رئيس القطاع المرئي بهيئة الإذاعة والتلفزيون: «رؤية اقتصادية» تجربة رائدة.. ودور الإعلام مهم في التثقيف وتعميق الوعي

على مدار العقدين الماضيين أصبح برنامج «رؤية اقتصادية» أيقونة إعلامية يتابعها المشاهدون باهتمام في السلطنة وفي الوطن العربي وخارجه، وتمكن البرنامج من تقديم طرح إعلامي متخصص يتناول كل ما يخص الشأن الاقتصادي بطريقة سهلة ومثرية للجمهور العادي وأيضا للمهتمين والمتخصصين، وعلى مدار السنوات تزايد الاهتمام بهذا البرنامج الذي لامس كل زوايا الاقتصاد الوطني ومنجزاته المرحلية وارتباط منجزه بالمسار والبعد الاجتماعي للمواطنين في جميع الولايات والمحافظات، وربط مسارات التنمية وإنفاقها بالنمو الاقتصادي المستهدف ومناقشة التحديات والصعوبات والمعالجات في ذات الوقت من خلال المسؤولين والخبراء وصناع القرار.
وخلال الفترة الأخيرة أكمل البرنامج عقدين من مسيرة إعلامية ناجحة، وفي هذا اللقاء مع عبد الله بن سعيد الشعيلي رئيس القطاع المرئي بالهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون، ومعد ومقدم «رؤية اقتصادية»، يحكي لنا الكثير عن هذه التجربة الإعلامية.
مشيرا إلى أن البرنامج طوال مسيرته عمل على تحفيز العمل الاقتصادي وسياسات التنويع الاقتصادي والاستغلال الأمثل للموارد والثروات الطبيعية والاستراتيجية التي تتمتع بها السلطنة، مع التأكيد على أن المواطن العماني هو رائد تجارة سواء بأساطيله التي جابت بحار العالم ومحيطاته أو القوافل التجارية، وقد حرص «رؤية اقتصادية» على تقديم ما يتناوله من موضوعات بطريقة مبسطة؛ لتصبح مهضومة لدى المتخصص وغير المتخصص ومفهومة أيضا لدى الطلاب الذين يتابعون ويبحثون عن التخصصات الاقتصادية في تحديد مستقبلهم الوظيفي والمهني، كما ساهم البرنامج بشكل واضح وهذا ما نتلقاه من انطباعات على امتداد السنوات، وأوجد «رؤية اقتصادية» متحدثين متمكنين من الفعاليات العمانية في الجوانب الاقتصادية في مجال الإعلام الاقتصادي والحواري وهذه من النتائج التي تسجل لهذه التجربة الإعلامية العريقة.
وحول الإعداد لحلقات برنامج رؤية اقتصادية والجهد المبذول في البرنامج، أكد عبد الله الشعيلي: «عندما نتحدث عن تجربة «رؤية اقتصادية» فإنني أتحدث عن تجربة إعلامية عمانية مخضرمة، تختتم عقدها الثاني منذ انطلاقتها في أواخر التسعينات، في نموذج إعلامي حواري وطني رصين، أعتز به مُعدّا له ومُقــــدّماً، مُستلهمين في رسالته الثابتة، مضامين الفكر القيادي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المفدى -حفظه الله وأبقاه- لدعامات النهضة المباركة ورافعاتها الوطنية المكينة، إذ يشكل الإعلام العماني ملمحاً مؤسسياً من ملامح وملاحم المسيرة المظفرة، بقيادة جلالة السلطان المفدى -أيده الله- على امتداد نحو نصف قرن».
وأضاف أن البرنامج، بدعم من جمهوره المشاهدين والمشاركين الذين هم بحق أساس النجاح، تمكن من تقديم صورة منهجية وغير نمطية في مستوى المناقشة والثراء المعرفي في الحوار والتداول، الذي يدور بين أطراف الحوار في كل حلقة من حلقاته وخاصة أننا نحرص في «رؤية اقتصادية» على أن نستضيف الفعاليات التي هي في دوائر صنع القرار بمختلف المؤسسات الحكومية والخاصة، وتعزيز مادة البرنامج العلمية بمشاركة الخبراء والمسؤولين والمحللين والباحثين والأكاديميين الذين لديهم الخبرة والتجربة والفكرة والمقترح «المُعين والمفيد» للخطة والرؤية الوطنية في كل مرحلة من مراحل البناء ضمن أسلوب حواري إيجابي محفز وديناميكي.
