هل سيستمر الازدهار الحالي لصناعة النفط؟

ستانلي ريد – نيويورك تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

ها هي الأيام الطيبة تعود مرة أخرى. أوليس كذلك؟ فالمال ينهمر مجددا على شركات النفط العملاقة بعد فترة كئيبة شهدت تقليصا للموازنات وخفضا للوظائف عقب تدهور أسعار النفط عام 2014. وتقترب ربحية شركات النفط الكبرى الآن من مستوياتها قبل تدني الأسعار بل تفوقها قياسا ببعض المعايير.
تقول شركة بيرنستاين للأبحاث أن مجموع التدفق النقدي الحر لثماني من أكبر شركات النفط في العالم بما فيها إكسون موبيل وشيفرون وبي بي ورويال دتش شل بلغ 30.9 بليون دولار في عام 2017. وهو رقم يزيد كثيرا عن مبلغ الـ3.8 بليون دولار الذي تم تسجيله في عام 2014 حينما كان مستوى الأسعار أعلى. وهذا بعد توزيع أرباح بلغت في جملتها 46 بليون دولار للمساهمين. (التدفق النقدي الحر مقياس يرصد الأموال الداخلة إلى خزينة الشركة والخارجة منها). السؤال: ما أسباب هذه الأرقام «السَّمِينَة»؟ إنها مزيج من الارتفاع في أسعار خام برنت والضغط المستمر على الإنفاق. كما حدث أيضا تغيير للحرس حيث تولى القيادة تنفيذيون من أمثال مايكل ويرث في شفرون وباتريك بويانيه في شركة توتال الفرنسية وبين فان بيوردن في شل رويال دتش والذين سبق أن خدموا شركاتهم في وحدات التكرير والبتروكيماويات الأقل بريقا والأكثر انشغالا بالتكلفة. لقد جاء هؤلاء القادة الجدد إلى مواقعهم الجديدة بعقلية أشد تقتيرا وشظفا في الإنفاق على اكتشاف وتطوير حقول نفط جديدة. وبالمقارنة تسود في الحقبة التي يصل فيها السعر إلى 100 دولار للبرميل سياسة (البحث عن النفط) مهما كلف ذلك. يقول أوزوالد كلينت، المحلل بشركة بيرنستاين في لندن، «من المؤكد أنك تجد ثقافة مختلفة تتخلل هذه الشركات». فالمجموعة الحالية من الرؤساء التنفيذيين أكثر تركيزا على «خفض النفقات» وليس فقط إقامة مشروعات رائعة ولكنها غير مفيدة مثل «لعب الأطفال الجميلة»، كما يقول. وإلى جانب تجربة انخفاض الأسعار المريرة يؤثر على سلوك صناعة النفط أيضا القلق من دور الوقود الأحفوري في التغير المناخي. لقد ظل الطلب على النفط ينمو بقوة في السنوات الأخيرة. لكن السؤال هو هل سيواصل نموه في حين تطالب الحكومات والمجتمعات بالتحول إلى اقتصاد أقل استهلاكا للكربون؟ وهو تحول ربما يتحقق فقط بخفض استخدام الوقود الأحفوري المطلق للانبعاثات الملوثة للهواء. وفي حين أن إدارة ترامب قد تحاول تقليل الإجراءات التنظيمية التي تضبط نشاط منتجي الطاقة يخشى مسؤولو شركات النفط من أن تسعى الحكومات الأمريكية في المستقبل إلى إعادة تطبيق هذه القواعد بصرامة أشد. يقول جيه روبنسون ويست، مدير مركز آثار الطاقة بشركة بوسطن الاستشارية، «يمكنني القول أن هذا أصعب وقت تمر به صناعة النفط منذ أزمة أوبك والتأميمات في أعوام الستينات والسبعينات». وهو يشير بذلك إلى فقدان شركات النفط الغربية امتيازاتها النفطية المربحة في بلدان مثل ليبيا وإيران والسعودية. وعندما تفكر مجالس إدارات الشركات مَلِيَّا في مثل هذه الشكوك فإنها تتوجَّس وتخشى من التصديق على مشروعات