أزمة صـحـف أم أزمــة أوســع ؟

أ.د. حسني نصر –

علي مدار تاريخها حققت الصحافة إنجازات كبيرة في تنمية المجتمعات الإنسانية وازدهارها، من خلال نشر الأخبار والمعارف، وتعزيز الحوار الوطني وتأمين التعبير عن الرأي، ومراقبة أداء المؤسسات المختلفة.
وفي السنوات الأخيرة شهدت الصحف المطبوعة انخفاضا واضحا في عائداتها من الإعلانات، وتراجعا متزايدا في استهلاك النسخ الورقية وتوزيعها. وقد نتج عن ذلك، بالإضافة إلى خفض عدد العاملين في الصحف، إغلاق عدد من الصحف في العالم، وهو ما يمثل أزمة حقيقية تهدد استمرار الصحف المطبوعة في المستقبل القريب. ومن هنا لم تعد مقولة إن الصحف في أزمة تثير خلافا سواء بين الصحفيين وأصحاب الصحف، أو بين الباحثين في الإعلام.
إن البحث في أزمة الصحافة الحالية لم يعد ترفا، بل ضرورة ملحة خاصة في الدول التي لا زالت تعتمد على هذه الوسيلة الإعلامية المهمة في تحقيق أهداف التنمية عبر توظيفها في مراقبة البيئة ودعم الاقتصاد ونقل التراث الثقافي والاجتماعي بين الأجيال، وتحقيق ترابط المجتمع وتماسكه. من هذا المنطلق دعونا نضع أيدينا على مصادر هذه الأزمة ومظاهرها وتداعياتها وصولا إلى الحلول المقترحة للتعامل معها والحد من تأثيراتها السلبية على المشهد الإعلامي في الدول النامية.
الواقع أن مصادر أزمة الصحافة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مصادر: اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية. ورغم أن هذه المصادر تبدو منفصلة، فإنها في حقيقتها متشابكة للغاية ولا يمكن عزلها عن بعضها البعض. فعلى الصعيد الاقتصادي نجمت الأزمة عن خليط من العوامل الاقتصادية أبرزها استمرار المؤسسات الصحفية في الاعتماد على نموذج للإدارة لم يعد يتناسب مع السياق الاجتماعي والاقتصادي العام، وهو النموذج الذي يعتمد على الإعلان، خاصة المبوب منه، كمصدر رئيس للدخل. وإذا كان هذا النموذج لم يعد ملائما للصحافة في الدول المتقدمة التي انخفض فيها نصيب الصحف من الإنفاق الإعلاني لأكثر من الثلث، فإنه أصبح كذلك في صحافتنا العربية، خاصة مع تزايد المواقع الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية المتخصصة في بيع وشراء السلع والخدمات وخدمات التوظيف وغيرها، وهو ما أدى إلى انخفاض دخل الصحف من هذا النوع من الإعلان، الذي يكاد يقتصر حاليا على الإعلانات الحكومية القضائية التي تقدم إلى الصحف كنوع من الدعم الحكومي غير المباشر، وإعلانات هروب العمال التي يلزم القانون أصحاب الأعمال بنشرها في الصحف اليومية.
لم يعد من الضروري لمن يرغب في مطالعة الإعلانات المبوبة شراء الصحيفة اليومية، كما لم يعد على من يريد أن ينشر إعلانا عن سلعة أو خدمة أو طلب بيع أو شراء، الذهاب إلى الصحف، وذلك بعد أن تعددت وتنوعت أمامه فرص الإعلان المجاني المصور والتفاعلي في المواقع والتطبيقات الإلكترونية المختلفة. وعلي سبيل المثال كشفت دراسة حديثة أجريت في سلطنة عُمان، شارك فيها الكاتب، أن رواد الأعمال وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في السلطنة يفضلون نشر الإعلانات عن منتجاتهم وطلبات التوظيف عبر تطبيقات ومواقع البيع والشراء، لكونها مجانية وتفاعلية ومؤثرة وتصل إلى جمهورهم المستهدف بسهولة، وليس عبر الصحف اليومية التي ما زالت تتمسك بنموذج إعلاني مدفوع تجاوزه الزمن .
