النظام العالمي وحلم الأممية الجديدة

إميل أمين/ كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

إلى أين يمضي النظام العالمي في قادم الأيام؟ علامة استفهام مثيرة للتأمل، سيما في حالة الفوضى العالمية الحالية وما يرتئيه البعض سيولة جيوبوليتيكية وانصهارا للطبقات المكونة للنظام العالمي القديم.

إن سقوط الاتحاد السوفييتي في العام 1990 أصاب التوازنات العالمية بزلزال مثير، كبير وخطير في الوقت ذاته، سيما أن الراية الأممية تسلمتها الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها، واعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب زمن القطبية الأمريكية المنفردة والنظام العالمي الجديد برأس واحدة هي أمريكا ومن دون منازع أو مشارع.
أثبتت التجربة الأممية في هذا السياق وعبر قرابة الثلاثة عقود أن هناك خطأ جوهريا بدرجة أو بأخرى في مثل هذا النظام، وعليه فقد بات السؤال متى يظهر للعلن حلم أممي جديد تستعيد فيه العدالة الدولية قدرتها على إعادة وضع الأمور في نصابها الحقيقي، وتسود فيه مقتضيات العدالة الكونية، ويكون القانون الأممي مقياسا للتعاطي بين البشر حول العالم بدون تمايز عرقي أو طبقي، ديني أو مذهبي؟
والثابت أن العديد من الأسئلة قد انطلقت في الأجواء الفكرية وبنحو خاص خلال العقد الماضي وبعد أزمة الرأسمالية المالية العالمية، والتي تبلورت بشكل خاص في صورة الانهيار المالي في بعض البنوك الأمريكية ما أدى الى تشريد مئات الألوف ان لم يكن الملايين من الموظفين .
عطفا على ذلك فقد ارتفعت الأصوات حول العالم تندد بتيار العولمة وقد أثبتت التجربة أيضا أن خسائر هذا النهج الاقتصادي والثقافي الأممي، ربما أكثر من المنافع أو المزايا التي تنجم عنها، وليس أدل على صحة هذا الكلام من تيارات القومية الغربية التي تزدهر هذه الأيام، وخروج دول مثل بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود واشتداد عود الأصوليات اليمينية قومية كانت أو دينية عقائدية.
في هذه الأوقات الملتبسة يغيب عن العالم واحد من أهم الرجالات المفكرين الذين حلموا حلما واسعا عريضا بأممية جديدة، وناضل نضالا طويلا عبر ستة عقود على الأقل من أجل الدفاع عن الفقراء والمنكسرين إنسانيا في دول العالم الثالث.
غاب عن عالمنا المفكر الاقتصادي العالمي الدكتور سمير أمين، وقد كان حلمه قبل أن تغيبه يد المنون أن يبزغ فجر أممية جديدة، تلعب فيها دور شرق أسيا، لا سيما الصين دورا رائدا في رفع الغبن التاريخي الذي وقع على ملايين الشعوب حول العالم، من جراء تمركز قلب العالم في أوروبا وأمريكا، كما كان يشير دوما عالم الجغرافيا السياسية ماكندر، وأن يتحول العالم الحديث إلى علاقة تعاونية وثيقة ولصيقة بين الشرق الأوسط والعالم العربي، وبين المنظومة الآسيوية البازغة بقيادة الصين، وبشراكة من روسيا الاتحادية التي تشهد بدورها صحوة العنقاء من الرماد كما هو معروف .
اعتبر سمير أمين أن هناك حتمية تاريخية لظهور أممية جديدة، ووجه النقد اللاذع لرؤية فرانسيس فوكاياما التي اعتبرت أن الرأسمالية هي نهاية التطور التاريخي للمبادئ والنظريات الاجتماعية.