طويلة الأمد تنفق فيها بلايين الدولارات وكانت في السابق أساسية بالنسبة لصناعة النفط. يتساءل ويست بقوله «كيف تصادق على هذه المشروعات الضخمة التي لها دورة حياة تستغرق 20 عاما عندما لا تعلم كيف ستكون أحوال تجارة النفط خلال 20 عاما؟» في أجواء عدم اليقين هذه يرغب المستثمرون أيضا في عائدات سريعة تتمثل في زيادة مطردة في الأرباح الموزعة على المساهمين وفي إعادة شراء الأسهم. لكن بالنظر إلى أن الموارد المتجددة مثل الرياح وأشعة الشمس لا تفي إلا بجزء ضئيل فقط من احتياجات العالم من الطاقة العالمية يبدو أن النفط والغاز سيظلان على الأغلب موردين مهمين للوقود لعقود قادمة. يقول كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لشركة إيني الإيطالية، «لا أعتقد أنه ستكون هنالك ضغوطات على النفط خلال فترة الثلاثين إلى الأربعين عاما القادمة». هذا فيما يُقِرُّ في ذات الوقت أن على صناعة الطاقة في آخر المطاف خفض انبعاثات الكربون. لكن يبدو أن الضغوط الحكومية والمجتمعية ستزداد في الغالب. وهي ضغوط قد لا تشجع على الاستثمار في اكتشافات نفطية جديدة قد تكون مطلوبة ولازمة لمقابلة الطلب على النفط. وفي هذا الصدد ذكرت جولي ويلسون المحللة بشركة وود مكنزي لاستشارات الطاقة أن الإنفاق على عمليات الاستكشاف هبطت إلى 35 بليون دولار في العام الماضي من 95 بليون دولار في عام 2014. وتضيف أن الرؤساء التنفيذيين يركزون الآن أكثر على إيجاد النفط بالقرب من التجهيزات النفطية الراهنة والتي يمكن تطويرها بسرعة. هذا إلى جانب أنشطة أخرى مثل استخراج المزيد من النفط من الحقول الحالية. فهذه الأنشطة كلها تؤتي أكلها (تحقق عائدات) بسرعة نسبيا دون الحاجة إلى اكتشافات نفطية عملاقة. وتقول جولي أن المستكشفين بطبعهم يوسعون حدود الممكن في عملهم ويختبرون فنون التقنية الجديدة إلى أقصي حد مشيرة إلى خليج المكسيك حيث وجدوا النفط في أعماق سحيقة داخل البحر. ولكنها تنوه إلى عدم وجود رغبة في هذا النوع من الاستكشافات النفطية الآن. فأسعار النفط والموازنات لا تدعم مثل هذه الرغبة. ويبدو أن ضغوط التكلفة كانت وراء القرارات الأخيرة في شيفرون. وكان قد سبق لشفرون في وقت مبكر من هذا القرن تطوير أحد أكبر المشروعات وهو مشروع جورجون العملاق للغاز الطبيعي المسال الذي فاقت تكلفته الفعلية البالغة 54 بليون دولار كثيرا التكلفة المقدرة له في البداية. وعرض ويرث، الرئيس التنفيذي الجديد، الحقول الشائخة (القديمة) للشركة في بحر الشمال البريطاني للبيع. وفي الأول من أكتوبر ذكرت شيفرون أنها بصدد بيع «مستقبل» الشركة في المنطقة والمتمثل في حقل روزبانك الواعد لكن المكلف قبالة سكوتلندا لشركة إكوينور النرويجية. ويبدو أن الرسالة التي يُرَاد إرسالها هي أن من الأفضل الحصول على النقود الآن ونقل انشغالات الإدارة والمخاطرة في الأجل الطويل خلال العقود القادمة إلى أشخاص آخرين. وذكرت شركة شيفرون أنها «تراجع بانتظام محفظتها العالمية لضمان استمرار الأصول في الوفاء بمعاييرنا الخاصة بالاستثمار» حسبما جاء في بيان صدر عنها. وكانت شركة بي بي العملاقة التي تتخذ لندن