إدلب.. «مسمار جحا» ودرس العمالة البليغ!!

د. عبد الحميد الموافي –

<UNICODE-MAC> من الطبيعي أن سوريا المتعبة والمنهكة ستحتاج إلى سنوات لتتعافى من مرحلة «الدم والتحدي» التي مرت بها والتي تشارف على النهاية، وإذا كانت قد اضطرت لقبول ما تقتضيه ظروف مواجهة الهجمة الضارية التي تعرضت لها لتفتيتها، فإن كل الأطراف الإقليمية والدولية تدرك تماما ان سوريا ليست مجالا للنفوذ، ولا للتأجير.
ليس من المبالغة في شيء القول: إن سوريا الدولة العربية، التي تمثل قلب الشام وركيزته الأساسية، شغلت دوما مكانة هامة ومؤثرة في أدبيات العلاقات العربية، الفكرية والسياسية، منذ أوائل القرن الماضي، وبشكل أوضح وأكثر تأثيرا منذ استقلالها في عام 1943، فهي دولة من الدول السبع المؤسسة لجامعة الدول العربية عام 1945، وهي دولة عربية نشطة وفعالة في الشؤون العربية، وفيما يتصل بالقضية الفلسطينية، بالتعاون مع مصر، وليس مصادفة أن تكون الإقليم الشمالي في الجمهورية العربية المتحدة، بعد إعلان الاتحاد مع مصر في فبراير عام 1958، وحتى بعد الانفصال التآمري عن مصر في سبتمبر عام 1961، عادت سوريا بعد قليل، لتشغل مكانها الحيوي في الشؤون العربية، وتجاوز خلافات الانفصال مع مصر. ولم يكن مصادفة أيضا أن تكون سوريا، الطعم الذي استخدمته إسرائيل وأمريكا للتهيئة لعدوان عام 1967، وأن تكون القطب العربي الرئيسي إلى جانب مصر في حرب أكتوبر عام 1973، بكل ما عنته وتعنيه تلك الحرب العربية المجيدة من معنى، وما طرحته من نتائج، في حاضر المنطقة ومستقبلها. ولعل النقطة ذات الأهمية، في كل تلك التطورات، هي ان سوريا الشقيقة لم يتم التعامل معها أبدا من منطلق شخصية الحاكم في دمشق، ولا انتمائه الطائفي، فذلك لم يكن معروفا، حتى تم زرع فيروسه، بفعل فاعل في التربة العربية، ولمصلحة أعداء العرب بالتأكيد، ولعله يموت أو يتم تطهير الأرض العربية منه ولو بعد حين. ولكن كان التعامل يتم مع سوريا كدولة عربية ذات قدرة ومكانة واستعداد للسير بأقصى ما يمكنها من اجل أمل الوحدة والتنسيق والتكامل العربي، فالتوجهات العروبية السورية، معروفة ولا يمكن المزايدة عليها، بل إنها أثارت قلق بعض الأطراف العربية أحيانا. وفي هذا الإطار، كان ما جرى ويجري في سوريا الشقيقة منذ عام 2011، من مواجهات مسلحة، ومن محاولة مستميتة للقضاء على الدولة السورية، بكل السبل الممكنة، مخيفا ومقلقا ومثيرا للكثير من الهواجس، ليس فقط بشأن سوريا، ولكن أيضا بشأن منطقة الشام العزيزة، وبشأن حاضر ومستقبل المنطقة العربية ككل. ولذا فإن سنوات «الدم والتحدي» في سوريا الشقيقة، منذ عام2011 حتى الآن، تظل مرحلة بالغة الأهمية، سواء لحاضر سوريا ومستقبلها، أو لحاضر المنطقة العربية ومستقبلها أيضا، خاصة أنه يمكن القول بقدر من الثقة والأمل: إن موجة الهجوم العاتية قد انكسرت في سوريا الشقيقة، سواء بدفع تنظيم داعش الإرهابي إلى الانكماش، تمهيدا للقضاء عليه، ولو بعد فترة، ستتحدد بالتأكيد في ضوء مجمل التطورات في سوريا وعلى المستوى العربي الأوسع، لأن «داعش» مجرد أداة من أدوات التدمير التي استخدمتها أطراف محددة، ضد دول المنطقة وشعوبها، أو باستعادة الجيش العربي السوري للسيطرة على معظم الإقليم والأراضي السورية، نعم حدث ذلك بتضحيات جسيمة من الأرواح والدماء، ولكن استعادة الدولة السورية، والعمل على الحفاظ على وحدتها الإقليمية، أرضا وشعبا، هو الآن أقوى من أي وقت مضى منذ سبع سنوات. ولا يقلل من ذلك، أو ينفيه، ان السنوات السبع الماضية أثارت الكثير من المطامع الإقليمية ومن تطلعات التمدد والسيطرة ومد النفوذ على حساب سوريا العربية وشعبها الأصيل، فذلك كله مصيره إلى الزوال الحتمي في النهاية، اليوم أو غدا.