وعنده أن كلام فوكاياما ليس جديد، انه حديث الأيديولوجيا البرجوازية من اصلها، فهو يتحدث عن نظام خيالي من أسواق معممة، محل الواقع الاجتماعي الحالي القائم على استغلال الطبقات الاجتماعية، ونظرية فوكاياما تقوم بدورها على فرضية ان المجتمع مكون من أفراد منفصلين يدخلون في علاقات تبادلية على قدم المساواة لأنهم أحرار وليسوا عبيدا، وغير مقيدين بقيود قانونية وأن العلاقات السوقية تعطي هؤلاء الأفراد إمكانية الازدهار الشامل القائم على قدراتهم الشخصية دون أن تكون هناك عوائق من ذات الطابع الاجتماعي.
لم يسلم الرجل برؤية فوكاياما الياباني الأصل الأمريكي الجنسية لأن مجتمع فوكاياما في حقيقة الأمر مجتمع خيالي، غير موجود على الأرض، فهو مكون من أفراد تقوم علاقتهم على طابع اجتماعي فقط، في حين أن الإنسانية طبقات وقوميات، جماعات دينية وطائفية، وعلاقات غير قائمة بين الأفراد فحسب، ولكن بين الجماعات والطبقات، ولهذا فان تصور فوكاياما مضحك لأنه يتخيل إننا في المجتمع الرأسمالي الحالي وصلنا الى المرحلة الأعلى على نمط تصور الشيوعيين وكارل ماركس، وهذا لم يوجد لأن الأفراد ليسوا بعد على قدم المساواة الحقيقية التي تتكلم عنها النظريات.
يعن لنا أن نتساءل على هامش رحيل سمير أمين: ”هل كان سمير أمين أحد الحالمين ببلد المحبوب أو المدينة الفاضلة كما فعل من قبل الفارابي ودانتي الليجيري، أم أن الأممية الجديدة التي تراءت له من على البعد كانت قابلة بالفعل للتحقق في مجتمعنا الأرضي هذا، وليس في فردوس الاطهار فحسب؟
الجواب يقودنا إلى صدام الراحل الكبير مع تيار العولمة والأمل في أن ينشا تيار آخر يمثل مكافئ موضوعي، إلا أن السؤال يبقى هل كان الرجل عدوا للعولمة بشكل عام أم على موجتها التاريخية الحالية؟
في حقيقة الأمر وفي حلمه المخملي الجميل لم يكن سمير أمين ضد العولمة بإجمالي المشهد، بل ضد النمط الرأسمالي للعولمة الذي يعاني منه العالم في الظروف الراهنة، وهو يؤكد على أن العولمة ليست طرحا جديدا حداثي بل نمط ونسق إنساني قديم ربما قدم البشرية نفسها، فقبل العولمة الحديثة في ثوبها الرأسمالي، حدثت أمواج من العولمات الأخرى، فقد كان انتشار الأديان الكبرى سواء كانت الإبراهيمية كالمسيحية والإسلام، أو وضعية كالبوذية، نوعا من العولمة، كما أن طريق الحرير وأشكال التجارة العالمية كانت مشاهد عولمية بامتياز.
غير أن ما حصل نتيجة الرأسمالية هو شكل جديد من العولمة القائمة على العلاقات الاجتماعية الرأسمالية لاستغلال العمل في ظروف الرأسمالية ونهب الشعوب التابعة أو الخاضعة للسيادة الإمبريالية، وهذا نمط من العولمة يرفضه الكثيرون من التيار المناهض للعولمة، والذي يميز في المجابهة بين ذاك النهج ونهج آخر يسعى لتطوير العولمة نحو شكل آخر يعطي لجميع الشعوب فرصتهم على قدم المساواة في الحياة وفي العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
هل كان هذا التصور هو البداية والأرضية التي ينطلق عليها الراحل الكريم في بنائه لطرح الأممية الجديدة؟
ربما ترك لنا سمير أمين قبل رحيله وصفة ناجعة لما تحتاجه الشعوب اليوم لتحقيق الحلم، وأن كان في إطار ظروف بنيوية مختلفة ومشروعات مجتمعية مترابطة في اطار هياكل عولمة مقننة ومتفق عليها، تحقق تقدما متزامنا ومتوازيا في اتجاهات ثلاثة كالتالي :
** التقدم الاجتماعي، وهذا يقتضي ان تقدم الاقتصاد يواكبه بالضرورة تقدم اجتماعي يخدم الجميع بضمان الحق في العمل والاندماج الاجتماعي والتقليل من التفاوت.
