نيبول: موت مسخف الرموز البريطانية

حسونة المصباحي/ كاتب من تونس/ ينشر بالتنسيق مع مؤسسة الفكر العربي –

في الليلة الفاصلة بين السبت والأحد الموافق 12 (أغسطس) 2018م توفي الكاتب الترينيدادي الأصل، البريطاني الجنسية، فيدريارد سور أجير نيبول عن عمر يناهز 85 عاما، وكانت أوضاعه الصحية قد بدأت في التدهور، إذ إنه أصيب بمرض جعله عاجزا عن الكتابة؛ لذا هو أصبح يملي على زوجته الباكستانية الأصل التي تقيم معه في الريف البريطاني كل ما يطمح إلى نشره في السنوات الأخيرة من حياته.
في تصريح له لصحيفة «نيو تزوريكه تزايتونغ» السويسرية الناطقة باللغة الألمانية، قال نيبول الذي ظل يتمتع بكامل مداركه العقلية حتى الساعات الأخيرة من حياته: إنه لا يتحمل الأكاديميين لأنهم يحولون الأدب إلى دروس مضجرة وكئيبة، ويجمدون بمناهجهم الركيكة جموح الخيال. كما أقر بأنه ينفر من أصحاب الإيديولوجيات بجميع أصنافها؛ لأنه يعتقد أن الهدف الأساس من الإيديولوجيات كلها هو التحريض على الكسل، موفرة لأصحابها بطولات وهمية، وأكاذيب لتزييف الواقع، وإخفاء قبحه وبشاعته.
وفي التصريح نفسه، ذكر نيبول أن الكتابة هي وسيلته الوحيدة لمواجهة متاعب الشيخوخة، وشبح الموت الوشيك.
وينتسب في. آس. نيبول المولود في العام 1932 إلى عائلة من شمال الهند هاجرت إلى ترينيداد التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وكان والده صحفيا ظل طوال حياته يحلم بأن يصبح كاتبا. وفي الثامنة عشرة من عمره انتسب نيبول إلى جامعة أكسفورد ليحصل فيها على تكوين صلب في مجال الآداب العالمية. وفي هذه الفترة من حياته شرع في الكتابة لـ«يقاوم اليأس والوحدة» بحسب تعبيره. وفي نص له هو يتحدث عن هذه الفترة الصعبة من حياته قائلا: «خلال خمسة أعوام كتبت ثلاثة كتب ربحت من مبيعاتها 300 جنيه استرليني. ولم يكن الأمريكان يرغبون بنثري، ذلك أنهم كانوا يرون أنني بريطاني أكثر من اللازم، وفي بريطانيا، كان القراء يقاطعونني لأنهم يجدون أنني أجنبي أكثر من اللازم! لكن من جانب آخر أسعفني الحظ بأن أعيش من قلمي بعد خمسة أعوام من المواظبة الدائمة على الكتابة على الرغم من المصاعب المادية. وفي بريطانيا لا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن الكتابة نشاط مخول للهواة فقط. وهو يستوجب مساعدات مادية بسيطة وليس راتبا. وهذا الموقف من الكتابة هو أفضل من الموقف في بلدي ترينيداد حيث يرى الناس هناك أن الكتابة مكافئة لصاحبها».
