علاقة بيئة التعلم والمُتَعلمين

د. بدرية بنت محمد النبهانية –

إن التعليم ركيزة الأمم، والأساس المُعَوَّل عليه نهوضها وتطورها، وعلى مر التاريخ البشري، نجد أن الأمم التي قامت واستمرت في النمو والتطور والازدهار، هي تلك التي أحسنت صياغة منظومتها التعليمية، من خلال المواءمة بين متطلبات العصر وبين الأصالة التي تفخر بها الأمم، والتي تشكل عاملا رئيسا في رفع مستوى الدافعية لدى المتعلمين وأفراد المجتمع للاستمرار في بناء أوطانهم أُسوةً بأجدادهم وآبائهم. وقد كثر التنظير في التعليم، وتشعبت الأفكار التي تسعى للرفع من مستواه، وذلك بالعمل على رفع جودة مخرجاته، أي المتعلم أو الطالب. فالطالب في نظام التعليم الحديث هو محور العملية التعليمية التعلمية، وهدفها الذي تسعى لإكسابه المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات اللازمة، ليكون فردا صالحا منتجا في وطنه. وللوصول لنتيجة إيجابية مع الطالب أو المتعلم لابد من تهيئة بيئة تعلم موائمة، تتوافق بين منظوري الزمان والمكان.

ويقصد ببيئة التعلم «مجموع العوامل والشروط النفسية والتعليمية والاجتماعية التي تُشكِّل سويا البيئة التعليمية»، ويمثل المكان أول عناصر هذه البيئة. ويقصد بالمكان المبنى الذي يتلقى فيه الطالب علومه المختلفة، سواء كان صفوفا دراسية يتلقى فيها التعليم المباشر، أو المختبرات العلمية المرتجى من خلالها تطبيق ما تعلمه، وإكسابه مهارات متعددة من حيث التعامل مع المواد الكيميائية وإجراء التجارب المِخبرية، أو قاعات متعددة الأغراض لأداء الأنشطة المختلفة كالفنون التشكيلية، أو ممارسة هوايات معينة، ومن ركائز المكان هي الصالات الرياضية لأداء الأنشطة الرياضية، بالإضافة لتوفير مختبرات الحاسوب ومكتبة يستعين بها الطالب لأداء أنشطة المواد الدراسية، كما خُطِطَ لها، ولترفع مستوى الوعي المعرفي لدى الطلبة كل حسب الفئات العمرية التي تخدمها هذه المنشآت. وهنا لابد أن نشير إشارة مهمة، لأهمية التخطيط للمستقبل، فالمبنى المدرسي الذي كان يؤدي الهدف، ويستوعب أعداد الطلبة قبل عشر سنوات فرضا، قد لا يكون صالحا للجيل الحالي، فالتغير المناخي لعب دورا في تغير أحوال الطقس مثلا، وعليه فبناء المدارس والمؤسسات التعليمية يجب أن يسير موازيا لهذا. والمباني المفتوحة ربما كانت تصلح قبل زمن، إلا أنها لا تصلح لأيامنا الحاضرة، فَلِمَ نبني مباني غير جاذبة في أشكالها وألوانها للطلاب؟! وَلِمَ نبنيها بنفس الشكل والهيكل الخارجي السابق؟! وَلِمَ تُبنَ باستيعاب المنطقة السكنية قبل عشر سنين دون مراعاة للتطورات الديموغرافية فيها؟! كل هذا يجب أن يوضع في الحُسبان عند استحداث مبانٍ تعليمية جديدة لِيُصبح عامل الجذب مهما هنا
ويُشكِّل الطالب ثاني عناصر البيئة التعليمية الرئيسة. فهو محورها وأساسها وهدفها وغايتها، وبالتالي يمثل الدليل الواضح لنجاح نظام تعليمي معين أو فشله. فالعلاقة طردية بين فاعلية الأنظمة التعليمية ومخرجات التعليم، أيا كان نوعه هل هو تعليم عام أم تعليم عال. فكلما كانت مخرجات التعليم عالية في عمومها، وتسير بصورة تصاعدية نحو الوصول لأهداف العملية التعليمية، عكست للمجتمع عامة والقائمين على الأنظمة التعليمية جودة النظام المتبع وفاعليته في الوصول للرؤية العامة لسياسات التعليم في أي مجتمع كان، والعكس بالتأكيد صحيح. وعليه فالدول التي تريد أن ترتقي بنفسها، وترفع من مستوى أداء مجتمعها هي التي تركز على المخرجات التعليمية، في أي مؤسسة تعليمية. وعلى القائمين على هذه الأنظمة أن يكونوا واقعيين في معالجة مشكلة ضعف المخرجات لديها، والحل لا يكون بتغيير نظام تعليمي معين، أو استبدال مناهج دراسية بغيرها؛ لأن هذه الأنظمة بهذه الآلية تخلق مشكلة أخرى، يقتضي منها التطبيق وإعادة التقييم مرة أخرى، وإنما العملية لابد أن تتم عبر مراجعة النظام القائم وتأثيره على الطالب، بصورة مشتركة من كافة الخبرات، بدءا من الطالب فمعلمه فإدارات المدارس فأولياء الأمور، لأن الخلل أحيانا لا يكون في المناهج بصورة كُلِّيةٍ، بل ربما تكون هناك جوانب متعلقة بالطلبة أنفسهم، ويكون النظام المتبع فقط يحتاج لإعادة التقييم لإجراء ما يلزم من إصلاحات فيه، كما ينبغي على الأنظمة التعليمية مراعاة التدرج للوصول للكمال في النهاية، وليس التخبط باستحداث أنظمة دون تأسيس، ليصبح الفاقد والهوة بين جيل وآخر كبيرة.

