الجمعية العامة .. المنتدى الدولي لـ «الثرثرة»!!

مروى محمد إبراهيم –

« لا تحولوا الجمعية العامة إلى مكان آخر للثرثرة ، فلابد من وضع حد للدمار الذي ينتشر في أنحاء العالم قبل أن يحاسبكم التاريخ والبشرية».. بهذه الكلمات ناشدت جراسا ميشيل أرملة الزعيم الراحل نيلسون مانديلا قادة وزعماء العالم لاستغلال الفرصة والتحرك لوضع حد للحروب والدمار في العالم، وذلك في إطار كلمتها خلال قمة نيلسون مانديلا للسلام على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.
ولا يمكن أن ننكر أنها نجحت أيضا في تذكير المجتمع الدولي بالدور الأصلي الذي أنشئت من أجله الأمم المتحدة، وهو ما يدفعنا حقا للتساؤل عما إذا كان هذا الصرح الذي يجمع تحت مظلته دول العالم أجمع لايزال يلتزم بالمبادئ والدور المفترض أن يلعبه للحفاظ على السلم والأمن الدوليين؟ أم أن هذه المظلة الدولية قد انحرفت مع مرور الزمن عن مسارها وسقطت فريسة للقوى الكبرى ومصالحها؟.
في البداية، لابد أن نشير إلى أنه وفقا لميثاق الأمم المتحدة، فإن مهمة الجمعية العامة الرئيسية تتمثل في بحث ومناقشة وتقديم توصيات بشأن القضايا المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين ، بما في ذلك التنمية ونزع السلاح وحقوق الإنسان والقانون الدولي والتحكيم السلمي في النزاعات بين الدول الأعضاء.
والمتعارف عليه منذ إنشاء الجمعية العامة للأمم المتحدة أنها بمثابة منتدى للخطب والكلمات النبيلة والرنانة، والخطابة الجريئة في بعض الأحيان، ونقاش صارم حول القضايا الأكثر إثارة للقلق في العالم، من الفقر والتنمية إلى السلام والأمن. وبوصفها الهيئة الأكثر تمثيلا في الأمم المتحدة ، تجري الجمعية العامة مناقشة عامة في مقر المنظمة في نيويورك في منتصف سبتمبر إلى ديسمبر من كل عام، وتعقد دورات استثنائية في أوقات أخرى لمعالجة مجموعة من القضايا الهامة والعاجلة.
والجمعية العامة للأمم المتحدة هي الهيئة الوحيدة الممثلة عالمياً داخل المنظمة الدولية، أما الهيئات الأخرى وهي مجلس الأمن ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، والأمانة العامة ، ومحكمة العدل الدولية، فهناك أعضاء محددون بهم. وتتولى الجمعية العامة مهمة انتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة الأخرى، مثل مجلس حقوق الإنسان، ويعين الأمين العام بناءً على توصية مجلس الأمن الذي شاركت الجمعية العامة في اختياره. كما تنظر في التقارير المقدمة من الأجهزة الأربعة الأخرى التابعة للأمم المتحدة ، وتقيم الأوضاع المالية للدول الأعضاء ، وتوافق على ميزانية الأمم المتحدة ، وهو أهم دور لها. وتتعاون الجمعية أيضا مع مجلس الأمن لانتخاب قضاة محكمة العدل الدولية.
وعلى الرغم من النفوذ الواضح للجمعية العامة، إلا أن العديد من الخبراء الدوليين والدول المانحة الرئيسية تطالب بتركيز الجهود المبذولة لتنشيط أعمال الجمعية على زيادة سلطتها إزاء مجلس الأمن ، فضلا عن تحسين نوعية النقاش داخل الهيئة. وعلى مدار الأعوام الماضية، شهدت الجمعية مقاومة واضحة للإصلاحات العميقة المفترض بها تحسين عملها، وهو ما ينظر إليه الخبراء باعتباره انعكاسا للهوة بين أعضائها العديدين من العالم النامي، الذين يريدون الإبقاء على رأي قوي في المداولات ، والدول الغنية التي تمثل المانحين الرئيسيين للأمم المتحدة والذين يتمتعون في واقع الأمر بنفوذ واسع داخل الهيئة الدولية، ولديهم القدرة على فرض رؤيتهم على الدول الأخرى بما يتماشى مع مصالحهم كدول كبرى.