وإذا كان ما يجري في سوريا الشقيقة، والتحولات التي فرضت نفسها على الأرض فيها في الأشهر الأخيرة، هو في النهاية جزء من تطورات تشمل المنطقة العربية والشرق الأوسط باتساعه، وبتفاعل القوى الدولية والإقليمية المؤثرة بمصالحها المباشرة وغير المباشرة وحسابات نفوذها ومطامعها الواضحة والمستترة، ومن ثم فإنه لا يمكن عزله عما يحدث في العراق واليمن وليبيا، ومحاولات شغل مصر على اكثر من جبهة، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول: إن التضحيات السورية الجسيمة تقترب الآن من تحقيق هدف استعادة الدولة السورية وهزيمة محاولة تفكيكها، وما حدث بشأن منطقة إدلب في الأيام الأخيرة، هو في الواقع بالغ المعنى والدلالة، لأنه يجسد ببساطة ما يمكن تسميته «درس الصمود السوري.. في مقابل درس العمالة البليغ» وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: انه اذا كانت الولايات المتحدة قد اخذت على عاتقها، لأسباب مختلفة، مهمة غزو العراق عام 2003، وزرع فيروس الطائفية في تربة ارض الرافدين، على نحو غير مسبوق، ومحاولة الانطلاق من تصورات « كونداليزا رايس» بشأن «الفوضى الخلاقة» – المدمرة في الحقيقة – لجعل العراق نموذجا ديمقراطيا، فان أحداث الربيع العربي، ومنها ما سمي بالثورة في سوريا، تمت بأساليب أخرى، كان من بينها أساليب تجنيد وتمويل مجموعات من الشباب وغسل عقولهم وتدريبهم وتغذية طموحاتهم، ودفعهم للعمل ضد أوطانهم، مع إعداد وجذب شخصيات مثقفة ومعروفة، وتجنيدها، بطرق مختلفة للقيام بدور القيادة، بالتعاون مع ضباط وقيادات عسكرية، كان بعضها على الأقل موضع احترام وتقدير، حتى زلت أقدامهم وسقطوا في بئر الخيانة لأوطانهم، بفعل ضغوط وإغراءات وحقائب الأموال، وتأمين الخروج الآمن لهم ولأسرهم من سوريا إلى دول المهجر لممارسة النضال وقيادة الثورة، مع الاعتماد على الميليشيات، وتهريب المقاتلين من كل حدب وصوب وإدخالهم إلى الأراضي السورية، وتأمين تسليحهم والإنفاق عليهم، لمحاربة الدولة السورية، والعمل على تفكيكها.
