الاشتغال بأمور المسلمين أعظم اهتمامات النبي الكريم وأخلاقه الرفيعة أبرز صفاته

قطوف من الشمائل المحمدية .. محاضرة للغاربي بجامع بدبد .. (1)
كتب – سالم بن حمدان الحسيني –

أورد فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن راشد الغاربي في محاضرته بجامع سيح المعيدن بولاية بدبد الأسبوع الماضي نص الصحابيين الجليلين هند بن أبي هالة رضي الله عنه، والإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في وصفهما للنبي صلى الله عليه وسلم، مع الشرح الوافي حيث وصف ابن أبي هالة أنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه دائم الفكر، والانشغال بأمور المسلمين، فيما فيه صلاح أمر أمته، مبينا أنه ينبغي على أصحاب الولايات العامة أن يتأسوا بهذا الخلق منه صلى الله عليه وسلم وكذا أولياء الأمور من آباء ومربين ومعلمين أن يعملوا فكرهم ونظرهم فيما ينهضون به من أعباء وظائفهم، وما أسند إليهم من أمانات. وكان صلى الله عليه وسلم سهلا في المعاملة لا يجفو الناس، ولا ينفرهم، ولا يهين جلساءه، وكان أكمل المؤمنين إيمانا، وأحسنهم أخلاقا.
وأوضح في محاضرته أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يعظم الدنيا، ولكنه كان يسعى في طلب الرزق، مبينا أنه ليس هناك تناقض بين النظر إلى الدنيا نظرة تقليل من شأنها وبين السعي في الوصول إلى القوة المادية من مال وغيره، فالله جعل سبحانه وتعالى جعل المال قوام هذه الحياة، فليس معنى الزهد في الدنيا أن تكون فقيرا معدما وإنما الزهد في الدنيا أن تملك المال الحلال، ولكنك تأخذه من حله وتضعه في محله، تقوم بأداء حقوق الله سبحانه وتعالى فيه.. هنا الجزء الأول من هذه المحاضرة القيمة التي جاءت تحت عنوان: «قطوف من الشمائل المحمدية».

استهل فضيلته محاضرته قائلا: تعلمون أيها الإخوة الكرام أن الله سبحانه وتعالى امتنّ علينا بأن بعث إلينا عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هاديا ومرشدا وداعيا هذه الأمة إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها، فأعظم نعمة على هذه الأمة هي بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن رسالته رحمة للعالمين أجمعين، فقال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وإن من مظاهر هذه الرحمة ما كان عليه رسول هذه الأمة من أخلاق عظيمة، ومن شمائل حسنة، حتى أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بذلك في كتابه العزيز بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وذكر النبي صلى الله عليه أن رسالته جاءت لإتمام مكارم الأخلاق، ففي حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي رواية: «صالح الأخلاق»، وفي أخرى «حسن الأخلاق»، ولذلك فإنني في هذه الليلة المباركة أستميحكم عذرا أن أقرأ على مسامعكم الشريفة نصا لصحابيين جليلين يصفان سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنتأسى بتلك الأخلاق الفاضلة، وتلك الشمائل الحسنة، فالله سبحانه وتعالى يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
وأضاف: وإن من أجمع صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ورد في هذا النص عن ذينك الصحابيين الكريمين، أما أحدهما فهو هند بن أبي هالة، وأما الآخر فهو الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد كان وصفهما بناء على طلب من ابني الإمام علي بن أبي طالب الحسن الذي سأل هند بن أبي هالة والحسين الذين سأل أباه عليا عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فأستميحكم عذرا أن أقرأ عليكم ذلك النص ثم نعلق على بعض جمله بحسب ما تيسر من التعليق والبيان، وإن كان الوصف واضحا جليا ظاهرا، يقول هند بن أبي هالة وكان وصّافا: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم الفكرة ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النعمة وإن دقّت، ولا يذم منها شيئا، لا يذم ذواقا ولا يمدحه، لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يقم بغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإذا غضب أعرض وأشاح، واذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم» انتهى وصف هند بن أبي هالة.