من هنا تمكن البرنامج من بناء قاعدة واسعة من المصادر الخاصة التي يستند عليها في تفرده بالمعلومة وإحاطته وإلمامه الكامل بالمادة الاقتصادية التي يحتاجها في كل حلقاته، والبرنامج يتلقى دعماً من كافة المستويات، وهذا الدعم الذي نثمنه للغاية سهل مهمة «رؤية اقتصادية» وخاصة على مستوى تلبية الضيوف المتخصصين لدعوته الأسبوعية على طاولة حواره -مساء كل ثلاثاء- أو على مستوى تقديم المعلومات التي نحتاجها في كل موضوع نطرحه ..
ولأن «رؤية اقتصادية» برنامج متخصص، فإن الإعداد للبرنامج على مستوى المادة العلمية والضيوف يتسم بأنه يتم بشكل مبكر، فبعد الانتهاء من بث حلقة الأسبوع الحالي يجري اجتماع الفريق في اليوم الذي يليه لتحديد موضوع الحلقة التالية، والتواصل مع المصادر في القطاعين الحكومي والخاص أو أي مصادر ذات صلة لتأمين أي بيانات ضرورية لتقريب الفهم وتغطية الموضوع المطروح بدقة وموضوعية وشمولية وتعمق، وترون هناك معلومات لزيادة الفائدة ولتغطية الموضوع أكثر نوردها للقراءة على الشاشة وهي معلومات مركزة ويتم كل هذا الجهد الجبّار، رغم أن فريق رؤية اقتصادية هو فريق «بسيط» لكن يتمتعون بالهمة العالية، ولا يخلو الأمر من صعوبات أحيانا عند الاعتذار المفاجئ من بعض الضيوف نتيجة ظروف طارئة، أو أن يجد موضوعا نجد أنه أكثر أهمية للمتلقي قبل موعد بث البرنامج بيوم واحد مثلاً، فنضطر إلى مواكبته، لكن أصبحنا متأقلمين مع كل الوضعيات نتيجة الخبرة التراكمية من جهة، وعلاقة العمل المتينة التي بناها البرنامج بامتياز مع مختلف الجهات في القطاعين العام والخاص وكل محبيه. والواقع أن ما نسمعه ويصلنا دائما ارتباط المشاهدين ببرنامج رؤية اقتصادية وحرصهم الشديد على متابعته بصفة أسبوعية أو أن يشاركوا فيه كضيوف، أو اقتراح تناول بعض الموضوعات التي نخضعها لمبادئ رسالة البرنامج الوطنية.
وأعرب عبد الله الشعيلي عن اعتزازه بالدور الذي يلعبه الإعلام بشكل عام والبرنامج بشكل خاص في تعميق الوعي بالقضايا الاقتصادية والتثقيف الجماهيري، مشيرا إلى أن «رؤية اقتصادية» يقوم على معطيات تاريخية وأخرى معاصرة، فالتاريخية يجسدها البرنامج في أن العمانيين كانوا رواد التجارة العالمية على امتداد العصور، وذاع صيتهم «بسادة البحار» لكثرة نشاطهم البحري العريق عبر التاريخ والتواصل الحضاري العماني مع الأمم والشعوب بين آسيا وإفريقيا والهند والصين وغيرها من الحضارات.
أما المعاصرة فتجسدها الرؤية السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم في إحياء تلك الأمجاد الاقتصادية والتجارية بتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية حديثة وبنية أساسية متينة تجعل من الاقتصاد العماني المعاصر في ظل النهضة المباركة بقيادة جلالته -أبقاه الله- اقتصاداً حديثاً متيناً منافساً ضمن خطط خمسية ورؤية مستقبلية مبنية على أهداف تنفيذية واضحة يستفيد منها المواطن العماني بالدرجة الأولى بحيث ندفع لأن تصبح الأجيال رائدة أعمال وتجارا ومستثمرين، بلفتهم إلى الفرص الهائلة التي يوفرها الاقتصاد الوطني للمخرجات والقطاع الخاص العماني، وحفز الاتجاه نحو الاقتصاد المستدام الذي يولد فرص العمل للمواطنين ويوجه البوصلة إلى الاقتصاد غير الريعي وغير النفطي، مواكبة لخطط الدولة في سياسات وبرامج التنويع الاقتصادي وتحفيز الإجراءات الضامنة للاستثمار المرن والقيمة المضافة.
