الكوكب الأزرق في خطر ..من ينقذه؟

إميل أمين/كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

مرة أخرى يتوجب علينا التوقف أمام هذه القضية التي تمس حياة النوع البشري برمته على وجه الأرض، من دون تمييز عرقي أو مذهبي، طائفي أو ديني، فالجميع سيدفع ثمنا باهظا جدا، ولن تفيد روايات هوليود في تقديم بديل للهرب من السخط البيئي المتوقع للكرة الأرضية، كما في الفيلم الشهير 2012.
قبل نحو أسبوعين وليس أكثر أصدرت الأمم المتحدة تقريرا أشارت فيه إلى انه من المرجح أن ترتفع درجة حرارة الكرة الأرضية بنحو درجة ونصف، فيما بين عامي 2030 و 2052، إذا استمرت ظاهرة الاحتباس الحراري بوتيرتها الحالية، وبخاصة إذا تقاعس العالم عن اتخاذ إجراءات سريعة لوقف هذه الزيادة.
ولأن ذاكرة العوام لا تزيد عن ثلاثة أعوام كما يقال، لذا فإنه يتوجب علينا التذكير ومن جديد بواحدة من أخطر المشاهد الآنية والتي تتجاوز في خطورتها الحروب النووية ونحن نتحدث ولاشك عن ظاهرة الاحتباس الحراري. تعني تلك الظاهرة وباختصار غير مخل ازدياد درجة الحرارة السطحية المتوسطة في العالم، مع زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وبعض الغازات الأخرى في الجو . هذه الغازات تسمى بالغازات الدفيئة لأنها تساهم في تدفئة جو الأرض السطحي .
السؤال المهم هل درجة حرارة الكرة الأرضية الآن هي ذات الدرجة التي كانت سائدة من قبل ؟
بالقطع لا، إذ يشير العلماء إلى أن درجة حرارة الكرة الأرضية في أيامنا هذه هي تقريبا أكثر بدرجة عما كانت عليه قبل 200 عاما، حتى وإن اختلفوا على تحديد السبب الرئيسي والمباشر لها، فيقول البعض إن التلوث هو السبب الرئيسي، بينما يقول البعض الآخر انه تغير في الطبيعة، ولم تحسم القضية بشكل جامع مانع حتى الساعة .
ماذا عن التقرير الحديث الذي نحن بشأنه ؟
بعد ثلاثة أعوام من البحث كما ورد في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية وأسبوع من النقاش والجدل بين العلماء والمسؤولين الحكوميين في اجتماع بكوريا الجنوبية، أصدرت اللجنة المشرفة تقريرا عن تأثير الاحتباس الحراري، إذا ارتفعت درجات الحرارة على الأرض بدرجة ونصف درجة . خلص التقرير إلى أن استمرار ارتفاع درجات حرارة الكرة الأرضية على هذا النحو أمر سيؤثر على حياة الإنسان …كيف يمكن أن يحدث ذلك ؟ باختصار يمكننا الإشارة إلى عدة سيناريوهات وجميعها كارثية حال ارتفعت حرارة الكرة الأرضية، وفي المقدمة منها ذوبان ثلوج الأقطاب الشمالية والجنوبية دفعة واحدة، وهو ما نراه يتحقق الآن بالفعل، إذ باتت كتل جليدية في حجم دول تنفصل رويدا رويدا عن أماكنها الأصلية وتتحرك جهة المحيطات والبحار الكبرى حول العالم، الأمر الذي يعني ارتفاع منسوب المياه بشكل كبير، ما يؤدي لاحقا إلى طمر العديد من المدن الساحلية تحت المياه، وضياعها إلى الأبد، بالضبط كما جرت الأمور مع قارة اطلانطيس الغارقة .
من بين التبعات التي ستتعرض لها الأرض مع ارتفاع الحرارة حدوث ظاهرة التصحر، أي فقدان الأرض لقدرتها على إنبات الذرع من جراء ظاهرة البخر التي تقلل من منسوب المياه في التربة، بسبب ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض، والتصحر هنا لا يؤدي إلى المجاعات فقط، بل إلى الهجرات القاتلة والصراعات الديموغرافية حول العالم، وهو الأمر الذي سنعود إليه لاحقا بشيء من التفصيل.
