قرار الإغلاق: الأهداف والمتغيرات والمواجهة

د. صلاح أبونار –

في العاشر من سبتمبر أعلنت الولايات المتحدة قرار إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. ويطرح القرار تساؤلات أساسية: ماهو هدفه الحقيقي؟ وماهي المتغيرات السياسية التي قادت إلى اتخاذه؟ وماهي تداعياته المحتملة علي عملية السلام وكيف يمكن مواجهتها؟
جاء توقيت الإعلان حافلا بالدلالات. جاء بعد يوم واحد من مرور ربع قرن، على تبادل الخطابات الأمريكية- الفلسطينية التي أقر فيها الطرفان شراكتهما في مفاوضات أوسلو، واحتوت ضمنا على اعتراف أمريكي بمنظمة التحرير. وجاء قبل يومين من مرور ربع قرن، على توقيع اتفاقيات أوسلو الأولى في واشنطن في 13 سبتمبر 1993. وعلى مدار سنوات تلك الفترة الطويلة، ورغم كل الأزمات التي شهدتها العلاقات بين الطرفين، ظل مكتب المنظمة قائما ولم تفكر أي إدارة في إغلاقه. وعندما وصلت العلاقات أوج توترها في عهد بوش الابن، كان أقصى ما حدث تخفيض عدد أعضاء المكتب في ذروة انتفاضة الأقصى 2002، وجاء أوباما ليعكس الاتجاه ويرفع تمثيل المكتب إلى مستوى المفوضية عام 2010.
شكلت تلك الاستمرارية في جوهرها جزءا مما يمكن دعوته بالإجماع الاستراتيجي الجديد حول القضية الفلسطينية ومسارات الصراع. وجاء هذا الإجماع حصيلة عدة متغيرات. حرب أكتوبر وإظهارها لحدود قدرة الخيار العسكري العربي على تحرير الأراضي المحتلة، وحدود القدرة العسكرية الإسرائيلية على مواصلة احتلالها. والميلاد التدريجي العسير لإجماع عربي جديد حول استراتيجية للتفاوض والضغط الدولي. والانتفاضة الفلسطينية التي أكدت القدرة الفلسطينية على التحدي، وأعادت القضية إلى الداخل الفلسطيني، وجذرت موقع القضية الفلسطينية في الضمير العالمي . والإجماع الدولي الصاعد حول عدالة القضية الفلسطينية، ونجاحه في حصار إسرائيل عبر مروحة عريضة من القرارات والمبادرات الدولية، شارك في صنعها تحالف دولي واسع ووجدت حاضنات في المنظمات الدولية، وحظيت بتأصيل قانوني وسياسي عميق. وتكون هذا الإجماع من عدة عناصر: التفاوض كآلية للتسوية السياسية، وعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والعودة إلى حدود 1967، وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وتدويل وضع القدس من واقع مكانتها العالمية المقدسة، والتعايش السلمي مع إسرائيل، ومنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.