ويؤكد عبد الله الشعيلي ان البرنامج يشهد باستمرار لمسات تطوير من حيث الرؤية الفنية والمحتوى الإعلامي، ويتم التجديد دوريا بمنتج جرافيكي وفواصل ولمسات فنية وديكورية تدعم الصورة البصرية للبرنامج، كذلك عملية اختيار الموضوعات والحرص الشديد على تناول زوايا مختلفة للموضوعات قيد النقاش وتجنب التكرار في الموضوعات والمحاور.
وخلال الفترة الأخيرة، أطلقنا روح التجديد التي وضعت بصمات ممتازة للبرنامج ولقت اهتماماً واسعاً ومركزاً وإشادات طيبة من قبل المشاهدين والمتابعين لرؤية اقتصادية ومن قبل المشاركين فيه كذلك، وهي بث حلقات من الميدان بالانتقال إلى المعالم والشواهد والمشروعات الاقتصادية الكبيرة.. وهذه الخطوة مهمة للغاية ليس فقط لمتابعة العمل في المشروعات الاقتصادية وتحفيزها ميدانياً وإنما لتقديم صورة واقعية عن حجم الاقتصاد العماني ودعم اقتصاد المحافظات ومتابعة المشاريع ومشاركة العاملين في تلك المشروعات في البرنامج وما يقدم خلاله من أفكار ورؤى ومقترحات تعين المخططين والتنفيذيين وتقديم البيئة الاستثمارية المثالية لعمان .. ونهتم بأن يكون من بين المشاركين المستثمرين الأجانب أيضا لتقديم تجربتهم في الاستثمار بسلطنة عمان، وفي هذا السياق نذكر أننا قدمنا حلقة من مكان انعقاد مؤتمر اقتصادي بمسقط استضاف فيه البرنامج فخامة الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا، كما قدمت حلقات من ولاية الدقم وعلى وجه التحديد من ميناء الدقم بشركة عمان للحوض الجاف، وعلمنا بعد بثها أن مجموعة مستثمرين من خارج السلطنة كانوا يتابعون البرنامج وتواصلوا مع المختصين المشاركين في البرنامج بغية الاستثمار في السلطنة، فهذا مثال من عدة أمثلة نعتبره مؤشر قياس ناجح لأهمية هذا البرنامج وحجم متابعته.
ونحرص على التوازن في حلقات المحافظات بحيث نغطيها جميعا، كما أن هناك أيضا رسائل لا بد من تأكيدها وإظهارها بين حين وآخر ونكون جاهزين لها باستمرار .. وهناك أهداف وطنية استراتيجية تترجمها تلك الحلقات وهي دعم الترويج الاستثماري ولفت الاهتمام إلى المقومات الاستثمارية والاقتصادية والتعريف بخصائص عمان كبلد استراتيجي واقع على خطوط الملاحة الدولية، ونقطة التقاء بين الشرق والغرب.
ومن أمثلة تلك الحلقات حين قمنا بتقديم البرنامج من حصن دبا وميناء خصب بمحافظة مسندم، ومن الجبل الأخضر والكلية التقنية بنزوى في محافظة الداخلية، والمنطقة الحرة بولاية المزيونة، ومن ميناء الصيد البحري بالحلانيات، ومن مطار صلالة الجديد بمحافظة ظفار، وأيضاً من كلية عمان البحرية الدولية بصحار في شمال الباطنة، ومن جامعة البريمي ومن الدقم بمحافظة الوسطى، ومن ميناء السلطان قابوس.
