ترامب وأوبك وأسعار النفط

عبد العزيز محمود –

إن ضخ المزيد من النفط يتعارض مع مصلحة الدول المنتجة، في ظل توقعات بتراجع الطلب على نفط أوبك إلى 31.8 مليون برميل يوميا خلال الربع الأول من عام ٢٠١٩ أي اقل بـ ٨٠٠ ألف برميل يوميا من حجم الطلب خلال الربع الأول من عام ٢٠١٨، بينما تشير تقديرات أوبك إلى زيادة العرض من مجموعة المنتجين خارج المنظمة بمقدار ٨٧٠ ألف برميل يوميا خلال عام ٢٠١٨ حتى يصل إلى ٢ مليون برميل يوميا في عام ٢٠١٩.
يبدو أن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) لزيادة الإنتاج بهدف خفض الأسعار لم يكن لها صدى كبير فقد انتهى اجتماع المنظمة بالجزائر يوم ٢٣ سبتمبر الجاري دون أي تعهد رسمي بزيادة الإنتاج، فالدول الـ١٥ الأعضاء في المنظمة ، والدول المنتجة للنفط من خارجها ، لم تتوافق على هذه الخطوة، التي اعتبرتها السعودية وروسيا، وهما أكبر دولتين منتجتين للنفط، غير ضرورية في الوقت الراهن.
وهكذا انتهى اجتماع الجزائر بالتمسك بالاتفاق الذي توصلت إليه أوبك ومجموعة المنتجين خارجها بقيادة روسيا في سبتمبر عام ٢٠١٦ لخفض إنتاج النفط الخام بمقدار 1.8 مليون برميل يوميا حتى نهاية العام الجاري، وهو اتفاق نجح في زيادة أسعار النفط من ٥٥ دولارا للبرميل في أغسطس عام ٢٠١٧ إلى نحو ٨٠ دولارا للبرميل مؤخرا عام ٢٠١٨.
لكن هذه الزيادة تثير غضب الرئيس الأمريكي، فقد تسببت في ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، بشكل يهدد بإضعاف موقف الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، في مواجهة الحزب الديمقراطي الذي يتطلع للفوز بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وهذا آخر ما يريده ترامب خاصة في ظل التحقيقات الجارية حول التدخل الروسي المحتمل في انتخابات عام ٢٠١٦ الرئاسية الأمريكية .
ولعل هذا ما دفع الرئيس ترامب إلى تهديد دول الشرق الأوسط، بشكل مبطن ومطالبته بضخ المزيد من النفط الخام، لتهدئة الأسواق العالمية، لكن الدول المنتجة تدرك جيدا أنها مقبلة على مرحلة غير محددة المعالم، وهو ما يدعوها لحساب خطواتها بعناية، لضمان استمرار أسعار النفط ما بين ٧٠ إلى ٨٠ دولارا للبرميل خلال عامي ٢٠١٨ و٢٠١٩.
فالمعروض من النفط الخام يتراجع في الأسواق العالمية، مع استئناف العقوبات الأمريكية علي إيران اعتبارا من ٤ نوفمبر المقبل، وتراجع صادرات النفط الإيرانية من 2.4 مليون برميل يوميا في أبريل الماضي إلى 1.9 مليون برميل في أغسطس الماضي، وسط ضغوط أمريكية حادة بأن تصل إلى الصفر مع نهاية عام ٢٠١٨، وهو ما تشكك إيران في إمكانية حدوثه لأسباب مختلفة من أبرزها عدم ترحيب أطراف عديدة بتلك الضغوط الأمريكية .
أضف إلى ذلك ان تراجع إنتاج فنزويلا من النفط الخام بسبب الأزمة المالية من 1.9 مليون برميل يوميا في يناير الماضي إلى 1.2 مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي، وسط توقعات باستمرار التراجع إلى مليون برميل يوميا خلال الأشهر المقبلة. وفي المقابل انتعش إنتاج النفط الليبي إلى أقل من مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي بزيادة قدرها ٣٠٠ ألف برميل يوميا عن يوليو الماضي، لكن استمرار الفوضى والصراع بين الميليشيات للسيطرة على منطقة الهلال النفطي، يهدد بتوقف صادرات قدرها ٥٠٠ ألف برميل يوميا.
وحتى إنتاج النفط الأمريكي وطبقا لتوقعات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية من المتوقع أن يتراجع إلى 11.5 مليون برميل يوميا في عام ٢٠١٩ بانخفاض قدره ٢٠٠ ألف برميل يوميا، في ظل تباطؤ متوقع في حجم الطلب.