ولأن المشاركين في الجريمة كثر، وكل يعمل من اجل مصالحه وأطماعه وتطلعاته، وأحيانا لمجرد إثبات الذات أو حتى الانتقام من سوريا لتعاملها السابق معهم بشكل ما، تعددت وكثرت الميليشيات ودكاكين المعارضة، واتسع نطاق العنف ضد الدولة السورية ومؤسساتها، وتوسع تنظيم داعش في منطقة الحدود العراقية السورية، ولم يكن أمام الرئيس السوري بشار الأسد سوى الدفاع عن الدولة السورية، والعمل على الحفاظ على الجيش العربي السوري، برغم الانشقاقات العديدة التي تعرض لها، وبرغم قسوة المعارك واستنزافها لكل القدرات المالية والاقتصادية السورية. نعم تعرض الحكم في سوريا إلى محن عديدة، وأحيانا قامت بعض الأطراف في المنطقة بعد الأيام، انتظارا لسقوط دمشق، وهي لا تدري ان سقوط دمشق لو حدث كان سيؤدي إلى سلسلة انهيارات لا يمكن التنبؤ بمتى ولا أين يمكن ان تتوقف. وبرغم الآلة الإعلامية الضخمة التي عملت على مدى السنوات الماضية لتصوير الرئيس السوري على انه المسؤول عن مقتل اكثر من خمسمائة ألف سوري، وعن تشريد نحو سبعة ملايين سوري، في داخل سوريا وفي الخارج، إلا ان الحقيقة هي ان المسؤولين عن الدم السوري المراق على مدى السنوات الماضية، هم في الأساس وفي المقام الأول، من خططوا ونفذوا المؤامرة على سوريا، وهم من اثاروا الاضطرابات وهربوا المقاتلين من شذاذ الآفاق، ووفروا الأسلحة والتدريب، ومولوا الجماعات المعارضة وزينوا لهم طريق الخيانة ضد أوطانهم، أملا في دور وطمعا في مصالح حينا، وتصفية حسابات حينا آخر، وعمالة لقوى دولية وتنفيذا لاستراتيجياتها في المنطقة وبقصر نظر بالغ ايضا. ومع الوضع في الاعتبار كل ما حدث على الساحة السوية خلال السنوات الأخيرة، وبرغم الخسائر البشعة، في الأرواح والمصابين واللاجئين والإمكانات المادية، والخسائر على المستوى السياسي كذلك، الا ان الوضع الآن تجسده الأحداث في إدلب، على نحو بالغ الدلالة. فالدولة السورية باقية والحمد لله، وتسعى إلى استكمال السيطرة على إقليمها، وتسعى في الوقت ذاته إلى تأمين عودة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي تستعيد السيطرة عليها، اما فصائل المعارضة والتي يتجاوز عددها المائة والخمسين فصيلا، والتي جرت محاولات عديدة لضمها في أطر وهياكل مختلفة، فإنها تواجه مصيرها المحتوم. فالأرض تضيق أمامها، وتتحول ميليشياتها المسلحة ومتطرفوها إلى عناصر غير مرغوب فيها، وكما التقطت اسرائيل بعض عناصر جيش لبنان الجنوبي- جيش سعد حداد في جنوب لبنان- في ثمانينات القرن الماضي، فإنها – هي وبعض الدول الأخرى- التقطت بعض عناصر الخوذات البيضاء،وتبحث واشنطن عن ملاذات لبعض قيادات المعارضة هنا او هناك، ولكن الدرس البليغ هو ان من يخون بلده أو يعمل ضدها تحت أي ظرف من الظروف، لا يمكن ان يكون محل ثقة حتى من جانب الذين جندوه أو استخدموه لخدمة أهدافهم تحت أي مبرر أو شعار أو إغراء، وكم من القيادات المعارضة السورية، التي فقدت ما كانت تتمتع به من احترام سابق. نعم قد يكون لها قناعاتها الذاتية، ومبرراتها في الدفاع – حسبما تزعم – عن الحرية ومقاومة الاستبداد والرغبة في تحقيق تطور ديمقراطي ما أو التخلص من سيطرة طائفة ما، ولكن هذا الأمر لا يمكن النظر إليه على إطلاقه، لأن الطريق إلى جهنم مفروش بالورود، أي بالإغراءات والادعاءات والخداع. وفي كل الأحوال فإنه ستبقى بعض القوى المعارضة السورية، التي لم تتلوث ايديها بدماء السوريين، والمخلصة لسوريا الوطن والشعب والمستقبل، لتدخل في مفاوضات مع الحكم في دمشق، حيث يسعى دي ميستورا إلى وضع دستور متفق عليه من جانب الأطراف السورية المعنية كسبيل للحل السياسي في سوريا. أما الحكم السوري، وبرغم كل أخطاء السنوات الماضية، فان الحفاظ على الدولة واستعادة سيطرتها على إقليمها والحفاظ على وحدتها الإقليمية هو أمر بالغ الأهمية ينبغي تعزيزه بالاستفادة من دروس سنوات «الدم والتحدي» لاستعادة سوريا لقواها وتضميد جراحها وإعادة إعمارها بمشاركة كل القوى الوطنية السورية، وبما يحافظ على تماسك الشعب السوري وحيويته.
