هل تخرج تركيا من الناتو؟

ماجد كيالي –
كاتب فلسطيني –

تأسّس حلف «الناتو»، أو حلف شمال الأطلسي (NATO)، وهو بمثابة حلف سياسي وعسكري، ومقرّه في بروكسل (بلجيكا)، في أغسطس من العام 1949، وهو يضم 28 دولة معظمها في أوروبا (إلى جانب الولايات المتحدة وكندا وتركيا). والمعنى من ذلك أن هذا الحلف نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، أي في زمن «الحرب الباردة»، الناجمة عن انقسام العالم إلى قطبين أو معسكرين، الأول يتمحور حول الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني، يتمحور حول الاتحاد السوفييتي (السابق)، الذي أسّس بدوره حلف «وارسو» (1955ـ1991).
الجدير ذكره أن الحلف المذكور كان له بعد اقتصادي، أيضاً، وذلك في زمن الحرب الباردة، أي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، أو المعسكر الاشتراكي، يتعلق بتنمية البلدان التي تضرّرت من الحرب العالمية الثانية، ولاسيما ألمانيا، وإشاعة الليبرالية الاقتصادية، والديمقراطية، وذلك إضافة إلى صدّه النفوذ الاشتراكي، ما يعطي لحلف الناتو طابعاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً في الآن ذاته.
الآن وبمناسبة التجاذب التركي ـ الأمريكي بخصوص هذا الحلف، وتلميح بعض المسؤولين في تركيا بشأن الانسحاب منه، يجدر بنا التذكير بعدة حقائق، ضمنها،
أولاً، إن هذا الحلف بات يفتقد لوظيفته الأساسية التي كان نشأ من أجلها، وهي مواجهة المعسكر الاشتراكي، بعد اختفاء هذا المعسكر من مختلف النواحي (1991)، وبعد انضمام عديد من دول أوروبا الشرقية إليه، ولعله في هذا السياق أتى تغيير هذا الحلف لاستراتيجيته من الدفاع عن دول الحلف إلى إيجاد منظومة «أمن جماعي» لدول هذا الحلف خاصة في أوروبا.
ثانياً، سبق لبعض الدول الأساسية المنخرطة في هذا الحلف أن أبدت تحفظها عليه، إلى حد التهديد بالانسحاب منه، وهذا ينطبق على فرنسا، مثلاً، التي انسحبت من القيادة العسكرية من الناتو في منتصف الستينيات من القرن الماضي .
ثالثاً، منذ مجيئه إلى إدارة البيت الأبيض وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ذاته، عديد من الانتقادات إلى حلف الناتو (وحتى للأمم المتحدة)، وشكّكك بفاعليته وبدوره، وهدد بتقليص مساهمة الولايات المتحدة في تمويله، كما طالب لاحقاً برفع مساهمات الدول الأخرى فيه بما يتناسب مع التزاماته ومع إمكانياتها الاقتصادية.
رابعاً، ليست تلك هي المرة الأولى التي تعبر فيها تركيا عن انتقاداتها لمواقف الولايات المتحدة منها، أو لمواقف حلف الناتو، وقد حصل ذلك سابقاً، مثلاً، في رفضها استخدام القاعدة الأمريكية في تركيا – قاعدة انجرليك – لضرب العراق (2003)، وفي انتقادها لعدم مساندة «الناتو» للموقف التركي إزاء سوريا، واستعادة منظومة صواريخ «الباتريوت»، وعدم إنشاء منطقة حظر جوي شمال سوريا، وتقديم الدعم العسكري لقوات «قسد» الكردية الموالية لحزب العمال التركي (بي كي كي) في سوريا.
أي أنه طوال الفترة الماضية، ولاسيما منذ صعود حزب «العدالة والتنمية» التركي إلى سدّة السلطة في تركيا، ازدادت ميول تركيا الاستقلالية، وازداد معها ميلها للتبرم من السياسات الأمريكية، ما أدى إلى اضطراب العلاقة بين الطرفين، سيما مع تخلخل العلاقات التركية والإسرائيلية، والتي كانت علاقات متميزة، وذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية في النصف الثاني من القرن المنصرم.