يؤدي الاضطراب المناخي وارتفاع منسوب المياه إلى ظاهرة التسونامي الكارثية وقد رأينا بعض من تجاربها غير الأدمية في العقد الماضي، وكيف أن ارتفاع الأمواج بات ضربا من ضروب الدمار الشامل، وسلاحا من أسلحته، وبجانب التسونامي هناك كذلك الزلازل والبراكين التي تحدثها فوق الأرض، وانفجار ما خمد عبر مئات السنين من براكين، بل إن قشرة الكرة الأرض ذاتها تتحرك يمينا ويسارا، ما يعني أن الطبيعة الجغرافية للكرة الأرضية تتأثر بدورها .
اعد التقرير الذي نحن بصدده بناء على طلب حكومات العالم في 2015 عندما تم الاتفاق على معاهدة دولية لمعالجة التغير المناخي، ويعد هذا التقرير الذي نشر في الثامن من أكتوبر الجاري المرشد العلمي الرئيس لصانعي السياسة في الحكومات بشأن كيفية تنفيذ اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 … ما الذي تهدف إليه هذه الاتفاقية ؟
بدون شك إنها تسعى لجعل ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية “ اقل بكثير” من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العالم الصناعي، ومعروف انه حدثت بالفعل زيادة بواقع درجة مئوية منذ منتصف القرن الثامن عشر بعد أن رفع التصنيع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو غاز الاحتباس الحراري الرئيس المسؤول عن التغير المناخي .
في هذا السياق يبقى السؤال هل كل دول العالم وقياداتها مؤمنة بما جاء فيه ومقبلة على تطبيق الآليات التي تكفل للجنس البشري العيش السعيد على الكرة الأرضية ؟
من بين الرافضين لاتفاقية باريس للمناخ، وكذا المنسحبين منها، يأتي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المقدمة، وقد وعد أثناء حملته الانتخابية بان تبقى بلاده عضوا في تلك الاتفاقية، أما لماذا ؟ فالسبب واضح وهو أن ترامب كان خاضعا لضغوطات وتمويل جماعات الضغط المنتمية إلى لوبي الفحم المستخدم في كثير من المصانع، وهو على الرغم من فائدته الاقتصادية وتحقيقه أرباح خيالية للمصنعين، ألا انه يأتي في مقدمة الأسباب التي تؤدي إلى تلوث المناخ وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وانبعاث غازات الدفيئة .
ترامب كان يرى أن حرمان بلاده من استخدام الفحم في حين قيام غالبية الصناعات الصينية على الفحم أمر يضر بالاقتصاد الأمريكي لصالح الميزان التجاري للصين، وكان وعده الأول للجماهير الأمريكية التي صوتت له أن تضحى أمريكا هي الأولى من جديد حول العالم، وفي المقدمة من ذلك الوعد الوضع الاقتصادي .
انسحب ترامب بالفعل من اتفاقية باريس للمناخ ويتحدث الآن عن اتفاقية جديدة بشروط تلائم الهوى الأمريكي، وعليه فقد كان رده متوقعا بالنسبة لهذا التقرير .
في أعقاب تسلمه نسخة من التقرير قال ترامب أريد أن اعرف من الذي قام بصياغته، ومن هم المجموعة من الناس التي قامت بذلك، معللا ذلك بقوله :” التقارير قد تكون ممتازة وقد لا تكون “.
لم يكن متوقعا من ترامب غير ذلك سيما وان الحزب الجمهوري الذي أوصله إلى البيت الأبيض يشك شكوكا واسعة في النظرية العلمية التي تتحدث عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وارتباطها بنشاط الإنسان، وقد ألغى ترامب عددا من قواعد الأشراف على مجال الطاقة من قبل. هل لدى الأمريكيين كمؤسسات من أوراق أو تقارير تبين لنا كارثية المشهد البيئي العالمي الحاضر ؟
يقول الكاتب الأمريكي “ لورنس سميث “ والذي يحدثنا عن ما يطلق عليه “ تقرير البنتاجون “ والذي يضمنه كتابه الشهير “ العالم في عام 2050 … اربع قوى توجه مستقبل الحضارة في الشمال “. إنه من وجهة نظر اجتماعية فان حدوث تبدل مناخي مفاجئ وغير متوقع يكون اكثر زعزعة للاستقرار من تبدل مناخي تدريجي ومتوقع . ويحدثنا عن تحليلات عسكرية تشير إلى أن التبدلات المناخية التدريجية المتوقعة تشكل تهديدات أمنية وطنية، لذلك افتتحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في أواخر العام 2009 مراكز جديدة مخصصة لتقييم هذه التهديدات .