يأتي المعلم الذي يتلقى الطالب على يديه التعليم كعامل ثالث رئيس في النظام التعليمي الجاذب. فالمعلم يمثل من خلال أساليب وطرائق التدريس التي يتبعها عامل جذب أو نفور للمتعلمين، ليس على مستوى المادة التعليمية وحدها بل من المؤسسة التعليمية كاملة. فالمعلم هو وسيط بين المحتوى والمتعلم، فَكَم من مُعَلِّمٍ ما زالت ذكراه عالقة في أذهاننا، خالدةٌ كلماته وأسلوبه وطرائقه المتنوعة في إعطاء المحتوى المعرفي للطالب، فالمعلم ينبغي أن يكون فعليا أبا ثانيا أو أما ثانية للطلبة في مؤسساتهم التعليمية، من حيث التوجيه والإرشاد والأسلوب المتطور المستمر في التدريس، فكلما كان المعلم مطورا من نفسه وقدراته، كان مثالا لطلابه في حملهم على البحث المستمر عن المعرفة، وتطبيقها بأساليب جديدة ومتطورة في البيئة المدرسية، هذه التفاعلية هي التي تخاطب الجانبين المادي العقلي والمعنوي الوجداني لدى الطالب. وهكذا تكون طريقة التدريس وإعطاء المحتوى المعرفي هي العامل الرابع الرئيس في النظام التعليمي، الذي لابد أن يكون مرنا متجددا، يراعي الفئات العمرية المختلفة من المتعلمين، بالإضافة لمستويات التفكير المتعددة لديهم. وربطها بكل جديد وحديث، فالمعلم يستطيع من خلال أساليب التدريس إحياء الكلمات في المناهج، وتحويلها عبر أساليب التعليم الفعالة والنشطة لبيئة جذب تسهم في تحقيق أهداف التعليم المختلفة، وهي إكساب المعارف والمهارات المختلفة.