** دمقرطة المجتمع، وهذا أمر يسري على جميع أبعاده بوصفها عملية دائمة وليس مجرد وصفة ثابتة لا تتغير والديمقراطية تتطلب التوسع في مجالات تطبيقها لتشمل الإدارة الاقتصادية والاجتماعية ولا تتوقف عند مجال الإدارة السياسية للمجتمع.
** التأكيد على الطبيعة المتمركزة على الذات، وذلك فيما يخص المشروعات المجتمعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي بناء أشكال من العولمة لتسمح بهذا.
وقف سمير أمين في حلمه الأممي طويلا كصاحب رؤية متميزة فيما خص إشكالية الدمقرطة، لا سيما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وحينما مضت بعض الآراء في محاولة تطبيق تلك الرؤية بالعنف، ما أفرز عن دعوات مثل الفوضى الخلاقة التي قادت شعوب الشرق الأوسط الى فوضى غير خلاقة لا تزال تعاني منها حتى الساعة، كان لها بالمرصاد.
اعتبر سمير أمين ان الديمقراطية تمثل كفكرة إشكالية رئيسية، فهي ليست وصفة جاهزة يقدمها الغرب للعالم، سيما العالم الثالث بنوع خاص، وفي تحليله للإشكالية هنا وفي العالم العربي يرى أنه كانت هناك تجارب للتقدم الاجتماعي دون ديمقراطية أي إنجازات ناتجة عن منح من السلطة العليا، وليست ناتجة عن نضالات الطبقات الشعبية، ولهذا كان يرى أن التقدم الاجتماعي لا يمنح بل يكتسب من خلال النضال الاجتماعي البناء، لا من خلال العنف والانتفاضات أو الثورات التي لا تولد إلا المزيد من المرار والدمار الى أجل طويل.
توقف سمير أمين طويلا أمام التجربة الاشتراكية للصين الشعبية في طبعتها الحديثة وأدوارها القائمة والقادمة لمنازعة أمريكا قطبيتها المنفردة على العالم، ورأى ان الصين بكل تأكيد تسعى لأن تلعب هذا الدور الذي يمكن اعتباره ركيزة أساسية في بناء أممية جديدة، وهي تبلور نفسها في صورة الدولة الرأسمالية المستقلة داخليا في التفاوض على قدم المساواة مع الأقطاب الرأسمالية الإمبريالية الأخرى خاصة مع الولايات المتحدة واليابان وأوروبا.

نظر الرجل كثيرا للصين بوصفها قوة قادمة تتمتع بمزايا تجعل هذا الاحتمال واردا الى حد كبير سيما وأنها القوة الوحيدة التي تستطيع ان تواجه تحديات العصر على أرضية الاقتصاد الرأسمالي العالمي بشيء من النجاح، ليس فقط على صعيد الصادرات، بل فيما يتعلق بقدرتها على استيعاب التكنولوجيا وخاصة العسكرية منها، ورفضها للمنظومة المالية المعولمة، وهذا هو النزاع الأساسي بين الصين وأمريكا حول سعر اليوان، وهذا كله ما كان له ان يحدث لولا أن الثورة الاشتراكية الصينية لم تغفل وضع أسس ومنطلقات قومية ووطنية حقيقية في أبجديات مشروعها النهضوي الحديث .
افضل ما تنبأ به الاقتصادي الكبير الراحل هو ان حلم الأممية الجديدة لابد وان يظهر، ومرد ذلك ان الرأسمالية قد دخلت في خريفها الأخير، والذي سيستمر فترة من دون شك، قبل ان يظهر ربيع حقيقي لشعوب العالم، وليس الربيع المزيف أو المكذوب الذي حاول البعض ترويجه أوائل العقد الثاني من القرن الجاري .
وساعتها سيكون الحلم الأممي قريب، وستكون آسيا ولا شك في موضع الصدارة منه، وليس المجتمع الغربي المألوف عبر الخمسمائة عام الماضية.