وهكذا فإن تراجع المعروض العالمي من النفط الخام، مع انخفاض صادرات النفط الإيراني والفنزويلي والأنجولي والنيجيري، وربما الليبي، يهدد بارتفاع جديد في الأسعار يتجاوز حاجز الـ٨٠ دولارا للبرميل، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى التلويح بدعم تشريع في الكونجرس لوقف ما يعتبره تلاعبا من جانب أوبك بأسعار النفط.
المشكلة أن ضخ المزيد من النفط يتطلب أن يكون لدى أوبك فائضا في الإنتاج، يمكن جلبه للتداول بسرعة كافية، ففي أبريل الماضي طالب ترامب السعودية بزيادة إنتاجها إلى ١٢ مليون برميل يوميا، هي الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة لها، وهو ما رحبت به المملكة، لكن إنتاجها زاد من 10.35 مليون برميل يوميا في يوليو الماضي إلى 10.42 مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي.
وفي المقابل قامت أوبك ومجموعة الدول المنتجة خارج المنظمة بقيادة روسيا بتخفيض الإنتاج بمقدار ٦٠٠ ألف برميل في أغسطس الماضي، أي بأكثر من الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سبتمبر عام ٢٠١٦،لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وطبقا لتوقعات وكالة الطاقة الدولية فإن نمو الطلب على النفط الخام سوف يتراجع ما بين 1.4 إلي 1.6 مليون برميل يوميا خلال عام ٢٠١٩، بسبب العقوبات على إيران وحروب التجارة، مما يعني أن أي زيادة جديدة في الإنتاج سوف تتسبب في انهيار الأسعار.
وهذا بالضبط ما يريده الرئيس ترامب، الذي يطالب الدول المنتجة بزيادة الإنتاج، بهدف تخفيض الأسعار، واستمرار تحكم الدول المستهلكة وليس المنتجة في تحديد أسعار النفط. لكن أوبك تتهم الرئيس الأمريكي بالمسئولية عن انخفاض المعروض العالمي من النفط الخام، بسبب قراره باستئناف العقوبات علي إيران، وحصار فنزويلا، لكن ترامب يتهم أوبك بالمسؤولية عن ذلك، بسبب الاتفاق الذي توصلت إليه مع الدول المنتجة خارج المنظمة بقيادة روسيا في سبتمبر عام ٢٠١٦ بتخفيض الإنتاج بمقدار 1.8 مليون برميل يوميا.
وأيا كان المسؤول عن هذا الانخفاض فالمؤكد أن ضخ المزيد من النفط يتعارض مع مصلحة الدول المنتجة، في ظل توقعات بتراجع الطلب على نفط أوبك إلي 31.8 مليون برميل يوميا خلال الربع الأول من عام ٢٠١٩ أي اقل بـ ٨٠٠ ألف برميل يوميا من حجم الطلب خلال الربع الأول من عام ٢٠١٨، بينما تشير تقديرات أوبك إلى زيادة العرض من مجموعة المنتجين خارج المنظمة بمقدار٨٧٠ ألف برميل يوميا خلال عام ٢٠١٨ حتى يصل إلى ٢ مليون برميل يوميا في عام ٢٠١٩.
وهو وضع قد يدفع (أوبك) لمحاولة تجديد اتفاق الحد من الإنتاج بحيث يستمر ساريا خلال عام ٢٠١٩، وهو ما تعارضه مجموعة المنتجين خارج أوبك بقيادة روسيا. وبدون اتفاق الطرفين، فإن التحالف الكبير لمنتجي النفط والذي يضم ٢٤ دولة من داخل وخارج أوبك قد يتصدع، وهذا آخر ما تريده المنظمة التي لا يمكنها منفردة التحكم في الأسعار عبر خفض أو زيادة الإنتاج، بعد أن انتقل هذا القرار فعليا إلي التحالف الكبير بقيادة السعودية وروسيا.
وهذا أيضا ما يدركه الرئيس ترامب، الذي يكثف ضغوطه في الوقت الراهن على (أوبك)، باعتبارها الحلقة الأضعف، لإجبارها على زيادة الإنتاج، بهدف تخفيض الأسعار، وهو ما قد يؤدي إلى سباق محموم بين الدول المنتجة على ضخ المزيد من النفط، وبالتالي حدوث انهيار أكبر في الأسعار.
وإزاء الضغوط الأمريكية قد تضطر دول منتجة للمناورة بزيادة طفيفة في الإنتاج، لحين انتهاء انتخابات التجديد النصفي، لكن الموقف الرسمي لمنظمة أوبك، وطبقا لما تمخض عن اجتماع الجزائر، هو الانتظار لرؤية ما سوف تسفر عنه العقوبات الأمريكية على إيران، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وبعدها يكون لكل حادث حديث.