مقرا لها قد أُشتُهِرَ عنها في وقت ما أنها تكثر من عقد الصفقات. لكن في الأعوام الأخيرة تجنبت الشركة الاستحواذات الكبرى ويعود ذلك جزئيا إلى الانفجار الكارثي الذي وقع في منصة الحفر بحقل ديبووتر هورايزون البحري في خليج المكسيك عام 2010. لقد كلفت تلك الحادثة الشركة غرامات وتعويضات بأكثر من 66 بليون دولار. وعندما شعر مسؤولو بي بي بالأمان الكاف للعودة إلى طاولة «عقد الصفقات» في يوليو اختاروا دفع 10.5 بليون دولار مقابل أصول موارد نفط وغاز صخريين في الولايات المتحدة تابعة لشركة التعدين الأسترالية بي إتش بي بيليتون. ترتبط مساحة الـ47000 فدان التي استحوذت عليها بي بي في ولاية تكساس وغيرها بمخاطر قليلة جدا في نظر مسؤولي الشركة. فبفضل الأعمال الاستكشافية التي نفذتها بي إتش بي بيليتون وآخرون يعلم هؤلاء المسؤولون سلفا بوجود نفط هناك. ويمكنهم باستخدام فنون تكنولوجية دقيقة حفر آلاف الآبار في هذه المساحة. إن آبار النفط الصخري تنتج بوتيرة أسرع كثيرا قياسا بالفترة الزمنية الطويلة (تمتد لسنوات) التي يستغرقها إقامة مشروع نفطي بحري (في المياه العميقة) أو منشأة غاز طبيعي مُسَال مما يقلل من التعرض لتقلبات الأسعار ويؤدي بالتالي إلى التلطيف من قلق المستثمرين ومجالس إدارات الشركات. يقول ديف لولر، الرئيس التنفيذي لأعمال بي بي الخاصة بالنفط الصخري في الولايات الأمريكية الـ48، أن المخاطر تحت الأرض (من تلوُّث وغيره) معدومة أساسا (تساوي صفرا). وفي حين أن النفط الصخري كان في السابق مجالا لنشاط الكيانات الصغيرة المعروفة بالشركات المستقلة إلا أن معظم منافسي بي بي بما في ذلك شركتي إكسون موبيل وشيفرون يتجهون إليه الآن وينفقون حصصا كبيرة من رؤوس أموالهم في النفط الصخري. ويرى العديدون في شخصية فان بيوردن الرئيس التنفيذي لشركة شل تجسيدا للصفات المطلوبة في النفط. فبيوردن الذي صار رئيسا تنفيذيا في 2014 يعرف أن أعمال النفط والغاز تظل حيوية لشركات مثل شل. لقد حسَّن من متوسط الأداء المالي بشراء شركة طاقة بريطانية اسمها بي جي مقابل 54 بليون دولار في عام 2016 حين كانت أسعار النفط متدنية. وشكل بذلك محفظة غنية للغاز الطبيعي المسال، وهو الوقود الأسرع نموا والأقل أثرا على المناخ قياسا بالنفط. كما جاءت شركة بي جي إلى شركة شل ومعها نفطها أيضا الذي يوجد معظمه في البرازيل. يدرك فان بيوردن أيضا أن شركته ستكون في مشكلة ما لم تقنع المجتمع والحكومات بأنها تريد أن تكون جزءا من «حل» وليس «مشكلة» التغير المناخي. لقد ظل يراهن بالتدريج على شركات مقصود بها خفض محتوى الكربون الإجمالي لموارد الطاقة التي تبيعها شل. من بين هذه الشركات شركة لتوليد الكهرباء من أشعة الشمس في كاليفورنيا وشركة إمداد كهربائي في بريطانيا وشبكة لنقاط إعادة شحن بطاريات السيارات الكهربائية في هولندا. وكان بيوردين قد ذكر في مقابلة سابقة أن الشيء الأساسي هو ضمان استمرار أهمية الشركة في المستقبل. فإدراك «الكيفية التي سيتم بها هذا التحول في استخدام موارد الطاقة وكيفية تعاملنا مع ذلك الإدراك يشكلان في الواقع السؤال الاستراتيجي الرئيسي»، حسب قوله.