الحرص على بنود الموازنات المالية السنوية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

أدى تراجع أسعار النفط العالمية منذ منتصف عام 2014 إلى اتخاذ عدد من الإجراءات من قبل الحكومات للتكيف ومواجهة الأسعار الجديدة التي بلغت حوالي 30 دولارا للبرميل بعدما كانت قبلها تبلغ في حدود 120 دولارا للبرميل، لتشهد لاحقا وتدريجيا بعض الارتفاع في الأسعار وتبلغ حاليا في حدود 70 دولارا للبرميل. وكان لذلك تأثير واضح على عدد من البنود المالية التي تهم المواطنين في المنطقة تتعلق بزيادة أسعار الطاقة وبعض الخدمات بجانب العمل على ترشيد الإنفاق والمصروفات اليومية للمؤسسات الحكومية، والتراجع عن المضي قدما في تأسيس بعض المشروعات التنموية، والسحب من الاحتياطي العام.
وقد اتخذت الجهات الحكومية المعنية في الدولة عدة إجراءات للتكيف مع بنود الموازنات العامة للسلطنة خلال السنوات الأربع الماضية . وفي ضوء التدابير والضوابط الاحترازية التي تتخذها وزارة المالية في هذا الشأن فقد اتخذت الوزارة هذا العام إجراءات أخرى لموازنة العام المقبل 2019، حيث تستهدف هذه الخطوات العمل والتكيف بأسعار النفط العالمية الحالية التي تشهد تذبذبات منذ تلك الفترة. كما تستهدف هذه الإجراءات الحد من المديونية العامة بل خفضها خلال السنوات المقبلة. وقد قامت الوزارة المعنية بإرسال تلك التعليمات لجميع الوحدات الحكومية من الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات التابعة لها، في ضوء المتغيرات التي يشهدها الوضع المالي للسلطنة، للأخذ في الاعتبار هذه التعليمات عند تقديم مشروعاتها للعام المقبل 2019م، مع عدم افتراض أي توسّع في ميزانيتها، والتأكد من تطبيق كافة الإجراءات المتخذة في ترشيد الإنفاق والعمل على إعادة ترتيب الأولويات بما ينسجم مع الموارد المالية المتاحة.
والهدف من ذلك – كما يوضحه المنشور الصادر بهذا الشأن – العمل على اتباع الأسس الرئيسية لإعداد وإنجاح مشروع الميزانية العامة للسنة المالية 2019 دون مواجهة أية عقبات، وذلك من خلال الاستمرار في تخفيض عجز الميزانية واحتوائه في الحدود الآمنة، والحد من ارتفاع مستوى الدين العام، والاستمرار في ترشيد الإنفاق العام وتعزيز كفاءته، واستكمال مراحل التحول لتطبيق موازنة البرامج والأداء. وهذه التوجيهات الصادرة من وزارة المالية تأتي في إطار اتخاذها سلسلة من التدابير والضوابط الاحترازية للموازنة العامة للدولة لعام 2019، بهدف التكيف مع تأثيرات استمرار تذبذب أسعار النفط، وتزايد العجوزات المالية والدين العام للدولة، آخذة في الاعتبار في الوقت ذاته تجنب المساس بالخدمات الحكومية الأساسية ذات الأولوية للمواطنين، وبما يتوافق مع مستجدات الأوضاع العالمية والمحلية من أجل استدامة المالية العامة واستقرار الوضع الاقتصادي للدولة.
وفي الوقت الذي تطالب فيه الوزارة المعنية ضرورة التقيد بتلك الإرشادات، فإنها تؤكد للمؤسسات الحكومية على عدم المساس بالخدمات الحكومية الأساسية ذات الأولوية للمواطنين مثل خدمات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والضمان الاجتماعي، حيث إن الكثير من المواطنين ما زالوا يعتمدون على الخدمات الحكومية المجانية وخاصة في مجال التعليم من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية، بالإضافة إلى حصولهم على الخدمات الصحية والعلاجية مجانا، وفي الحصول على الدعم في مجال خدمات الطاقة، وتوفير المساعدات الحكومية في عملية البناء لبعض المواطنين.
