التدريب المقرون بالتوظيف!

أ.د. حسني نصر –

يمثل التدريب على رأس العمل أو ما يعرف باسم التدريب المقرون بالتوظيف أحد الحلول السحرية المهمة لمشكلة الباحثين عن عمل في الدول التي تعاني من تضخم أعداد الخريجين من مؤسسات التعليم العالي في تخصصات لا يحتاجها المجتمع بشدة، لعلاج تراجع الطلب على هؤلاء الخريجين في القطاعين العام والخاص، وهو ما يضاعف من مشكلة الباحثين عن عمل. ولذلك فإن أية مبادرة في هذا المجال تستحق الإشادة، بل وتشجيع الشركات والمؤسسات التي تتبناها.
في هذا الإطار وجب الاحتفاء بمبادرة الجمعية العمانية للخدمات النفطية «أوبال» بتوقيع عشر اتفاقيات تدريب للشباب الباحثين عن عمل، وفق ما قالت إنه ضمن برامج الجمعية للتدريب المقرون بالتوظيف. وتنص الاتفاقيات حسبما ذكرت «صحيفة عُمان» السبت الماضي، على تدريب الباحثين عن عمل في الوظائف الفنية وغير الفنية وتأمين وظائف للمتدربين فور اجتيازهم الدورات التدريبية. وتصل فترة التدريب إلى ستة أشهر يحصل خلالها المتدرب على مكافأة شهرية. السؤال الذي جال في خاطري وأنا أقرأ هذا الخبر هو، إذا كنا أو بالأصح إذا كانت الشركات الكبرى في السلطنة تستطيع أن تسهم في حل مشكلة الباحثين عن عمل أو بالأقل التخفيف من حدتها من خلال مثل هذه البرامج التي تتميز باقترانها بالعمل، فلماذا لا تفعل كما فعلت «أوبال»؟
كعادتي في مثل هذه المواقف عدت إلى البحث عن أخبار مشابهة، لأكتشف أن «أوبال» سبق لها أن أعلنت في نهاية فبراير الماضي بالتعاون مع شركة تنمية نفط عمان ووزارة التربية والتعليم توقيع مذكرة تفاهم لتدريب 600 باحثة عن عمل لمدة أربعة أشهر في مجال تعليم رياض الأطفال، ليعملن بعد انتهاء مدة التدريب بدوام كامل في مختلف المدارس الخاصة بالسلطنة. وفي نهاية مارس الماضي أعلنت مجموعة «أسياد» عن برنامج «تنمية الشباب»، وهو برنامج تدريب مقرون بوظيفة، يهدف كما يقول الإعلان الذي نشرته «سبلة عمان» إلى استقطاب الكفاءات العمانية الشابة (الخريجون) ليصبحوا قادة القطاع اللوجيستي في المجموعة، وأن الدفعة الأولى من خريجي هذا البرنامج سيعملون بوظائف في بريد عُمان. وفي مطلع مايو الماضي قالت صحيفة عمان إن شركة تنمية نفط عمان احتفلت بتخريج أكبر دفعة (940 متدربا) ضمن برنامجها التدريبي الوطني المقرون بالتوظيف الذي انطلق في عام 2011، دون أن توضح المصادر التي تحدثت للصحيفة أين ذهب هؤلاء الخريجين بعد الاحتفال؟ هل حصلوا على وظائف أم عادوا مرة أخرى إلى قوائم الباحثين عن عمل؟ وإن كانت الصحيفة قد أكدت -دون دليل واضح- أن البرنامج منذ إنشائه نجح في توفير أكثر من 45 ألف فرصة عمل وتدريب مهني وإعادة استيعاب للعمانيين الباحثين عن عمل.
