احتياطات وضعها الإسلام..

د.صالح بن سعيد الحوسني –

«والإسلام عندما يؤسس لفلسفة الأخلاق والفضائل فإنه كان واقعيا جدا يراعي ما يوجد في هذا الإنسان من رغبات وشهوات ونوازع، فهو يتعامل مع الإنسان مراعيا جميع تلك الصفات المختلفة، والنوازع المختلفة التي قد تختلج في نفس الإنسان، فهو مركب من عنصري الروح والجسد، وبه من الغرائز والمشاعر والأحاسيس المختلفة التي تحتاج لميزان دقيق لتكون حياة الإنسان وفق ما أراده الله تعالى»
يقاس مدى تطور أي مجتمع من المجتمعات بما يملكه من رصيد أخلاقي يُعنى بتنظيم العلاقات وحفظ الحقوق وضبط التعامل بين الناس بطريقة يسودها الألفة والمحبة والاحترام المتبادل، وبالرغم من التحولات الجذرية في المجالات العلمية والتقنية إلا أن دور القيم والأخلاق في القمة العالية من المكانة والأهمية، فلا تقدم للشعوب بدونها كما يصور ذلك الشاعر في قوله: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
وقد جاء الإسلام موجها أتباعه لضرورة التحلي بجميع الأخلاق الراقية والقيم الزاكية، والمعاني السامية والفضائل العالية، وهو ما يؤكدها قوله عليه الصلاة والسلام حين بعثه الله بهذه الرسالة الخاتمة في قوله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، بل إن نصيب المؤمن من الأجر والفضل والتكريم يوم يجمع الله الخلائق ويقضي بينهم هو بمقدار أخلاقهم وتحليهم بهذه الفضائل الكريمة والخصال الحميدة؛ يقول عليه الصلاة والسلام: «إن من أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا..»، ولذا كانت توجيهات القرآن الكريم واضحة ومؤكدة هذا الجانب في تلك الأوامر والنواهي المبثوثة في الكتاب العزيز التي تهدف لصياغة هذا المسلم وفق أحسن الأخلاق وأرقى الفضائل، وذلك بجملة من الأساليب المنوعة من الترغيب والترهيب وقص القصص والمواقف النبيلة للرسل والأنبياء والصالحين، مع التحذير في نفس الوقت من الرذائل المقيتة والخصال المستهجنة، والتصرفات الساقطة التي تجلب الحسرة والأسى في الدنيا والخسارة والنكال في العقبى.
ويأتي الرسول الكريم بصفاته العظيمة ليكون مثالا وأنموذجا فريدا في أخلاقه ومعانيه وتعامله وخصاله وفضائله ليصفه الخالق العزيز بأفضل النعوت عندما قال فيه: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وهذا وصف ليس من بعده وصف؛ وإطراء ليس من بعده إطراء لتكون حياة النبي الخاتم من ميلاده إلى وفاته مشاهد حية ودروسا عملية واضحة لمن أراد الخير في الدنيا والنجاة في العقبى سواء فيما يتعلق بعبادته أو تعامله مع أهله وأولاده، وأقاربه، وجيرانه، وعامة الناس، وفي صدقه وأمانته وحديثه ومزاحه وجده وشجاعته وحله وترحاله ومنشطه ومكرهه وكل تفاصيل حياته التي نُقلت عنه بطريقة متصلة السند لرسم خارطة طريق لأفضل أسلوب حياة مطمئنة لهذا الإنسان في هذه الحياة وبعد الممات.
والإسلام عندما يؤسس لفلسفة الأخلاق والفضائل فإنه كان واقعيا جدا يراعي ما يوجد في هذا الإنسان من رغبات وشهوات ونوازع فهو يتعامل مع الإنسان مراعيا جميع تلك الصفات المختلفة، والنوازع المختلفة التي قد تختلج في نفس الإنسان فهو مركب من عنصري الروح والجسد، وبه من الغرائز والمشاعر والأحاسيس المختلفة التي تحتاج لميزان دقيق لتكون حياة الإنسان وفق ما أراده الله تعالى.
وكما أن الإسلام جاء موجها لجميع الفضائل فإنه أيضا نهى عن كل أشكال الرذائل التي تجلب الشقاء والبلاء والخسران المبين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)، ولم يكن الإسلام لينهى عن أي رذيلة دون أن يقطع الأسباب الموصلة إليها كما هو الحال في بعض النظم الأخرى التي تنهى عن بعض الرذائل المستهجنة ولكنها تفسح المجال للكثير من المسببات دون منع أو توجيه كحال من يقوم بقطع الفروع ولكن في المقابل يشرع في سقي الجذور وتسميدها فلا يجدي ذلك إلا لهيبا عظيما في الشهوات وسعارا شديدا في طلب الملذات.