كما اهتم البرنامج عبر سلسلة حلقات برواد الأعمال بإشراكهم في حلقات خاصة بهم في عدة محافظات وقد كانت الخطوة ناجحة جدا وتركت ارتياحا منقطع النظر لديهم، كما تابع البرامج المشروعات الوطنية التي تستهدف بناء القيادات الوطنية في القطاع الحكومي والخاص تحت مظلة ديوان البلاط السلطاني وغيرها من المشروعات الوطنية التي تدفع بالمنجز العماني قدما..
كما نود أن نشير أن «رؤية اقتصادية» مع تركيزه على الاقتصاد الوطني ومسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، إلا أنه يفرد مساحة جيدة لمناقشة وتناول القضايا الاقتصادية العالمية، وارتباط الاقتصاد العماني بالمنظومة الاقتصادية العالمية .. فأذكر أننا تابعنا في سلسلة حلقات أزمة أسعار النفط وقدم البرنامج من خلال فعالياته قراءات وتحليلات عن مؤشرات الأسعار واتجاهاتها والعوامل المؤثرة فيها، وكانت تلك القراءات فعلا دقيقة وجيدة، واستفاد منها المهتمون بالشأن الاقتصادي، وكانت تلك التحليلات تقترب كثيراً من المعطيات الفعلية التي تحصل في أسواق النفط العالمية.
أما اهم المحاور والموضوعات التي من المنتظر أن يتناولها «رؤية اقتصادية» خلال الفترة القادمة، فقد أكد عبد الله الشعيلي ان البرنامج يواكب مستجدات الاقتصاد الوطني ضمن خططه وبرامجه ورؤيته المستقبلية 2020 و2040 .. والواقع أن الجهود الوطنية تركز حاليا على تنفيذ برامج سياسات التنويع الاقتصادي ضمن القطاعات الاستراتيجية المستهدفة ومنها القطاع الصناعي والقطاع السياحي والقطاع التعديني والقطاع الزراعي والقطاع اللوجستي والقطاع السمكي .. وكان البرنامج حاضرا قبل انطلاقة «تنفيذ» للتمهيد وأثناء انطلاقته بحلقاته، وتناولنا مرحلة «مختبرات» والآن نركز على الأعمال التنفيذية لـ«تنفيذ»، وعلى استعداد تام لإبراز الأعمال والجهود القائمة في جميع القطاعات التي حددها البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي «تنفيذ» عند جهوزية أي مرحلة، وسنظل نتابع في برنامجنا مستجدات هذه المشروعات سواء في الأستوديو أو في الميدان من خلال المختصين.
ومن ناحية أخرى هناك موضوعات سيكون مهما تغطيتها وهي اقتصاديات المحافظات وتحفيز الفرص بها، والعناوين المهمة التي يمكن الإطلالة عليها خلال الفترة المقبلة هي الأبعاد التنفيذية للتنويع الاقتصادي، والمشروعات الاقتصادية الجديدة في مختلف المحافظات، ومستجدات سوق العمل، ومؤشر التنافسية الاقتصادية، والقيمة المضافة للثروات الاستراتيجية، ومشروعات التطوير السياحي ومشروعات التعدين والأمن الغذائي، ومنتجات الاقتصاد المعرفي والبحث العلمي والابتكار الصناعي، ومنتجات الثورة الصناعية الرابعة، وممكنات ريادة الأعمال وقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط الإجراءات الإدارية والاستثمارية والتغير الذي يطرأ في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، والموانئ العمانية والمناطق الحرة والمناطق الصناعية، وتمكين المرأة العمانية كصاحبة ورائدة أعمال وغيرها من الجوانب التي تعتبر أساسية في سياق مشروع التنويع الاقتصادي.
والمؤكد أن الروح عالية جداً لدى فريق «رؤية اقتصادية» ولدى كل الزملاء القائمين على البرامج المماثلة في تلفزيون سلطنة عمان التي تؤدي ذات الأدوار والرسالة وتتكامل مع بعضها من أجل «عمان العزيزة قيادة وشعبا وأرضا» وبروح واثقة جـداً، واليوم نجد أن السلطنة تخطو خطوات واثقة نحو المستقبل كواحدة من أهم مراكز الثقل الاقتصادي العالمي حيث تتوفر لها المقومات الهائلة والمناخ السياسي والاقتصادي الجاذب والثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي العالمي المتميز.