واشنطن وأوتاوا.. وإصلاح اتفاقية «نافتا»

عبد العزيز محمود –
ما تحاول واشنطن أن تتجنبه، في إطار سعيها لأن تكون عملية إعادة التفاوض حول (نافتا)، نموذجا لأي اتفاق تجاري مع البلدان الأخرى وفي مقدمتها الصين والاتحاد الأوروبي، كما سبقت الإشارة، خاصة بعد أن انتهت الجولة الأحدث لمفاوضات التجارة الأمريكية الصينية بعدم إحراز أي تقدم، مما يعني أن الرئيس الأمريكي سوف ينفذ تهديداته بفرض رسوم جمركية نسبتها ٢٥٪ على واردات صينية للولايات المتحدة قيمتها ٢٠٠ مليار دولار.

بالاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة والمكسيك يوم ٢٧ أغسطس الماضي لإصلاح اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، لم يعد أمام الولايات المتحدة وكندا -الطرف الثالث في الاتفاقية- إلا التوصل إلى اتفاق مماثل، فبدون اتفاق ثلاثي حول إصلاح الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في عام ١٩٩٢ لإلغاء حواجز التجارة والاستثمار فإن الاتفاقية سوف تصبح في مهب الريح.
الإصلاحات التي تطالب بها واشنطن تستهدف معالجة العجز في التبادل التجاري والذي يقدر بنحو ٧١ مليار دولار لصالح المكسيك و١٧ مليار دولار لصالح كندا، عبر حواجز تجارية متفق عليها، تسمح بتعزيز التبادل التجاري بين الدول الثلاث وقيمته نحو تريليون دولار سنويا
ومع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانسحاب بلاده من الاتفاقية، بدأت في أغسطس ٢٠١٧ محادثات إعادة التفاوض حول نافتا بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بهدف التوصل الي اتفاق تجاري ثلاثي جديد مع تغييرات ملموسة، أو اتفاقين تجاريين منفصلين.
لكن المحادثات لم تحقق تقدما، وهكذا قرر الرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية في مايو الماضي على واردات الصلب والالومنيوم من المكسيك وكندا، فردت المكسيك في يونيو الماضي بفرض رسوم جمركية على واردات أمريكية قيمتها ٣ مليارات دولار، وفي يوليو الماضي فرضت كندا رسوما جمركية على واردات أمريكية قيمتها ١٣٣ مليار دولار.
وبعد محادثات مكثفة استمرت خمسة أسابيع تمكنت الولايات المتحدة والمكسيك من التوصل إلى اتفاق في ٢٧ أغسطس الماضي لحل خلافاتهما التجارية بشأن اتفاقية (نافتا)، بينما انتهت المحادثات الأمريكية الكندية في ٣١ أغسطس الماضي دون اتفاق.
وبدا واضحا أن واشنطن وأوتاوا غير قادرتين – حتى الآن على الأقل – على حل القضايا العالقة بينهما وفي مقدمتها لجان مكافحة الإغراق والتعرفات الكندية على منتجات الألبان وإليه فض المنازعات بين المستثمرين والحكومات ومسألة غروب شمس الاتفاقية ، خاصة مع إصرار كل منهما على عدم تقديم تنازلات.
وهكذا هدد الرئيس ترامب بإنهاء العمل باتفاقية (نافتا)، والاكتفاء بالاتفاق الأمريكي المكسيكي، ملوحا بفرض رسوم جمركية جديدة على الواردات الكندية لبلاده. لكن الكونجرس هدد برفض التصديق على الاتفاق مع المكسيك، مالم يتم التوصل إلى اتفاق مماثل مع كندا.
وكانت وجهة نظر الكونجرس أن قانون التجارة الأمريكي يحظر على الرئيس المضي سريعا في عقد أي اتفاق ثنائي، فضلا عن أن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية كانت ثلاثية ويجب أن تظل كذلك، حتى يمكنها تعزيز القدرة التنافسية لمنطقة أمريكا الشمالية.