وفي عام 2005 ، قدم الأمين العام الراحل للأمم المتحدة كوفي أنان تقريرا انتقد فيه الجمعية العامة لتركيزها المفرط على التوصل إلى توافق في الآراء وإصدار قرارات تعكس «القاسم المشترك الأدنى» للآراء. وبهذا الصدد، يؤكد مايكل دبليو دويل ، خبير الشؤون الدولية في جامعة كولومبيا وأحد مساعدي أنان البارزين، أن الجمعية هي «مؤسسة مهمة لم تقم أبداً بالدور المفترض لها» من حيث كونها هيئة تداولية ووظيفية فعلاً، كما أن مهمتها لا تتعدى «مداولات غير كافية لا ترقى إلى مستوى المناقشات الفعالة الحقيقية». ويرى دويل أن الجمعية يمكن أن تعزز أهميتها من خلال عقد جلسات استماع لشهادات الخبراء. ويشير البعض إلى أن الجمعية العامة بذلت جهدا في السنوات الأخيرة لجعل عملها أكثر موضوعية وذات صلة. وقد أرسى القرار 59/‏313 ، الذي اعتمد في عام 2005 ، دوراً أكثر تأثيراً لرئيس الجمعية من خلال تفويض المنصب بسلطة اقتراح المناقشات وتوسيع الموارد المتاحة لهذه الهيئة.
وعلى مدار الأعوام الماضية تحولت منصات وأروقة الجمعية العامة إلى منتدى لحشد الدول الكبرى للمجتمع الدولي ضد أعدائها، مستغلة في ذلك حصتها الضخمة في تمويل الأمم المتحدة وقوتها العسكرية والضغوط الاقتصادية التي يمكن أن تمارسها ضد الدول الأقل شأنا. وأمام هذه الانتهاكات الصريحة التي عادة ما ترتكبها القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، غالبا ما تقف المنظمة الدولية مكتوفة الأيدي عاجزة عن تطبيق القوانين الدولية أو حتى الدفاع عن نفسها وعن حقوق الدول الأصغر شأنا، التي تحتمي بها، والتي يتم انتهاك حقوقها على خلفية ادعاءات غير مدعومة بأدلة وقرائن واقعية، والهدف منها فقط هو دعم القرارات التي تخدم مصالح القوى الكبرى المهيمنة على العالم.
ولا يمكن أن ننكر أن الجمعية العامة طبقت بالفعل عقوبات على بعض الدول لارتكابها انتهاكات مثل وقف عضوية دولة جنوب إفريقيا في الستينات من القرن الماضي كعقاب لها على جرائم العنصرية التي ارتكبتها في حق شعبها آنذاك، في انتهاك لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي، إلا أنها استعادت مرة أخرى عضويتها الكاملة في الجمعية العامة، بمجرد تحولها إلى المسار الديمقراطي عام 1992. كما أن الجمعية والمنظمة الدولية ككل فشلت على مدار أعوام طويلة في وضع حد لممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي الوحشية ضد الشعب الفلسطيني.
ولكن يبدو أن تطبيق مثل هذه العقوبات يخضع لمعايير مزدوجة، فلم تحرك هذه المؤسسة طرفا أمام الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في حق المدنيين في العراق وأفغانستان، والتي تم التغاضي عنها وتجاوزها المجتمع والمؤسسات الدولية دون عقاب. وهو ما خلق بطبيعة الحال حالة من عدم الثقة في المؤسسة الدولية.
وها هي الآن الجمعية العامة في دورتها الـ73 تفشل مرة أخرى في إدانة الممارسات الوحشية لجيش ميانمار ضد مسلمي الروهينجا الذين فروا بالآلاف ليعيشوا لاجئين على حدود بنجلاديش، تفتك بهم الأمراض وتحولوا إلى نموذج للكارثة البشرية بعد أن عجز العالم عن التدخل لحمايتهم.
واستغلت الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب منصة الجمعية العامة على مدار عامين متتاليين لإشعال الحرب ضد كوريا الشمالية ، وإيران على التوالي. والطريف أنه بالرغم من الاتهامات والإهانات التي كالها ترامب للزعيم الكوري الشمالي «كيم جونج أون» من على منصة الجمعية العامة في عام 2017، إلا أنه سرعان ما تراجع خلال أشهر قليلة ليدعوه لقمة تاريخية للسلام. وها هو في 2018، يحشد العالم من على نفس المنصة ضد إيران.
لقد تحولت الجمعية العامة في الفترة الأخيرة إلى منبر للولايات المتحدة لإشعال النزاعات والحروب ضد أعدائها، وليس اعداء المجتمع الدولي، بل تستغله أيضا في الدفاع عن حلفائها حتى وإن كانوا يرتكبون انتهاكات ضد الإنسانية مثلما تفعل إسرائيل. وتتجاهل آخرين تماما مثلما فعلت مع كارثة الروهينجا الإنسانية. لقد تحول هذا التجمع الدولي السنوي إلى منتدى للثرثرة التي غالبا لا تنتج عنها أي نتائج إيجابية، بل إنها تفشل عاما بعد الآخر في التقريب بين الدول ولكنها تكرس النزعات والشقاق بين الدول.