ذات: التقبل سر الوصول

لما مصطفى دعدوش –

كيف أصل إلى نفسي؟
سؤال طالما ورد وطالما وجدته في عيون وتنهيدات الشباب وشرود النساء وانفعالات المراهقين.
في الحقيقة ترد خاطر الإنسان العديد من التساؤلات والأفكار المنطقية البسيطة في عبارتها والعميقة في فحواها ومعناها وهي غالبا ما تؤرق نومه وتوقظ عينه وتجعله في حيرة يحاول فيها الوصول إلى شطآن الحقيقة ليجد إجابات ضبابية فيحاول إيضاحها ومعرفتها ويكتشف بعد ذلك أنه في خطوات تسبقها خطوات وتليها خطوات أخرى تدفعه بتتال ملفت في رحلته لمعرفة ذاته وكيف يتواصل معها وهي أجزاء من رحلة طويلة بدأت بقراره تجاه نفسه.
ولعل أحد أهم طرق التواصل السحرية مع الذات هو قدرة المرء على تقبل الذات والشعور بالتقدير اللامشروط تجاهها حيث يستطيع تحويل هذه النفس من جموح واستياء إلى هدوء وسلام.
إن تقبل الذات هو أن تتقبل نفسك كما هي بهدف ونية تخليصها من سلبياتها وتعزيز إيجابياتها وميزاتها، وذلك بدءًا من بداية مهمة هنا هي حب الذات أولا، فهو اللبنة الأساسية في مشوار تقدير الذات وتعزيزها وإصلاح معايبها.
يغرق الكثير في بحور التقبل الخارجي للشكل والمظهر ويبقون هناك وهو وإن كان مهما جدا ومطلوبا إلا أنك تحب نفسك وتتقبلها لأنك (لست جسدا بمظهر وشكل وقياس وميزان وألوان فقط)، أنت روح وعقل وقلب تحبهم جميعا وتتوازن معهم جميعا وتعيش معهم جميعا في حياة متوازنة متناغمة قلبا وقالبا.
لتتقبل جسدك أعلم يقينا أنك لست هذا الجسد وإنما هو جزء بسيط يمثل جزءًا منك فقط ولست أنت، وعندما تتقبل لونك وعرقك وملامح وجهك فأنت ترسل رسالة اطمئنان وامتنان لكل ما في داخل جسدك من عروق وخلايا فيشعر الجسد بتوازن المشاعر والأفكار التي ينعم بها صاحبه فيزيده عافية وانسجاما في علاقة دائرية مغلقة بين الجسد وبين تلك الرسائل الخفية التي ترده من صاحبه ليمتلأ جمالا وإشراقا.
وبالمقابل يسعى آخرون إلى ذاك التقبل الداخلي الذي يعتني بالشخصية والفكر الداخلي فيلجأون إلى التعامل مع سلبيات أفكارهم ومشاعرهم وبالتالي سلوكياتهم بتقبل عاقل واعٍ لها ومعرفة أسبابها ومحاولة تغييرها واكتساب أفضل منها عن طريق تقبل وجودها بحيادية واضحة خالية من الانفعالات والإيجو وحب النفس الأعمى الذي يدافع عنها بكل أخطائها وحجته المحبة، فمن أصدق علامات حب الذات هو ترويضها وتطهيرها من كل ما لا يليق بها فتختار لها أطيب الأفكار والعبارات والأشخاص والأماكن والأهداف.
ويعلو هنا صوت النقد وصراعك الأزلي معه لتخفضه قدرتك على تقبل النقد وإدراكه دون حساسية خادعة تجاهه لأنه مرآتك التي تعكس لك ما لا تراه في النافذة العمياء من نوافذك الأربع.
وتأتي إلى دوائر حب الذات وتقبلها لتتنقل بينها بخفة ومرونة فتنهل من قائمة إنجاراتك التي سطرت فيها أفعالا من الذاكرة أتتك الآن زائرة وسجلت فيها أجمل الانتصارات على التحديات، ورسمت أصدق الذكريات على صفحات قلبك وعقلك بما أنجزت ونجحت وعملت وساعدت.
وتدلك هذه القائمة الصديقة الودودة على مواطن قوتك وجميل سماتك لتركز على إيجابياتك في حوار داخلي ذاتي مميز ومليء بالتحفيز والدعم والقوة.
ستجد أنك بتقبلك لذاتك قد أزحت الستار عن كائن جميل جدا يسألك رؤيتك ويطلب ودك، هو أنت.
تقبلك لذاتك كان مفتاحك إليها وسرك الجميل الذي ما بحت به لأحد حيث إنه منك وإليك في وحدة بشرية راقية تجعلك تتقبل كل شيء فيك لتصل إلى كل شيء فيك.