والوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني، فهذه المسيرة الفلسطينية التي يقودها الرئيس محمود عباس تملك لغة التخاطب مع العالم وتدرك أن الطريق إلى فلسطين الدولة، فلسطين الحرة، فلسطين حق تقرير المصير، كان وما زال يحتاج إلى نضال طويل وإلى تراكم في الجهد والعمل، وهذا ما أنجزه الرئيس وما زال ينجزه بهذه الدبلوماسية الفلسطينية النشطة التي يقودها عبر عواصم العالم، وهي التي يقطف ثمارها الأولى حين كانت فلسطين دولة مراقبا في الأمم المتحدة رفرف علمها بعد غياب طويل.

وحين تقوم الدولة مستقلة فهو بفضل الدعم الدولي وتفهم الضرورات والحالة الفلسطينية، لقد انحازت كثير من دول العالم إلى جانب الحق الفلسطيني وكانت 139 دولة قد صوتت إلى جانب هذا الحق في إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وخرجت من ارتهان الرؤية والرواية الإسرائيلية، وبفضل هذا الدعم صمد الرئيس عباس وواصل مسيرته من خلال مقاومة الاحتلال سلميا وإيمانه بالمقاومة الشعبية السلمية الواسعة التي تبقي الشعب الفلسطيني في إطار الشرعية الدولية والقبول الدولي بحقه. لقد اختزن العمانيون تجارب الحياد الإيجابي منذ استهدفوا نهجا وعقيدة ومبادئ، فتحصنوا بعُمان وأقاموا فيها القلاع والحصون ليواجهوا موجات عبر التاريخ لم تنل من إرادتهم وصمودهم، فقد ظلوا مسلمين في نقاء العقيدة التي اختاروا لها مذهبا وسطا بعيدا عن الشوائب والتكفير ورفض الآخر، وصمدوا بعد ذلك في وجه البرتغاليين الغزاة، وبنوا في مواجهتهم القلاع والحصون وفي وجه الهولنديين المستعمرين المتجهين للهند الشرقية ومشاريعهم فيها وفي وجه المستعمرين الآخرين. نهضت عُمان الآن ومنذ خمسين سنة تقريبا حين أزال جلالة السلطان قابوس بن سعيد الغشاوة عن العيون، وأشار إلى المجد العُماني ودعا لإحيائه وتوظيفه وتسليح العُمانيين به، فكانت هذه النهضة العُمانية المباركة التي أعطت عُمان هويتها وطابعها الاستقلالي والوطني.

فالمال العُماني العام في عُمان لا يخرج خارجها ولا يودع في البنوك الأجنبية، وعُمان على قلة مواردها تعتمد على سواعد أبنائها ولا تتطلع لمساعدات خلف الجدران، معتزة بماض تليد وتراث وثقافة تسم العمانيين بهذه السمات النبيلة في التعامل مع غيرهم.

سيكون نصف قرن على النهضة التي تستعد عُمان لاستقبال ذكراها وعيدها الذهبي عام 2020، وقد راكمت إنجازات عظيمة نقلت عُمان من تحت الصفر إلى مصاف الدول التي تشكل نموذجا في التنمية وبناء الدولة وتوزيع الموارد وتعظيمها، وتنوع الإنتاج والحرص على المال العام وتوسيع دوائر المشاركة، وإشراك المرأة العمانية التي بدأت تساهم بشكل ملموس.

اختارت سلطنة عمان طريقها وقاد جلالة السلطان مسيرتها الصاعدة التي التزمت بالحياد الإيجابي في زمن الفتن التي ضربت الأمة، وعرفت عُمان كيف تتعامل مع ما سمي بالربيع العربي الذي اقتلع دولا ودمر اقتصاديات حين أدركت الأسباب وتعاملت مع الواقع وجنبت عُمان وشعبها ما عصف بغيرها.

فقد التفت جلالة السلطان للداخل العُماني باستمرار، وظل يؤكد ويمارس ديمقراطية الحوار في جولاته التي شملت كل مدينة وقرية ومضارب؛ ليقرأ حاجات العُمانيين في كل مستوياتهم ويستجيب لها ويشركهم في حلها. عُمان اليوم أكثر منعة وأبرز نموذج على صواب الرؤية والمسيرة، وهي ما زالت تدعو أمتها إلى الأخذ بالأسباب وإلى استعمال العقل وإلى الحوار النافع، ولذا سجلت عُمان من فائض دبلوماسيتها الناجحة أهدافا إقليمية ودولية، الدبلوماسية العُمانية التي أتقنت فنون التوسط الإيجابي الذي تم من خلاله إعادة علاقات أو إطلاق سراح أسرى أو إنقاذ مفقودين، وكانت المساهمات العُمانية واسعة ومستمرة.

يا سيادة الرئيس ستسمع في عُمان من قمة هرمها إلى كل عُماني معني كلاما يثلج صدرك ويعمق إيمانك بأمتك، وسترى غير ما كنت تسمع، وستدرك أن عُمان حضن دافئ وأنها رغم قلة الموارد وعدم توفر الثروات الطائلة كانت المساعدات العُمانية التي أعرفها لفلسطين بلسما يصيب الجرح الفلسطيني في أكثر من مستشفى ومدرسة وذوي حاجات.

عُمان اليوم ستستمع إليك وستحتفي بقدومك وتشرب من رأس النبع الفلسطينية لتؤكد رؤيتها في هذا المجال، ولن يقول لك العُمانيون: “اذهب أنت وربك”، بل سيساندون مواقفك ما استطاعوا وأنا أعلم ذلك وإذا لم تكن خيلا ومالا فهناك دعم سياسي ونطق يسعد. تزور أرض البخور واللبان الذي وصل إلى الأقصى وشمت رائحته كنيسة القيامة ليؤكد لك العمانيون أن الأزد العرب لن يتخلوا عن أولى القبلتين وثالث الحرمين وأنهم استجابوا لندائك بالزيارة، وهم الذين استجابوا من قبل لدعوة الرسول. وأنت تسعى بقضيتك العادلة فأنت لا تحتاج إلى إعراب الجملة العربية في عُمان، فهناك عرب يدركون اللفظ والمعنى، وهم من الإشارة يفهمون، لهم رؤية زرقاء اليمامة وأريحية الجلندى وأخيه إبراهيم، ولهم من مجدهم التليد وما عبر عنه من تجارة وركوب بحر ما يجعلك تعتز وتذكر هذا اليوم التاريخي يوم زيارتك للديار العُمانية.

وإذ نرجو لك طيب الإقامة في عُمان فإن الفضل للمضيف العُماني الذي يرى فيك أملا لشعبه ولجهدك ما يعتز به كل عربي.. فهنيئا لك الزيارة وهنيئا لك طيب الاستقبال.