وفي سبيل وقاية المجتمع من شرور الرذائل كانت هنالك مجموعة من التشريعات المحكمة، والضوابط القويمة والتي بالأخذ والتمسك بها تشكل سياجا يحفظ الفرد والمجتمع من شرور الرذائل، والتي من أهمها ما يلي:
* تذكير الإنسان بضرورة العمل وفق مقتضى أوامر الله تعالى وتحذيره من الانحراف والزيغ عن الصراط المستقيم، فكل ما يعمله الإنسان محصى عليه كما قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، فكل ما يعمله الإنسان مجزيا عليه، فكان من الواجب عليه أن يحترز من كل ألوان الزلل والخطأ كما قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)؛ ولذا كان لازما على الإنسان أن ينتبه لما يفعله، وأن يجعل له ضميرا يقضا يحول بينه وبين الوقوع في الزلل والخطأ قدر الإمكان، وذلك بمراقبة الله تعالى في السر والجهر فإن غاب عنه المراقب البشري تيقن أن الرقيب العليم يعلم منه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وعلم أنه مجزي بما يفعله من خير أو شر فحفظ الله في السر والجهر ممتثلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك..».
* وجوب غض البصر عن المحرمات: فالعين التي لا تقاد بميزان الحق هي من رسل المحرمات، وكم من نظرة فعلت المصائب، وجلبت العار، ولطخت شرف الإنسان، ومن هنا كان التوجيه الرباني واضحا في موضوع حفظ البصر كما قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون)، ولم يكتف الإسلام بدعوة الرجال لهذا الأمر المهم بل كان التوجيه أيضا للنصف الآخر للمجتمع وهو مجتمع النساء كما قال تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها…)، وهذا كله حرص على سد منافذ الفتنة والشرور، فكم من دواعي الفتنة كانت بسبب نظرة خبيثة جلبت الحسرات والشقاء والألم، وقد حذر النبي الخاتم من نظرة الفجاءة فقال عليه الصلاة والسلام: «إياكم ونظرة الفجاءة، فإن الأولى لك والثانية عليك».
* دعوته لحفظ الفرج من الزنا والعلاقات المحرمة: فالعلاقات الجنسية في الإسلام مؤطرة بإطار الزواج الشرعي أو ملك اليمين كما قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)، فلا يجوز التعدي في ذلك؛ ولذا كان الزنا من أعظم الجرائم والفواحش التي نهى الإسلام أتباعه عن الاقتراب منها فضلا عن الوقوع فيها كما قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)، بل وتوعد من يقع في هذه الخطيئة بعذاب مقيم كما قال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب ..). ولم يقتصر التحذير على جريمة الزنا فقط بل نجد القرآن الكريم يحذر من فعل فاحشة قوم لوط، وقد قص لنا القرآن الكريم تحذير نبي الله لوط عليه السلام لقومه من هذه الجريمة الشنعاء فقال لهم: (أتأتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) فلمّا كان ردهم ردا منكرا كانت العقوبة على تماديهم شديدة وقاصمة فقال تعالى في ذلك: (ثم دمرنا الآخرين، وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين..).
* إرشاده لأدب الاستئذان داخل البيوت وخارجها: وهنا نجد التوجيه واضحا في الدخول على الأبوين داخل البيوت من قبل الأطفال ونحوهم بإرشادهم لضرورة الاستئذان في ثلاث ساعات معينة لأنها أوقات راحة وقد يكون الإنسان بمظهر لا ينبغي أن يطلع عليه أحد؛ وكم تكون النتائج مؤسفة عند اطلاع الأطفال ورؤيتهم ما يقع بين الأبوين في داخل غرف النوم؛ فقال تعالى في ذلك: (يأيها الذين أمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات؛ من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم..)، وهذا بالنسبة للأطفال أما من بلغ منهم الحلم فإنه مطالب بالاستئذان في كل أحواله كما قال تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم..) وكما أنه راعى قضية الاستئذان في داخل البيوت فإنه أيضا راعى موضوع الحرمات والخصوصيات فوجه لضرورة الاستئذان قبل الدخول لبيوت الآخرين مراعاة لما قد يكون في هذه البيوت من أحوال يكره الواحد أن يطلع عليها من الآخرين، فكان الاستئذان فرصة للتهيئة والاستعداد لاستقبال القادم بصورة تحفظ لصاحب البيت حرمته ومكانته، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون)، ولنا أن نتصور حجم الضرر الحاصل من الدخول لبيوت الآخرين دون استئذان من نشوب العداوات والشرور.
* أمره بستر العورة وحسن اللباس: كما قال تعالى في معرض امتنانه في ذلك: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا..)، وقد أمر عليه الصلوات والسلام بستر العورة للرجل أو للمرأة، وكم كانت مناظر العورات المحرمة سببا في الفساد والإفساد والعياذ بالله. فهذه التوجيهات القويمة والإرشادات الكريمة تهدف لإسعاد الإنسان وحفظه من الرذائل المستهجنة ليحيا حياة سعيدة تليق بمكانة الإنسان حيث أرادها الله تعالى.