وقال الإمام علي في وصفه صلى الله عليه وسلم عندما وصف دخوله قال: «كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لنفسه، وجزء لأهله، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمهم على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة وذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم والأمة عن شيء سألهم عنه، إخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته، وإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون من عنده أدلة – وفي لفظ «أذلة» وفي هذا بيان سيأتي إن شاء الله – قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعينهم ويؤلفهم ولا يفرقهم، ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره، ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الرأي، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه الذين يلونه من الناس، خيارهم، افضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة»، قال فسألته عن مجلسه، فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطّن الأماكن وينهى عن إيطانها، واذا انتهى إلى قوم، جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطته وخلقه فصار لهم أبا، وصاروا في الحق عنده سواء، مجلسه مجلس حلم، وحياء وصبر، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متفاضلين متعادلين فيه بالتقوى متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب»، قلت: كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا ييأس منه، ولا يخيّب فيه، ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إذا كان أصحابه ليستجلبونه ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرشدوه، ولا يقبل الثناء، إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بنهي أو قيام»، قلت: كيف كان سكوته؟ قال: «كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر، فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجُمع له الحلم في الصبر وكان لا يغضبه ولا يستفزه شيء، جُمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدوا به، وتركه القبيح ليتناهوا عنه، واجتهاده الرأي فيما يصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة» .. هذا ما وصف به هذان الصحابيان الجليلان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته، في دخوله وفي مخرجه، وفي تصرفه مع جلسائه.
وفـنـّـد الغاربي ذلك القول حيث قال: أما قول ابن أبي هالة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «دائم الفكر، أو دائم الفكرة، مبينا أنه لا شك أن من كان في أمر من أمور المسلمين، فهو يحتاج إلى إجالة الفكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهض بأعباء هذه الرسالة وينهض بأعباء هذه الأمة، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم الفكر، فيما فيه صلاح أمر أمته، وفيما يدفع عنهم من المفاسد والمضار، ولذا فينبغي على أصحاب الولايات العامة أن يتأسوا بهذا الخلق منه صلى الله عليه وسلم، وأن يكونوا دائمي الفكر فيما يصلح حال مجتمعهم وكذا أيضا أولياء الأمور من آباء ومربين ومدرسين عليهم أن يقوموا بهذه الأمانة التي ائتمنوا بها وأن يعملوا فكرهم ونظرهم فيما ينهضون به من أعباء وظائفهم، وما أسند إليهم من أمانات .. أما قوله: «ليس له راحة» ،وهذا لا شك أنه لازم من إدامة الفكر، فمن كان كثير الفكر كان قليل الراحة، فكونه صلى الله عليه وسلم مشغولا بالفكر بما ذكرنا فيلزم منه قلة الراحة، وأما قوله: «طويل السكوت» وهذا – كما سيأتي – أنه صلى الله عليه وسلم «يخزن لسانه» كما جاء في وصف الإمام علي بن أبي طالب للنبي صلى الله عليه، وهذا تطبيق لما أمر به صلى الله عليه وسلم في قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، قال: ويتكلم بجوامع الكلم، وهذا مما اختص الله سبحانه وتعالى به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه مما أعطي إياه أعطي جوامع الكلم، وهو أنه يأتي بالجمل القصيرة التي تحتوي على معان عظيمة، جليلة، معان تحتاج إلى شرح مستفيض فهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بجملة واحدة مختصرة لكن لها معان عظيمة من أحكام شرعية، ومن نصائح ومن توجيهات ومن نحو ذلك، ومن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم ما قاله لابن عباس رضي الله عنه: «يا غلام احفظ الله يحفظك»، ومن نحو: «إنما الأعمال بالنيات»، و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، فهذه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإذن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بجوامع الكلم، وحتى يكون الإنسان كذلك فهذا يحتاج إلى عناية، وهذا مما ينبغي على أولياء الأمور أن يشغلوا أبناءهم بتعلم اللغة العربية وعدم إهمال هذا الجانب.