وتتوقع دراسة حديثة مثلا، ازدياد النزاعات المسلحة بنسبة تفوق 50 في المائة، وحدوث أربعمائة ألف حالة وفاة تقريبا بسبب المعارك في إفريقيا عام 2030 . وان إحدى المحاولات القليلة لتقييم الأثر الاجتماعي لتبدل مناخي مفاجئ صدرت عن وزارة الدفاع الأمريكية التي أوكلت المهمة في العام 2003، إلى متخصصين في هذا المجال .
هذا المستند الذي يحمل عنوان “ سيناريو تبدل مناخي ومعانيه الضمنية بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي لا يرتكز فقط على توقعات صادرة عن دراسات مناخية، بل على حدث معروف وقع في مرحلة ما قبل التاريخ في لب الجليد والمواد المترسبة والأحافير. فمنذ 8200 عام تقريبا ارتفعت درجة حرارة الأرض بعد عدة آلاف من سنوات الجليد، ما أدى إلى كوارث للبشرية إلا قلة قليلة نجت .
تقرير البنتاغون الذي يشير إلى الماضي يتوقع سيناريو مشابها قريبا، واحتمالات مفتوحة على حروب ومجاعات وأمراض وتدفق للاجئين، وانهيار سكاني بشري، وحروب أهلية في آسيا، وتحصينات دفاعية في الولايات المتحدة واستراليا، أما أوروبا فإنها الأكثر عرضة لارتدادات التغيرات المناخية في إفريقيا مثلا، حيث ستجد نفسها في مواجهة ملايين البشر الفارين من جحيم التغيرات المناخية في قاراتهم والتي لن تضحى قابلة للعيش الإنساني بعد، هل آسيا ستكون آسيا بمنأى عن الهول الأعظم الآتي من بعيد ؟
بالقطع ستكون في متناول أحداث مهلكة سيما في ظل أعداد سكانها الذين يتجاوزن اليوم المليارات الثلاثة ما سيجعلهم عرضه لنقص حاد في الماء والغذاء والدواء، وعما قليل ستدور بينهم رحى الحروب الأهلية على الموارد الغذائية التي ستتقلص كثيرا .
أما سكان أمريكا اللاتينية فلن يكون وضعهم المستقبلي افضل من سكان القارة آلأفريقية سيما وان منطقتهم حارة في الأضل ونامية ومتعرضة للكثير من الإشكاليات الاجتماعية .
وبالقدر نفسه فإننا نرى أمريكا الشمالية وفي القلب منها الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تقلبات مناخية غير طبيعية خلال العقدين الأخيرين، وجميعنا يذكر سلسلة الأعاصير التي ضربتها بدءا بإعصار كاترينا وصولا إلى إعصار مايكل الأخير الذي سبب خسائر بمليارات الدولارات . ما الذي يمكن فعله لصون الكوكب الأزرق من الانهيار ؟ الأمر يتطلب وبحسب التقرير الأخير تغييرا سريعا وكبيرا في أربعة انظمه عالمية هي :
الطاقة، واستغلال الأراضي، والمدن، والصناعة .
ولكنه يلح على أن العالم لن يحقق أهدافه ما لم يلتزم الأفراد بالتغيير، ويحض البشر على التقليل من شراء اللحوم، والأحبان والزبدة، والإكثار من الغذاء المحلي الفصلي، رمي كميات اقل من الغذاء، واستعمال السيارات الكهربائية، والمشي أو ركوب الدراجات في المسافات القصيرة، والسفر بالقطارات والحافلات، بدلا من الطائرات، وعقد الاجتماعات عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة بديلا عن القيام برحلات أعمال.