يشكل القرار الأخير جزءا مما يسمى بصفقة القرن، وتمثل تلك الصفقة في جوهرها سعي رئاسة ترامب لنسف هذا الإجماع الدولي. وحتي الآن يتبلور هذا المسعى عبر عدة مسارات. مسار أول يستهدف فرض الأمر الواقع، فيما يتعلق ببعض قضايا التفاوض الأساسية. ويبدو هذا في قرار نقل السفارة الأمريكية، الذي يستهدف إخراج القدس من مجال التفاوض. وقرار الأونروا الذي يستهدف إخراج مسألة حق العودة واللاجئين من نفس المجال، عبر تعريف جديد للاجئين يترتب عليه تقدير جديد ومنخفض لأعدادهم. والتجاهل الصريح لسياسات الاستيطان الإسرائيلي، سعيا لتوطيد الأمر الواقع بحيث يصبح عصيا على التغيير لحظة التفاوض. وثان يستهدف إضعاف القدرات الحركية والتمثيلية لمنظمة التحرير. وهو ما يسعى إليه قرار إغلاق مقر المنظمة، ومعه سياسات أخرى تسعى لتعميق الهوة بين السلطة الوطنية وغزة، ومحاولة الدفع لظهور حالة تعددية قيادية لتخفيف سيطرة المنظمة القيادية، والتخطيط لإيجاد رأي عام فلسطيني معارض لخط المنظمة. وثالث يسعى لإطلاق عملية تفاوض جديدة، ولكن وفقا لأطر جديدة. رأينا كيف حسمت واشنطن بعض قضايا التفاوض الأساسية، والمجمع علو شرعية المطالب الفلسطينية فيها، قبل أن تبدأ المفاوضات. وفي السياق نفسه أطلقت استراتيجية للتفاوض تتبني فكرتين. تعلن الأولى أنه لا إلزامية للإجماع الدولي حول القضية، الذي تشكلت مكوناته على مدي ربع قرن، والذي أظهرت مختلف الإدارات الأمريكية درجة من احترامه. تري الإدارة الراهنة أنها غير ملزمة بهذا الإجماع، بالضبط كما قررت أنها غير ملزمه باتفاقية المناخ مثلا. وتأتي الفكرة الثانية لكي تقوم بإغلاق الدائرة، وتفيد أن المفاوضات المطلوب إطلاقها لوضع خاتمة للصراع، تأتي في أعقاب معركة أسفرت عن مهزوم ومنتصر. وعلي المهزوم الاعتراف بهزيمته والتصرف كمهزوم وإن كان صاحب حق، وللمنتصر حق جني ثمار انتصاره وإن كان منتهكا للحق. هذه الفكرة لا تطرح مباشرة أو علنا لكنها تشكل روح الاقتراب الأمريكي من المفاوضات المقترحة. ووجودها الضمني ولكن القوي، يفسر لنا عنف اللغة الأمريكية المستخدمة في التعامل مع الفلسطينيين، وسياسة إملاء الإرادة السافرة، والإيقاع السريع والعنيف للقرارات. كما يفسر سيطرة العقلية التجارية على مفردات الخطاب. فالمصطلح الأثير للاتفاقية المرجوة هو «الصفقة» قادم من عالم الأسواق، وهناك تصور غريب بإمكانية أن يتخلى شعب عن مفاهيم الوطن المحتل وحق تقرير المصير والسيادة الوطنية والدولة المستقلة، بعد نصف قرن من النضال والتضحيات والشهداء ليعتنق مفاهيم الحق في فرص حياة ووظائف ومساكن افضل، ثم يقع صريعا لعروض تدفق للاستثمارات الدولية ومعها التنمية ومشاريع المياه والطرق والكهرباء.
كيف يمكننا تفسير هذا التحول الأمريكي؟ يشكل هذا التحول امتدادا طبيعيا للتحولات التي اطلقها ترامب في المجال الدولي. تحولات انطلقت من نزعة قومية ضيقة، مؤطرة بنزعة شعبوية، وعبرت عن نفسها في صور مختلفة. تحلل من الالتزامات الدولية، وعداء للأمم المتحدة، وتخلي عن الدور الأمريكي القيادي الدولي، وتفكيك لأطر وأواصر التحالف الأطلسي، وإدارة العلاقات السياسية بمنطق الربح والخسارة الاقتصادية، وانتهاج نزعة اقتصادية حمائية. غير ان تلك التحولات لا تمنحنا سوى العامل الأمريكي الأساسي، وهناك متغيرات أخرى سنذكر أهمها. كانت إدارة السياسة الخارجية موزعة على الدوام بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، عبر نوع من التوازن يختلف من إدارة لأخرى. وبالتالي لا تشكل سيطرة الإدارة الراهنة على السياسة الخارجية على حساب وزارة الخارجية ظاهرة غريبة، والجديد فيها وجود مجموعة يمينية يعتبر كوشنر أبرز وجوهها، صادرت الملف الفلسطيني بالكامل من وزارة الخارجية. هذه المجموعة ليست فقط متطرفة يمينية، بل على علاقة قوية وعضوية بجماعات الضغط الصهيونية، التي تساهم بقوة في تشكيل توجهاتها.