ويمثل المنهج جزءا ثابتا وفاعلا في بيئة التعليم الجاذبة للمتعلم. هذا المنهج الذي يتم صياغته وفقا لفلسفة عامة تضعها الدول لنفسها، مُنطَلِقةً من ثوابتها الأساسية، لتحقيق أهدافها وغاياتها للسمو بأوطانها. ولهذا تتصف المناهج غالبا بالمرونة والتجديد لمواكبة التطورات والتغيرات المعرفية في العالم الخارجي، وذلك لضمان استمرارية التواصل بين ما يتلقاه الطالب من معارف ومهارات واتجاها داخل المبنى التعليمي وما يحدث في العالم في شتى المعارف، وبالتالي تقليل حجم الفجوة التي قد تواجهها الأنظمة التعليمية. وعليه فأي نظام تعليمي لكي يضمن استمرار تجويد التعليم لديه، لا تتم فيه عملية تغيير المناهج بسهولة، وإنما هي عملية تراعي التدرج للوصول للأهداف، وبالتالي لا ينبغي أن يتم إلغاء منهج واستحداث آخر إلا بعد سلسلة من عمليات التقييم والتقويم للمناهج القائمة قيد التغيير، فإن كان بالإمكان تعديلها عُدِّلَت، وإن وُجِدَ أنها كان غير صالحة للزمان والمكان فالتغيير أمر حتميٌّ لها. والتدرج هنا سمة لابد من مراعاتها وذلك لتقليص الفاقد لدى المخرجات، فمثلا أي استحداث لأي منهج لا يتم تطبيقه للصف الأعلى إلا بعد تأسيسه للمرحلة الأدنى منه، ومن ثم ينطلق للمراحل الأعلى، وإن أي استحداث للمناهج كذلك يجب أن يتم للتجريب أولا قبل التعميم، بأخذ مشورة الميدان التربوي، وليس فرضه عليها فرضا. لأن جميع هذا له تبعاته المادية، من تأهيل المعلم وتأهيل المبنى المدرسي أحيانا، وطباعة المناهج وغيرها. بالإضافة إلى أن العشوائية في الاستحداث والإلغاء دون دراسات علمية مسبقة لمدى فاعلية هذا أو ذاك، لن تفيد النظام التعليمي في شيء سوى ازدياد التخبط في الانتقال من منهج لآخر، وبالتالي فالمُخرَج حتما سيكون ضعيفا. ولهذا على القائمين على النظام التعليمي إدراك أن التدرج للوصول للكمال للنهاية أسلم للشيء وأقوم، من القفز من سنة لأخرى بمنهج جديد، وأدوات تقييم جديدة، وخسارات مالية لا طائل منها، وعليهم أن يضعوا نُصب أعينهم أن المُخرَج أي الطالب هو باني المستقبل، وهو عماد الأمة ومستقبلها، والتخبط في التخطيط للمناهج وما يتبعها لن يأتي إلا بِمُخرجات ذات نتائج تحصيلية ضعيفة، غير قادرة على تحقيق الأهداف المرجوة، وغير قادرة على قيادة الأوطان حاضرا ومستقبلا.

وبعد هذا الاستعراض العام للعلاقة بين بيئة التعلم والمتعلم، وكيف تمثل هذه البيئة عامل جذب، ندرك أهمية التكاملية بين السياسات المتبعة للمواءمة بين طرفي المعادلة هنا، ولا يتم هذا إلا عبر التخطيط السليم المُرتجى منه تحقيق أهداف أي أمة، فهو الذي يضمن استمرارية نظام ما في تجويد المُخرجات. فالتدرج في الشيء للوصول للكمال في النهاية أبقى للشيء وأدوم، أما الانتقائية والعشوائية فهي ستؤدي لمزيد من خيبات الأمل في مستويات التحصيل الدراسي لأي مؤسسة تعليمية، وقِس عليه انخفاض فاعلية المجتمعات في الاعتماد على نفسها، والنهوض بفكرها ومقدراتها، واستمرارية اعتمادها على سواها من الأمم في جوانب الحياة المختلفة. ونماذج الأمم التي قامت من العَدمِ لتصبح في مصاف الدول الكبرى اليوم خير شاهد لذلك. إن التغيير الجذري لمنظومة التعليم ليس عيبا إن كانت المنظومة الحالية لا تخدم الأهداف ولا تحقق الرؤية المرجوة، فتغييرها جذريا أسلم للأمة وللأجيال القادمة، من ترقيع النظام من هنا وهناك، واستحداث وإلغاء لا يتم إعادة تقييمه بل يتم بصورة عشوائية، ليحل قضية آنية، دون أن يكون عاملا مساعدا لمستقبل الأمة أجمعها.