يواصل نيبول حديثه عن وضعيته ككاتب قائلا: «إن وضعي غريب ومثير للارتياب. فأنا كاتب هندي يكتب باللغة الإنكليزية، ويقدم للبريطانيين كتبا تزخر بشخصيات ليست بريطانية، وتتكلم الإنجليزية بطريقتها الخاصة. مع ذلك هناك كتّاب في الوضع نفسه تمكنوا من التغلب على لامبالاة القراء. وأنا كنت درست وضعهم عن كثب. وقد عاينت أنه بقطع النظر عن مواهبهم، فإنه يتعين علي أن أتطرق إلى موضوعات ثلاثة، أولها الجنس. فحتى في جزر «سانكيتس»، يمكن لهذا الموضوع،أي الجنس، أن يتغلب على جميع العراقيل. لكن ليس باستطاعتي أن أكتب كتبا جنسية؛ ذلك أنني لا أمتلك التجربة الضرورية، ولا موهبة في هذا المجال، تتيح للعمل الأدبي النجاح والانتشار؛ ثم إنني سأكون في حرج شديد حالما أسارع بكتابة شيء ما حول هذا الموضوع؛ إذ إن أصدقائي سوف يضحكون كثيرا. أما والدتي فسوف تغضب من سلوك ابنها العاق. الموضوع الثاني هو أن أختار شخصيات بريطانية وأمريكية في رواياتي، وأن أجعلها في قلب الحبكة على المستوى التجاري. هذا أمر مريح للغاية. أما على المستوى الفني فهو صفر؛ ثم إن هناك مشكلات تتصل بالعنصرية، وأنا مندهش؛ لأنه لا يوجد أحد درس الأسباب المتصلة بالنجاح الأبدي للكتب التي تتحدث عن التمييز العنصري. وأنا أعتقد أن مثل هذه الكتب تمنح صاحبها نوعا من اللذة السادية، أو سلطة بالوكالة».
ويعتقد نيبول أن الطقس له تأثير على الكاتب. ففي بلاد حارة، تدور الحياة في الهواء الطلق. الأبواب والنوافذ مفتوحة. والناس يقضون أوقاتهم خارج بيوتهم، أو على أرصفة المقاهي والمطاعم. وباستطاعة أحد ما أن يعرف ما يدور في بيت جاره، وهو الذي يزور هذا البلد الحار، لا يجد صعوبة كبيرة في التعرف إلى أحوال أهله. ففي أي مكان يقصده، يفاجأ الناس في حميميتهم. أما في بريطانيا فكل شيء يحدث خلف الأبواب المغلقة، والقادم إليها من البلاد الحارة يترك الباب وراءه مفتوحا أوتوماتيكيا. أما الذي يعيش في البلاد الباردة فيغلقه فورا؛ لذلك يشعر نيبول أنه لا يعرف أشياء كثيرة عن بريطانيا، وقد التقى بأناس كثيرين غير أنه لم يعرف عنهم سوى مظهرهم الخارجي؛ لذلك تجنب الخوض في مجمل أعماله في الحياة البريطانية. لكن، في ترينيداد، حيث ولد ونشأ، فإن الإلمام بحياة الناس هناك لم يكن صعبا عليه.
وكان نيبول قد عرف الشهرة انطلاقا من ستينيات القرن الماضي، وتحديدا إثر صدور روايته: «بيت للسيد بيسواس». وقد استوحى موضوع هذه الرواية من حياة والده الذي كان يتطلع إلى أن يكون كاتبا، إلا أنه فشل في مسعاه. وفي السبعينيات، تجول نيبول في عدد من البلدان الإفريقية التي كانت تشهد اضطرابات سياسية واجتماعية خطيرة. ومن سفراته تلك، استوحى موضوع روايتيه «المغوارون»، و«عند منحى النهر»، وفيهما يدين الجوانب المرعبة للإمبريالية الاستعمارية، متطرقا في الآن نفسه إلى فشل الثورات الاشتراكية في البلدان الإفريقية بسبب فساد القادة وزعماء الحركات اليسارية والتقدمية. وقد أثارت الروايتان المذكورتان إعجاب كبار النقاد لا في بريطانيا وحدها، بل في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وقام البعض منهم بعقْد مقارنة بينهما وبين «في قلب الظلام» رائعة جوزيف كونراد التي حولها المخرج الأمريكي الكبير فرانسيسكو كابولا إلى فيلم حمل عنوان «البعث الآن». ويقول نيبول: «الهيمنة الاستعمارية كما الاستقلالات الوطنية تم تشويهها. إن الليبرالي يكذب؛ لكي يؤكد أنه إنسان طيب. غير أنه لا يرى الوضع بشكل كامل. وعندما يتحقق الفشل، يختفي ولا يعثر له على أثر».