*ثانيا: انه بغض النظر عن بعض جيوب داعش المتبقية في شرق وجنوب سوريا، فان فصائل المعارضة السورية تجمعت وحشرت ايضا في منطقة إدلب، وتطوقها قوات الجيش العربي السوري من اكثر من اتجاه، وقد جاء الاتفاق الذي تم بين الرئيس الروسي بوتين ونظيره التركي في سوتشي قبل ايام، بشأن إنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب، والفصل بين الفصائل المسلحة وبين المدنيين، وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة في المنطقة المنزوعة السلاح في إدلب، ليؤدي، ولو مؤقتا، إلى نزع فتيل مواجهة عسكرية صعبة ومعقدة وقابلة للاتساع أيضا في حالة حدوثها، ليس فقط لأن أنقرة لا تريد ان تستعيد دمشق سيطرتها على إدلب عبر هجوم عسكري لأسباب كثيرة، ليس أهمها الخوف من تدفق المزيد من اللاجئين، ولكن أيضا لان واشنطن وباريس وأطراف غربية اخرى تريد ان تبقي إدلب «مسمار جحا» لاستنزاف سوريا والانتظار حتى يتبلور الحل وتؤمن مصالحها بشكل أو بآخر، ولذا فإنها حذرت من أنها ستقوم بعمل عسكري ضد الجيش العربي السوري، اذا شن هجوما على إدلب، مبررة ذلك بأنه سيقوم- الجيش السوري- باستخدام أسلحة كيماوية. والمؤكد ان ذلك الهجوم الغربي لو حدث، فإنه كان مرشحا لاحتمالات كثيرة ومعقدة، خاصة بالنسبة للقوات الروسية في سوريا. ولذا جاء اتفاق سوتشي قبل أيام لإنقاذ كل الأطراف، ولفرض قدر من التهدئة تضع فصائل المعارضة في اختبار، وتلقي على عاتق أنقرة مهمة كبيرة في التعامل معها وضمان استجابتها، وهو أمر يظل موضع شك لاعتبارات كثيرة.. وعلى أية حال فإن الأوضاع على الأرض ستكون مهيأة في النهاية للسير نحو استعادة سيطرة سوريا على كل أراضيها، برغم محاولات فرض الوجود العسكري فيها من جانب هذا الطرف أو ذاك.
*ثالثا: إنه من الطبيعي ان سوريا المتعبة والمنهكة ستحتاج إلى سنوات لتتعافى من مرحلة «الدم والتحدي» التي مرت بها والتي تشارف على النهاية، وإذا كانت قد اضطرت لقبول ما تقتضيه ظروف مواجهة الهجمة الضارية التي تعرضت لها لتفتيتها، فان كل الأطراف الإقليمية والدولية تدرك تماما ان سوريا ليست مجالا للنفوذ، ولا للتأجير، وأن استعادة وحدة سوريا أرضا وشعبا واحترام إرادتها ومصالحها الوطنية هي افضل السبل لبناء علاقات تستمر لسنوات طويلة لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، دون هيمنة أو تصور لممارسة سيطرة أو نفوذ ما، وهذا يعد اختبارا هاما لكل الأطراف التي تعاملت وتتعامل مع سوريا. وفي النهاية فإنه من المؤكد ان سوريا ستعود دولة عربية مهمة ومؤثرة كما كانت، حتى ولو بعد سنوات، وأيا كانت الفترة الزمنية، فإن السلام والاستقرار في الشام وفي المنطقة لا يمكن الا ان يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التجاوز على أراض أو مصالح سوريا أو أية دولة عربية بأي شكل من الأشكال. وهذا ما يؤكده الدرس السوري، أما دكاكين المعارضة فمآلها مزبلة التاريخ، فلا احد يحترم الخونة، مهما كانت براقعهم أو قبعاتهم.