وتر: خيانة الذاكرة

شريفة بنت علي التوبية –

يحدث أن أنسى ويربكني النسيان، ويحدث أن التقي بصديق في ازدحام عابر فيحضر وجهه ويغيب اسمه، يحدث أن أنسى موعدا أو تاريخا مهما، يحدث ذلك كثيرًا في اللحظات التي أكون فيها مشتتة بين عوالم كثيرة، فيشعرني ذلك النسيان بالربكة والشتات، فالتمس العذر لذاكرتي المتمردة، وأعلم أنها تدعوني للخروج مما أنا فيه إلى لحظة هادئة أستعيد فيها نفسي المتعبة.
كلنا نعيش مثل هذه الحالة، وعلى سبيل المزاح والتندر نقول بكل بساطة إنه الزهايمر، وكنت كغيري أكرر ذلك كلما نسيت، حتى شاهدت فيلم (still alice) بطولة الممثلة (Julianne Moore) والذي يحكي قصة امرأة خمسينية جميلة وذكية وزوجة وأم لثلاثة أبناء، تعمل دكتورة لغويات في إحدى الجامعات، لكنها بدأت تنسى كل شيء الأسماء والأرقام والمعلومات حتى الأماكن التي كانت تذهب إليها، وشخصّت حالتها بأنها إصابة مبكرة بمرض الزهايمر، والذي تطور حتى وصل مرحلة متأخرة شعرت فيها أنها ضائعة وغريبة، فلم يتبق لها سوى محاولة إنهاء تلك الحياة لولا محبة أسرتها لها، في الواقع يعاني الكثيرون من كبار السن لهذا المرض الذي لا نعرف عنه سوى أنه مرض النسيان، وربما لا نشعر بشعورهم وقد لا نهتم بهم كما يجب، رغم أنه لا يقل عن السرطان شراسة ووحشية، فإذا كان السرطان يأكل الجسد فالزهايمر يأكل الذاكرة، يسرق ويصادر كل تفاصيل حياة من يصيبهم، يأخذ ذكرياتهم الجميلة وغير الجميلة، يجردهم من كل شيء، يتركهم غرباء وكأنهم ما عرفوا من الحياة شيئًا، هو موت قبل الموت، فما الذي يبقى للإنسان في هذه الحياة حين يفقد ذاكرته؟ لا شيء، أنه يكون فاقدًا للحياة وهو ما زال محسوبا على قيدها، فكيف بيوم نحياه لا يستند على أمس، وكيف هي الحياة من غير صور نسترجعها في لحظة اشتياق، وكيف بالإنسان إنسانا إذا لم يشعر بالحنين والفقد، وكيف بنا نشعر بلذة الحنين دون البحث في تلك المخابئ السرية لذلك الكنز الثمين الذي لا يعرفه سوانا بالذاكرة والذي ننتصر به على هزائم الدنيا وخساراتنا فيها، فليس هناك أشد خذلانا ولا ألما من خيانة الذاكرة، لذلك فمريض الزهايمر يحتاج للدعم العاطفي والنفسي أضعاف ما يحتاجه أي مريض آخر، ويحتاج لوجود من يحبهم ويحبونه، فإن خانته الذاكرة الفعلية وصادر الزهايمر كل ما يملك من ذكريات وأسماء وصور، فإن ذاكرة قلبه تبقى حاضرة لا تغيب ولا تخون، فأحيطوهم بالمحبة لأن ذلك ما يحتاجونه بلحظة غياب.