ففي مجال التعليم على سبيل المثال، فهناك اليوم أكثر من 604 آلاف طالب وطالبة على مقاعد الدراسة في كافة مدارس السلطنة الحكومية، يتلقون تعليمهم المجاني في عدد من مدارس التعليم الأساسي التي وصل عددها هذا العام إلى 1032 مدرسة، فيما بلغ عدد المعلمين هذا العام أكثر 56 ألف مدرّس بالإضافة إلى حوالي 11 ألف إداري وفني يقدمون خدماتهم لهؤلاء الطلاب، ناهيك عن الطلاب الدارسين في كليات التقنيات والمعاهد والمؤسسات الجامعية الحكومية والخاصة داخل وخارج السلطنة على نفقة الحكومة. أما في مجال الخدمات الصحية المجانية فهناك الآلاف من المرضى العمانيين الذين يتلقون العلاج اليومي لمختلف الأمراض المزمنة وغير المزمنة تشمل حالات الإصابة بأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والجهاز الدوري والأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض الأخرى غير المعدية. كما تقدم المؤسسات الصحية في السلطنة برامج مجانية تتعلق باتخاذ تدابير وقائية من الأمراض الناتجة عن الأمراض غير المعدية على الفرد والمجتمع، وتقديم الخدمات لمصابي الحوادث المرورية والقيام بالعمليات الجراحية لمختلف الأمراض، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في أعداد زيارات المراجعين للعيادات الخارجية والمستشفيات، حيث بلغت عددها في عام 2016 نحو 15.6 مليون زيارة، فيما تم تنويم وعلاج ما يقرب من 343 ألف مريض بالمستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة، وإجراء أكثر من 111 ألف عملية جراحية خلال نفس العام، منها أكثر من 45% للعمليات الجراحية الكبرى، و55% للعمليات الجراحية الصغرى. كما هناك العديد من الخدمات المجانية التي تقدّم للمواطنين تتعلق بالحياة المعيشية والاجتماعية للمواطنين، والتي ترغب الحكومة الاستمرار في تقديمها دون أي مساس لها.
ومن هذا المنطلق تنبّه الإرشادات المالية بضرورة تقيّد المؤسسات في الاستمرار في الحفاظ على البنود المالية ليستفيد منها كل مواطن، بالإضافة إلى العمل على تنويع مصادر الدخل ورفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى جملة الإيرادات الحكومية بما يؤدي إلى تخفيض الاعتماد تدريجيا على النفط، وتوفير كافة السبل لتحسين بيئة الأعمال لرفع معدلات الاستثمار وإيجاد فرص عمل للمواطنين، مع السعي لتحقيق نمو اقتصادي لا يقل عن نسبة (3%) بالأسعار الثابتة في المتوسط خلال الخطة الخمسية التاسعة الحالية والتي تنتهي في عام 2020، وإعطاء الأولوية في تنفيذ المشروعات الضرورية التي تخدم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتريث في تنفيذ المشروعات غير الملحة.
وهناك الكثير ممن ورد في هذا الشأن تتمثل في العمل على تحسين التصنيف الائتماني للسلطنة، واهتمام المؤسسات بالصيانة للحفاظ على الإنجازات التنموية ورفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع، بالإضافة إلى تحسين بيئة الأعمال وزيادة الاستثمارات، وضرورة الاستغلال الأمثل للإمكانيات، ورفع كفاءة العاملين وربط الأجر بالإنتاج، بجانب وضع تقديرات مصروفات تشغيل المشاريع المتوقع انتهاؤها خلال 2019، واتخاذ إجراءات حاسمة لترشيد الكهرباء والمياه في المؤسسات العامة. والهدف النهائي من ذلك هو رفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة وتعزيز أدائها في الاقتصاد الوطني، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ وإدارة بعض المشاريع والمرافق والأعمال، بالإضافة إلى العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وهناك اليوم التزام على الجهات العامة بالحصول على موافقة وزارة المالية في إبرام أية تعاقدات مع القطاع الخاص تجاه المشاريع الجديدة بحيث يتم الاستغلال الأمثل للإمكانيات المادية والبشرية المتاحة لتحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة اقتصادية عالية، وتحسين معدلات الأداء والمؤشرات الاقتصادية بما يتلاءم مع حجم المال المستثمر في تلك المشاريع، مع ضرورة الاهتمام بصيانة المؤسسات الحكومية للحفاظ على الإنجازات التنموية، والعمل على تقليل وترشيد الإنفاق مهما أمكن ذلك، الأمر الذي سيؤدي إلى الالتزام والاستمرار في إدارة عجلة العمل الحكومي وبما يحفظ مستوى تقديم الخدمات وبصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة. وهذه السياسات يجب على الجهات العمل بها في جميع الحالات والاستفادة من أي ارتفاع في أسعار النفط العالمية لتعزيز البنود المالية وتعزيز موارد المؤسسات والصناديق السيادية في البلاد.