بناء على ما تقدم، من الواضح أن تركيا العضو في ناتو (منذ 1952)، أي منذ 66 عاماً، باتت إزاء تحديات وتحولات دولية وإقليمية جديدة، أيضاً، إذ أن وظيفتها الأساسية في الحرب الباردة انتهت، أو ضعف جدواها، بل وربما أن تركيا التي كانت حائط صدّ للنفوذ السوفييتي في زمن الانقسام الدولي إلى معسكرين، باتت هي بحاجة إلى دعم الغرب لمواجهة التهديد الروسي، على الأرجح، أكثر من حاجة الغرب إليها في هذه المهمة؛ هذا أولاً. ثانياً، يبدو من مجمل التطورات أن إسرائيل باتت هي حجر الزاوية في التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، أكثر من تركيا، التي باتت في وضع صعب في محيطها الإقليمي، سيما إزاء روسيا وإيران، وبالقياس للاضطراب الحاصل في سوريا. ثالثاً، في كل التفاعلات الدولية والإقليمية الحاصلة باتت كل من تركيا وإيران في أوضاع اجتماعية واقتصادية معقدة ، وفي مواجهة تحديات سياسية وأمنية (داخلية وخارجية) جمّة، الأمر الذي يسهّل أو يشجّع القوى الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة، على التدخل لفرض إملاءاتها، أو يعزّز من موقفها التساومي إزاء هاتين الدولتين، فثمة نوع من ضغوط للمساومة مع تركيا، وثمة نوع من تهديدات لإجبار إيران على تحديد أو إنهاء نفوذها في المشرق العربي، واقله في سوريا.
في الغضون ثمة، أيضاً، ستة عوامل مباشرة تكمن في محاولات تركيا مراجعة تحالفاتها وسياساتها، الدولية والإقليمية، الأول، تعرّضها لانقلاب عسكري ( 15 يوليو، )2016 اتهمت فيه فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة . كما اتهمت فيه «الناتو» بإخفاء المعلومات عن بعض المشاركين في الانقلاب. ثانياً، اعتماد الولايات المتحدة على الفصائل الكردية المسلحة، التي تعتبرها الحكومة التركية كفصائل إرهابية، وكامتداد لحزب العمال الكردستاني، والمقصود قوات «قسد»، بدعوى تهديدها لوحدة أراضي تركيا وتزويدها بأسلحة ثقيلة، مقابل منع القوات التركية من المشاركة بمحاربة «داعش» شرقي الفرات. الثالث: دخول روسيا، منذ سبتمبر (2015) على خط الصراع العسكري الجاري في سوريا، الأمر الذي غيّر المعادلات في هذا البلد، وحدّ من التأثير التركي فيه، وهو الأمر الذي تم تداركه بإنشاء نوع من تحالف، أو تنسيق، روسي ـ تركي ـ إيراني، وضمنه مسار استانة ومناطق خفض التصعيد، وهو الأمر الذي زاد من التوترات بين الطرفين التركي والأمريكي كل لأسبابه وأجنداته. رابعاً، تحول تركيا نحو عقد صفقة قيمتها 2.5 بليون دولار لشراء منظومة دفاع جوي ( اس 400) من روسيا، الأمر الذي عدّ خرقاً لاتفاقيات الناتو، أو نوعاً من التمرد عليه.
طبعاً، ثمة جرح كبير لتركيا، من الغرب، يتمثل في رفض الاتحاد الأوروبي إدخالها في عضويته، علماً أنها قدمت طلبا لذلك منذ زمن طويل، إلا أن كل الأسباب المذكورة لا تفيد بأن تركيا ستقطع مع ناتو، أو مع الغرب، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية، لسبب بسيط مفاده أن تركيا بحاجة لكل منهم لتعزيز أوضاعها الاقتصادية والأمنية، وأيضا لأن مصدر التهديد الأساسي لتركيا يبقى من روسيا، بشكل خاص، إذ لا يوجد أي تهديد لتركيا من أية دولة مجاورة، ما يبقى التصريحات الصاخبة في إطار الرسائل، أو في إطار محاولات جس النبض، لتحسين فرص المساومة، في الجغرافيا وفي السياسة وفي الاقتصاد.