بعد انتصار الثورة الإيرانية، تجول نيبول في البلدان الإسلامية غير العربية مثل أندونيسيا وماليزيا وباكستان وإيران التي كانت لا تزال تعيش لهب الثورة التي أطاحت بنظام الشاه. وفي طهران تمكن من أن يتحدث طويلا مع آية الله خلخالي الذي كان مكلفا من قبل الخميني بإعدام المناصرين للنظام المنهار ومقاضاتهم، وفي نهاية رحلته تلك كتب سلسلة من التحقيقات الأدبية المثيرة عن الأصولية الإسلامية في هذه البلدان، مدينا التزمت والانغلاق في مجتمعاتها، ومقدما المسلمين ككائنات متشبثة بمعتقداتها، ورافضة رفضا مطلقا للمعتقدات الأخرى كلها.
صدرت التحقيقات التي كتبها نيبول عن الإسلام في العام 1981 من ضمن كتاب حمل عنوان «غروب الإسلام». عنه كتب يقول: «هذا الكتاب كان، على جميع المستويات، رحلة استكشاف كبيرة. وأنا لم أكن أعرف من الإسلام غير ما كنت أراه بالعين المجردة في الترينيداد في سنوات طفولتي؛ لذلك لم أعرف منه غير المظهر الخارجي. وإذن يمكن القول: إن كتابي ليس قصة الرحلات التي قمت بها فحسب، وإنما أنا أتطرق فيه في الحقيقة إلى الطريقة التي نختارها لكي تصبح معارفنا أوسع وأعمق».
وقد أثار «غروب الإسلام» حال صدوره ضجة هائلة في عدد من البلدان الإسلامية والغربية. وكان المفكر الفلسطيني المرموق إدوارد سعيد أول من بادر إلى انتقاد نيبول معتبرا أن التحقيقات التي قام بها في البلدان الإسلامية أبرزت «وجهه الرجعي المعادي للإسلام والمسلمين ولبلدان العالم الثالث بصفة عامة». وقد رد نيبول على انتقادات إدوارد سعيد قائلا: إن المصدر الأساسي لكل ما يكتب هو الواقع الموضوعي، وليس الأوهام والعواطف الإيديولوجية.
لم يكن نيبول رحيما بمشاهير الكتاب البريطانيين، بل يمكن القول: إنه كان يستخف بهم. فروايات شارل ديكنز لا تعدو أن تكون «مجرد محاكاة ساخرة لنفسه». وفورستر صاحب «طريق الهند» «مثلي خطير». وأما الإيرلندي جيمس جويس فهو «غامض»، و«ملتبس». وخلال الحرب على العراق، انتقد نيبول بشدة الوزير الأول البريطاني توني بلير واصفا إياه بـ«القرصان الكبير الذي دمر كل فكرة عن الحضارة في بريطانيا العظمى». ويعتقد نيبول أنه ليس بإمكان النساء أن يكتبن أفضل من الرجال. بسبب «ضيق نظرتهن إلى العالم»، و«حساسيتهن المفرطة»، مضيفا أنه لا يمكن أن توجد كاتبة قادرة على أن تكون بمستواه! وقد أشار كاتب سيرته باتريك فرانش إلى أن شتْم الآخرين، والسخرية من العائلة، وحتى من الشعوب «يريح نيبول كثيرا».
وكان نيبول قد فاز بجائزة نوبل للآداب في العام 2001. وفي تقريرها أشارت الأكاديمية السويدية إلى أن أعمال هذا الكاتب «تمزج بين قوة السرد، والملاحظة الدقيقة لحضور التاريخ المخفي، والمغيب».