تواصل: كرسي لا يراه أحد !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول:
يخبره أحد المستشارين لديه في الوزارة أنه لابد أن يساير العصر ويثبت للمجتمع أنه منفتح ومتقبل للآراء البناءة من الجميع وذلك لن يتحقق إلا بفتحه حسابا في تويتر يكون فيه قريباً من اهتمامات المجتمع في القطاع الذي يشغل مسؤولية فيه ، يوافق ويذهب بثقل مركزه الوظيفي وبكامل شعوره بأهميته وإحساسه أنه تواضع كثيراً حتى يسمح لكل الناس أن يرسلوا له برسائلهم المباشرة في ذلك الحساب، يبدأ تفاعله في حسابه فيكتفي بإعادة نشر منشورات الأخبار التي تصدر في الحساب الرسمي للمؤسسة التي يديرها، يقرأ ما يصله من تفاعل المتابعين ولا يستفيد منها في التطوير لا يرد على أحد إلا من كان في مستواه الوظيفي، ويعتقد بذلك أنه فعل ما عليه من تفاعل تجاه المجتمع !.

مشهد ثانٍ:
يكتب في النبذة التعريفية لحسابه في تويتر اسمه كاملاً ويضع صورته التي تظهر أنه مسؤول مهم ثم يكتب في نهاية النبذة «الحساب شخصي» ، فيغرد عن الأدب والطب والعلوم والطقس إلا في القطاع الذي يعمل فيه كمسؤول ، يرى تحت تغريداته في كل مرة أسئلة تتعلق بمجال عمله، مع أن التغريدات لا علاقة لها بذلك لكن مثل تلك التساؤلات تنهمر على حسابه كمطر ، هو لا يرد والمتابعون لا يتوقفون عن السؤال وانتظار التفاعل الذي يمثل الشخصية الوظيفية !.

مشهد ثالث:
مسؤول مهم في جهة عمله يتفاعل مع المتابعين ويرد على الأسئلة التي يعتقد أنها مهمة ومتعلقة بمجال عمله ، لكنه يبدو أن ليس هناك من درّبه على كيفية إدارة حسابه الذي يتفاعل فيه مع المتابعين بصفته الوظيفية وليست الشخصية، فتجد أن منشوراته مليئة بأخطاء إملائية وأخرى في الصياغة وثالثة في الإتيكيت، كما أن بعض تلك التفاعلات المتمثلة في الردود تشعر من يقرأها أن هذا المسؤول يتحدث من فوق برج عاجي، وليس مطلعاً على ما يتعرض له المواطنون من هموم يومية تثقل كاهلهم في الكثير من الجوانب الحياتية، تكثر أخطاؤه بمختلف أنواعها ، يتبادل المستخدمون لتلك المنصات الإلكترونية صوراً لبعض منشوراته التي تظهر فيها سقطاته في الردود التي قد تكون عفوية أو أنها عبرت عما في نفسه من تعالٍ أو عدم تقدير للوضع، يعلقون عليها ويضحكون ، يصمت بعدها صوته في تلك المنصات للأبد !.
جاءت وسائل التواصل الاجتماعي وأحدثت حراكاً جيداً في مجال التفاعل بين المؤسسة الرسمية والمستخدمين لهذه المنصات ، إذ وفرت حسابات تلك المؤسسات إجابات شافية للمستخدمين عن التساؤلات التي تشغلهم عن مهام المؤسسة ومعاملاتهم معها دون الحاجة للذهاب الواقعي لمقرها ، وهنا قرر بعض المسؤولين الأهم في تلك المؤسسات أن يكون لهم وجود في تلك المنصات أما بذلك الحضور القائم على التفاعل مع المتابعين أو المشاهدة والاطلاع على ما يحدث في هذه العوالم بعد أن تناهى إلى علمهم أن ما يطرح في تلك الوسائل قد يؤثر في عمل المؤسسة التي يديرونها وقد يزيحهم من الكراسي التي يتمكسون بها لفترات قد تمتد لعقود!.
يأتي المسؤولون أحيانا لتلك المنصات بتوقعات عالية بأن هناك من سيتعامل مع وجودهم فيها باحترام مفرط كما يحدث في مكاتبهم والأماكن التي يرتادونها والتي تفرش لها الأرض ورودا ، لتفتح لها الأبواب الأوسع وتنتظرهم الكراسي الواسعة المذهبة الأطراف ، ثم يتفاجأون أنه قد لا يوجد مكان للرسميات في التعامل معهم في العوالم الافتراضية وأن قيمة وجودهم في توفيرهم المعلومة التي يحتاجها المستخدم وأيضاً كونهم وسيلة تلقى شكاوى التعقيدات التي تحيط بالمؤسسات التي يديرونها وبالتالي يبسطون من تلك التعقيدات.
هناك من المسؤولين من يتقبل طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي ويبدأ في التعامل معها وهناك من يعيش جو المسؤول الذي يجب أن يتم التعامل معه بطريقة معينة تليق بمنصبه ويكتفي بالرد على عينة محددة من المتابعين كالمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي أو الكتاب أو الصحفيين أو ذوي أرقام المتابعات العالية.
هناك عينة أخرى من المسؤولين الذين حتى لو رغبوا في التفاعل الحقيقي مع الجمهور وبدأوا فيه تشعر أن معرفتهم بطريقة إدارة حساباتهم قد تظلمهم وتجعل من المستخدمين يتندرون عليهم لفترة قد تطول وبالتالي قد يفكرون فعلياً في مغادرة هذه العوالم إلى غير رجعة مع قيمة وجودهم فيها لتطوير المؤسسات التي يديرونها .
في هذه الأثناء يتلقى المستخدمون خبر فتح أحد المسؤولين لحساب في تويتر مثلاً بحماس عالٍ لأنه أخيرا سيأتي من سينقلون له شكواهم من عمل تلك المؤسسة مباشرة دون الحاجة لانتظار مواعيد قد تطول وخسارة الوقود في الذهاب لمقرات تلك المؤسسات، كما قد يكون لدى بعضهم حماس عالٍ في وجود من يلقون باللوم عليه طوال الوقت إذ يجدون ضالتهم في هذا المسؤول الذي قد يصبون عليه جام غضبهم من عمل مؤسسته التي يعانون منها في الواقع.
إن وجود حسابات للمسؤولين في منصات التواصل الاجتماعي يعني تماماً أن ينسوا كراسيهم الواسعة في مؤسساتهم وما يترافق معها من مزايا في التعامل من المحيطين بهم لأن ذلك الكرسي الذي يستندون عليه بثقل منصبهم في الواقع لا معنى له في منصات التواصل الاجتماعي وتقريباً لا يراه أحد!.