عندما عدت إلى أرشيفي الخاص اكتشفت أنني أشرت في مقال سابق نشرته منذ ثلاث سنوات تقريبا وبالتحديد في نوفمبر من عام 2015 إلي قيام الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال بتوقيع اتفاقيتين لتمويل برامج تدريبية مع الجمعية العمانية للخدمات النفطية «أوبال» لتدريب وتأهيل عدد من الباحثين عن عمل من الشباب العماني بقيمة 112 ألف ريال، تمهيدا لحصولهم على وظائف في شركات قطاع النفط والغاز فور تخرجهم بنجاح من هذه البرامج التدريبية. في نفس الأرشيف حصلت على مقال آخر أشرت فيه إلى مذكرة تفاهم وقّعتها المؤسّسة العامّة للمناطق الصناعية مع الصندوق الوطني للتدريب، قلت إنها قد تحول الكلام النظري الجميل حول التدريب والتأهيل وأهميته في تعظيم قيمة الثروة البشرية إلى حقائق على الأرض، وتحول عشرات الآلاف من الباحثين عن عمل، الذين لم يتمكن العمل الحكومي التقليدي من استيعابهم لأسباب معروفة، إلى قوى منتجة تسد الفجوات الوظيفية الواسعة في المصانع والشركات، وتعدل كفة ميزان القوى العاملة في قطاع الصناعة، الذي يميل بشدة إلى الأيدي العاملة الوافدة.
الواقع أننا إذا جمعنا هذه المبادرات الخاصة بالتدريب سواء على رأس العمل أو المقترن بالتوظيف، سنجد أننا أمام جهود كبيرة بذلت وما زالت في هذا المجال، وهو ما يكسب السؤال عن جدواها المشروعية الكاملة، وهذا ما لا نستطيع إثباته. إذ من حق الناس أن تعرف العائدات الفعلية لهذه البرامج التي يعود بعضها، كما ذكرنا، إلى عام 2011. ليس هناك إحصاءات عن عدد من تم إلحاقهم بأعمال بعد انتهاء هذه البرامج التدريبية، ومدى استمراريتهم في المؤسسات والشركات التي أُلحقوا بها. من الجميل أن نعلن عن مثل هذه البرامج وندعو الشباب للاشتراك فيها والانتفاع منها، ولكن من الأجمل أن نتابع مخرجاتها ونعلن للناس عما حققته.
إن الحديث عن التدريب المقرون بالتوظيف في ظل غياب مؤشرات واضحة على حجمه ودرجة نجاحه في توفير فرص عمل حقيقية للشباب، من شأنه أن يجرنا إلى الحديث عن الإنفاق على التدريب في السلطنة والاستثمار فيه بوجه عام. ونعلم جميعا أن كل مؤسسات الدولة تقريبا لديها ميزانيات سنوية مخصصة للتدريب، المفترض أن يتم إنفاقها على تدريب الموظفين والعاملين بها لرفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى العمل. ولكننا نعلم أيضا أن اختيار وتوزيع برامج التدريب في هذه المؤسسات علي معاهد وشركات التدريب يخضع لقرارات إدارة التدريب في كل مؤسسة، ولا يتم تقويم مخرجاتها في إطار وطني عام. ولذلك من الممكن استغلال جزء من هذه الميزانيات في كل مؤسسة لتدريب عدد من شباب الخريجين سنويا في إطار خطة وطنية للتدريب التحويلي المقرون بالتوظيف في هذه المؤسسات يلبي حاجتها من جانب، ويسهم من جانب آخر في توفير فرص عمل للشباب، مع ضرورة اعتماد مقاييس واضحة لتقييم العائدات المحققة من هذه البرامج والجدوى الاقتصادية لهذا الإنفاق.
من الضروري في هذه المرحلة التي تتزايد فيها الضغوط على الحكومة لتوفير فرص العمل للشباب أن نفتح الملفات الفرعية المرتبطة بهذه المشكلة، وعلى رأسها ملف التدريب والتأهيل غير الأكاديمي الذي تتولاه شركات خاصة في الغالب، إلى جانب عدد محدود من المراكز الحكومية مثل معهد الإدارة العامة ومركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر بجامعة السلطان قابوس. لقد أصبحت هناك حاجة ماسة لوضع استراتيجية وطنية للتدريب تتولى رسمها وتنفيذها وتقويمها جهة واحدة محددة تنسق كل البرامج وتستخدم كل الموارد المتاحة وتُقوم كل البرامج سواء الحكومية أو الخاصة، لكي تصبح هذه الصناعة رافدا مهما من روافد حل مشكلة الباحثين عن عمل. بعبارة أخرى نحن نحتاج إلى هيئة وطنية للتدريب تنظم سوق التدريب في السلطنة وترشد الميزانيات الضخمة التي يتم إنفاقها في هذا المجال. إذ لم يعد يكفي بأي حال أن يقتصر الأمر على قانون ولائحة تنفيذية تنظم إنشاء وإدارة مراكز التدريب، وتحدد شروط صياغة الشهادات التي تصدرها هذه المراكز.