والى جانب الاعتماد على الإعلان، تمثل سيطرة الرغبة في تحقيق الربح على الرغبة في تقديم منتج صحفي ذي جودة عالية لدى بعض أصحاب الصحف، سببا مهما من أسباب أزمة الصحافة المطبوعة. ويمكن القول إن الأوضاع المالية للصحف سوف تزداد سوءا في السنوات القادمة بسبب تركيز الصحف على الربح بدلا من التركيز على تحسين المحتوى التحريري. ولذلك أصبح تقديم تغطية إخبارية شاملة ترضي القارئ خارج أولويات بعض الصحف، وهو ما أثر ليس فقط علي اقتصاديات تلك الصحف ولكن على جودتها أيضا.
إذا انتقلنا إلى العامل التكنولوجي الذي يمثل سببا رئيسيا من أسباب أزمة الصحافة الحالية، فإن علينا أن نعترف بأن التغيرات التكنولوجية، خاصة ما يتصل منها بالإنترنت، لعبت دورا بارزا ومؤثرا في تراجع الصحف المطبوعة. فقد تسببت الإنترنت في تغيير ممارسات وقيم إنتاج الأخبار، وتغيير أنماط استهلاك الجمهور للأخبار، وتقليص العائدات الإعلانية للصحف المطبوعة. ويمكن القول إن الإنترنت غيرت القيم والممارسات التقليدية في إنتاج الأخبار، ومع ذلك فإن الصحافة لم تستجب لهذه التغيرات، وظهر عجزها الواضح وعدم قدرتها على التكيف مع البيئة التكنولوجية المتغيرة. وعلى سبيل المثال فإن الصحف لم تستفد جيدا من الفرص التي أتاحتها الإنترنت لإشراك الجمهور في صنع المحتوى وتحقيق المشاركة التفاعلية للقراء للحفاظ عليهم. إلى جانب ذلك غيرت الإنترنت طرق استهلاك الجمهور للأخبار. إذ أدى ظهور وتطور المنصات الإعلامية الجديدة التي بدأت بمجموعات الأخبار ثم المدونات وأخيرا مواقع وتطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي، إلى تغيير الطرق التي يستهلك بها الناس الأخبار. وكان من الطبيعي أن ينحاز القراء إلى الوسائل الجديدة التي توفر لهم الأخبار بالمجان من جانب، وفي وقت وقوع الأحداث من جانب آخر، على حساب المعلومات المدفوعة وغير المحدثة التي تقدمها الصحف المطبوعة.
أخيرا فإن أزمة الصحف المطبوعة في بعض الدول يمكن ردها إلى التحولات الاجتماعية التي شهدتها مجتمعات هذه الدول. هذه التحولات أحدثت تراجعا في ثقة الناس في الصحف والصحافة بوجه عام. ويمكن تفسير تراجع الثقة والمصداقية في ضوء تزايد المصادر التي وفرتها الإنترنت للجمهور للحصول على الأخبار والمعلومات، والتي مكنته من مقارنة ما تنشره الصحف المطبوعة من أخبار محدودة بحدود مساحاتها الورقية، وتخدم مصالح ملاكها في المقام الأول، سواء كانوا حكومات أو أفرادا أو مؤسسات، بما ينشر في المنصات الرقمية المختلفة، التي لا تعاني نقص المساحات وتعبر عن كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي.
في ضوء الأسباب التي أوضحناها لأزمة الصحافة، يمكن توقع مظاهرها في صناعة الصحف، وهي مظاهر يمكن ملاحظتها بسهولة في دول كثيرة ومنها الدول العربية. وتتمثل ابرز هذه المظاهر في تراجع قراءة الصحف، خاصة بين الشباب الذين يمثلون غالبية السكان في دول كثيرة. وتشير الإحصاءات في هذا المجال إلى زيادة متواصلة في أعداد الشباب الذين لا يقرأون الصحف، حتى إن نسبة كبيرة منهم لم تقرأ صحفا مطبوعة في حياتها وليس لديها النية لفعل ذلك في المستقبل. ومن المؤكد أن فقد هذه الشريحة المهمة يعمق أزمة الصحافة ويلقي بالمزيد من الشك في مستقبلها. ويرتبط بهذا اتجاه الصحف إلى خفض أعداد العاملين بها وخفض الموارد المالية المخصصة للإنتاج الصحفي، وهو ما اثر على تغطيتها للأحداث وأدى إلى انصراف القراء عنها، بالإضافة إلى اتجاه صحف أخرى إلى وقف نسخها المطبوعة والتحول كليا إلى النشر علي الإنترنت.
الحديث عن أزمة الصحف الورقية لم ينته بعد، إذ من المهم أن نشير إلى تداعيات هذه الأزمة علي المجتمع، وبالتالي الحلول المقترحة لمعالجة هذه الأزمة، وهذا موضوع مقالنا القادم بإذن الله.