تمنحنا العوامل السابقة المفتاح الأساسي، وليس كل مفاتيح فهم التحول الأمريكي. وسنجد مفاتيح أخرى داخل تحولات الواقعين العربي والفلسطيني. عربيا نلاحظ على امتداد العقد الأخير انهيار السلطة المركزية في عدة دول وتصاعد الحرب الأهلية فيها، وتصاعد الصراعات الإقليمية، وتفشي الصراعات الإثنية، وتفكك النظام الإقليمي وكثافة تدفقاته الخارجية الأمر الذي أضعف السيطرة العربية عليه، وانكفاء الشارع العربي. وفلسطينيا تمر الآن القوى السياسية الفلسطينية بأزمة عميقة. جمود داخل مؤسسات المنظمة والسلطة الوطنية، وأزمة هيكلية، وانقسام قومي إسلامي تحول إلى انقسام إقليمي، وتراجع في قدرة التيارات الأساسية على التعبئة الشعبية، ومأزق عسير انتهي إليه خيار أوسلو بعد مسيرة ربع قرن. بينما تقف الجماهير الفلسطينية حائرة. اصبح خيار إطلاق انتفاضة مدنية عامة عالي التكلفة، كما ترجح التحولات الدولية والإقليمية محدودية نتائجه. وها هي طلائعها تستطلع بدائلها السياسية، ولكنها لا تزال في أول طريقها، وفي حاجة لمدى زمني لبلورته.
والمؤكد أن تلك التحولات العربية والفلسطينية، أوجدت سياقا مواتيا للتحولات الأمريكية. ليس بمعني التعاون والدعم، بل بمعني تراجع القدرة على المقاومة وتشكيل الحواجز ومواصلة الدفاع عن الخطوط العربية السياسية الحمراء.
وماهي تداعيات القرار المنتظرة على عملية السلام؟ نميل لاعتبار القرار الثالث أقل القرارات الثلاثة خطورة. لم تكن اتصالات منظمة التحرير بواشنطن مرهونة بوجود مقرات وفود تعلوها لافتات. وكل مراحل أوسلو التمهيدية تمت بدون أي مقرات ولافتات رسمية، وعبر اعتراف رسمي ضمني فقط. ونفترض ان خطورة القرار في دلالته الرمزية. كيف؟ يرمز القرار لنهاية مرحلة أوسلو. ليس بمعني نهاية عملية السلام، بل نهاية مسار إجرائي محدد لعملية السلام. استنفد مسار أوسلو التفاوضي كافة إمكانياته، وأضحى الآن يعامل كأداة لدفن القضية الفلسطينية. وأصبح من الضروري إطلاق مسار تفاوضي دولي جديد. ويصعب تصور طبيعة هذا المسار، فلا يمكن تصوره دونما تأسيس مقدماته. لكننا نستطيع تصور تلك المقدمات على عدة محاور. محور بناء داخلي يسعى لتخطي الانقسام الفلسطيني عبر بناء إجماع وطني جديد مؤسسي وفكري، وإعادة بناء مؤسسات السلطة الوطنية عبر قواعد المحاسبة والمهنية والمشاركة، وإطلاق طاقات القوى الاجتماعية الحركية والتنظيمية. ومحور لمقاومة الاحتلال، عبر توسيع عمليات الاحتجاج المدني، وعبر حماية الثقافة الوطنية الفلسطينية وتراثها، وتطوير هياكل وممارسات المقاومة النوعية في مجالات مثل مصادرة الأراضي والمقاطعة الاقتصادية والفصل العنصري، وبناء تحالفات شعبية عالمية، وإطلاق مراجعة نقدية لمسيرة النضال الفلسطيني. ومحور بناء تصور جديد وعضوي للعلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني، في الداخل وفي الشتات وداخل إسرائيل. تصور يسعى لحماية الهوية، وبناء هياكل تمثيلية جامعة، وحشد الموارد، وبناء قواعد حركية، ومنح قضية حق العودة واللاجئين كيانها المعبر.