وأضاف قائلا: ثم قال: «دمث ليس بالجافي ولا المهين» أي لا يهين جلساءه، وهذه صفة من صفات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان سهلا في المعاملة فلا يجفو الناس، ولا ينفرهم، ولا يهين جلساءه، والدمث هو المكان السهل أو المكان اللين، وفي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانا، أحاسنهم أخلاقا»، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل الأخلاق. ليس بالفظ «ولا المَهين»، أي ليس بالحقير صلى الله عليه وسلم – وحاشاه – أي أن من داخل عليه يرى منه مهابة حتى أن أعداءه إذا رأوه كانت ترتعد فرائصهم من هيبته صلى الله عليه وسلم، وقد نصر صلى الله عليه وسلم بالرعب كما تعلمون. وأما قوله: «يعظّم النعمة وإن دقت» فما أحوجنا إلى هذه الخصلة وهي تعظيم النعم، ووضعها في مواضعها وعدم احتقارها أو كفرانها، فإن النعمة شرود، وان أوثق الحبال لتقييد النعم إنما هو شكر الله سبحانه وتعالى عليها، وتعظيمها وإن دقت، ولذلك الله سبحانه بيّن أن كفران النعم وعدم شكرها يؤدي إلى زوالها حيث قال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) فهي لم تكفر بالله ولكن كفرت بالنعم، وأما قوله: «يعظم النعمة وإن دقت» أي لا يذم منها شيئا، فلا يذم ذواقا ولا يمدحه، والذواق أصله ما يذاق، وهو الطعم، وقوله: «لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها» وذلك لحقارة هذه الدنيا في عينه صلى الله عليه وسلم، ولذلك ينبغي أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في نظرته إلى الدنيا، فلا يعظم هذه الدنيا الفانية، وليس معنى كونه لا يعظم هذه الدنيا الفانية أنه لا يسعى في طلب الرزق، وألا يأخذ المال من حقه، بل هذا أمر مشروع له، ولكن أن يعظمها بقلبه، وأن ينظر إليها نظرة إجلال وإكبار؛ لأن من نظر إلى الدنيا كذلك، فإنه يخشى عليه أن لا يقوم بحقوق الله سبحانه وتعالى فيما آتاه، فليس هناك من مناقضة بين النظر إلى الدنيا نظر تقليل من شأنها وبين السعي في الوصول إلى القوة المادية من مال وغيره، فالله جعل سبحانه وتعالى جعل المال قوام هذه الحياة، فالحق سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)، مبينا أنه ليس معنى الزهد في الدنيا أن تكون فقيرا معدما، وإنما الزهد في الدنيا أن تملك المال الحلال، ولكنك تأخذه من حله وتضعه في محله، تقوم بأداء حقوق الله سبحانه وتعالى فيه.
وأوضح أن قوله: «فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ولم يقم بغضبه شيء حتى ينتصر له» أن هذا كان من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه ينتصر للحق، وأنه يأمر بالمعروف، وأنه ينهى عن المنكر، وأما قوله: «لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها» فهذه خصلة ذات أهمية كبيرة في حياة الناس، حيث إن كثيرا منا يرى حرمات الله تنتهك فلا يؤثر في نفسه شيء، فإن كان لا يستطيع أن يغير هذا المنكر بيده فعلى الأقل لا يشعر بغيرة وبغضب وبانفعال من انتهاك محارم الله على مرأى ومسمع منه، ولكن لو قيل له أقل عبارة في نفسه فإنه يستشيط غضبا ويقيم الدنيا ولا يقعدها، فإذا وجه الخطاب إليه تراه ينتصر لنفسه، ويغضب لها، وهذا من حظوظ النفس، فالانتصار الحق للنفس هو أن تحملها على منهج الله وأن تضبط تصرفاتها بحيث لا تجعلك تغضب وتطيش فإن الشديد ليس بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فالمسلم لا ينتصر لنفسه، وإنما ينتصر لله، كما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم، فكم من مواقف على جسده صلى الله عليه وسلم وتكلم في عرضه ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم صابرا محتسبا مترفعا أن يرد الإساءة بالإساءة ومحتسبا أجر ذلك عند الله سبحانه وتعالى لكن إذا ما انتهك حرمة من حرمات الله سبحانه وتعالى.
فكان حاله صلى الله عليه وسلم كان حاله كما ذكره الواصف هنا. أما قوله: «وإذا غضب أعرض وأشاح» فذلك امتثال لأمر الله سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، ومعنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غضبه معتدلا، فلم يكن صخابا ولم يكن غيابا ولم يكن يرفع الأصوات وتخرج منه فلتات لسان، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه، بمعنى إذا رأى شيئا يعجب ويسره فإنه لا يظهر ذلك السرور المبالغ فيه، بل جل ضحكه التبسم.