وهكذا استأنفت الإدارة الأمريكية والحكومة الكندية محادثاتهما في واشنطن امس الموافق الخامس من سبتمبر الجاري ، في محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق يحقق مصلحة الطرفين، حيث تتركز المفاوضات حول النقاط التي تم إقرارها في الاتفاق مع المكسيك، وفي مقدمتها تعديل قواعد المنشأ بحيث يتم تصنيع ٧٥٪ من مكونات أي منتج معفى من الضرائب داخل أحد البلدين، ووضع شروط جديدة لحماية حقوق الملكية الفكرية والتجارة الالكترونية.
ومالم يتفق الطرفان على حلول وسط بشأن القضايا محل الخلاف، خاصة النزاع حول آلية فض المنازعات وحماية حقوق الملكية الفكرية ووقف التلاعب بالعملة ، فإن التوصل إلى اتفاق يبدو مستحيلا، لكن التوقعات تشير إلى أن المحادثات بينهما سوف تستمر حتى نهاية سبتمبر الجاري، بينما تطالب المكسيك بالاتفاق على تعديلات اتفاقية (نافتا) بين الدول الثلاث في موعد أقصاه ٣٠ نوفمبر المقبل، وهو آخر يوم لولاية الرئيس المكسيكي إنريكه بينيا نييتو.
المشكلة أن الرئيس ترامب يرفض تقديم أي تنازلات لكندا، حتى لا تكون سابقة يضطر إليها في المحادثات التجارية مع الاتحاد الأوروبي والصين، رغم حاجته إلى اتفاق يدعم موقف حزبه (الحزب الجمهوري) في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل.
ومن جانبه يرفض رئيس الوزراء الكندي «جاستن ترودو» هو الآخر تقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة حتى لا تؤثر على موقفه في الانتخابات الفيدرالية الكندية المقرر إجراؤها في أكتوبر عام ٢٠١٩، لكن عدم التوصل إلى اتفاق سوف يدفع خصوم «ترودو» إلى اتهامه بالمسؤولية عن انهيار (نافتا).
وفي ظل هذا الوضع المعقد تبدو الجولة الحالية من المحادثات صعبة وقاسية، فالرئيس ترامب يضغط على كندا لإقناعها بالانضمام إلى الاتفاق مع المكسيك، أو التوصل إلى اتفاق منفصل للتجارة مع الولايات المتحدة، وهو ما يعني انتهاء اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، بينما تحاول كندا تحسين شروط الاتفاق.
وهذا ما تحاول واشنطن أن تتجنبه، في إطار سعيها لأن تكون عملية إعادة التفاوض حول (نافتا)، نموذجا لأي اتفاق تجاري مع البلدان الأخرى وفي مقدمتها الصين والاتحاد الأوروبي، كما سبقت الإشارة، خاصة بعد أن انتهت الجولة الأحدث لمفاوضات التجارة الأمريكية الصينية بعدم إحراز أي تقدم، مما يعني أن الرئيس الأمريكي سوف ينفذ تهديداته بفرض رسوم جمركية نسبتها ٢٥٪ على واردات صينية للولايات المتحدة قيمتها ٢٠٠ مليار دولار.
وبهذه الطريقة يحاول ترامب دفع الصين إلى تقديم تنازلات كبيرة تسمح بخفض العجز التجاري بين البلدين والذي يقدر بنحو ٣٧٦ مليار دولار، وهو ما لا تمانع فيه الصين، لكنها ترفض أي محاولة لوقف أو إبطاء برنامجها للتصنيع التكنولوجي (صنع في الصين 2025) أو مبادرة (الحزام والطريق) التي تتيح لها التوسع جيوسياسيا عبر العالم.
كما يحاول الرئيس الأمريكي بهذا التشدد توجيه رسالة إلى الاتحاد الأوروبي ، الذي بدأ محادثات تمهيدية تجارية مع الولايات المتحدة، بأن التوصل إلى اتفاق يتطلب قبولا غير مشروط من جانب الأوروبيين للمطالب الأمريكية، وهو ما تعارضه ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة.
وفي ظل كل هذه النزاعات التجارية، تتواصل محادثات الفرصة الأخيرة بين الولايات المتحدة وكندا لإصلاح اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، وبدون أن يتفق الجانبان على حلول وسط، فإن الاتفاقية سوف تصبح بكل تأكيد في مهب الريح.