نوافذ :ثمة شيء يخيفنا

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يأتي الخوف كأحد المكونات الفطرية عند كل إنسان بلا استثناء، ولا يمكن لأي منا أن يأمن واقعا مجهولا لم يعش تجربته أبدا، إلا إذا كان غير مكتمل الشعور، فالمجازفة في الدخول في معترك الأشياء من غير تردد ليس من صفة العقلاء على الإطلاق، ولذلك ولكي نأمن خطوتنا التالية، فلا بد من خوض تجربة ما متعلقة بالموضوع ذاته، أو بالمكان ذاته، حيث نذهب إليه ومن غير الخطوة ذاتها لا يمكن أن نتجاوز حاجز الخوف ولو بقدر يسير يربك أنفسنا، ويسقطها في مستنقع الأسئلة الملحة عن الشيء ذاته الذي نود التوجه إليه، وهذا ما ينطبق على كل الفطر السليمة.
ولذلك عندما نهم بالسفر-على سبيل المثال- الى بلد ما لم تطأه خطوتنا الأولى من قبل، فهناك مجموعة من الأسئلة سوف تتناسخ مستفسرة عن ماهية المكان، وحيثيات السفر إليه، هذه الأسئلة ما كان لها أن تتوارد الى نفوسنا لولا القلق الذي نعيشه في تلك اللحظات السابقة لخطوة السفر، حتى لو كانت كل الظروف مهيأة للحظة السفر، وطبعا يظل هذه القلق نسبيا، ما بين فرد يسافر لأول مرة لوحده، وبين آخر يسافر مع مجموعة من الأشخاص، ولو كان سفره هو الوحيد لأول مرة، فحالته تكون أقرب إلى الاطمئنان من الأول، لوجود حماية معنوية يلتمسها في تلك اللحظات من المسافرين معه الذين عاشوا تجربة سفر ما من قبل، وما ينطبق على السفر ينطبق على أي مشروع يود أحدنا خوض تجربته لأول مرة، أما لو تكررت التجربة في مشروعات أخرى مماثلة أو مختلفة، فلن تكون شدة الخوف والقلق تصل الى التجربة الأولى، وكذا الحال في حالة الزواج، وفي حالة الوظيفة، وفي حالة الانتقال الى مكان ما، وقس على ذلك أمثلة كثيرة في الحياة.
هل الخوف مشروع مهم للنجاح، وأن الذين لا يخافون لا يحققون مستوى عاليا من النجاحات، حيث تسقطهم المجازفة في خانة الفشل؟ هذه الصورة أيضا يصعب الحكم عليها بصورة مطلقة، فهناك من عندهم روح المجازفة، وينجحون من تجربتهم الأولى، وهناك أناس آخرون يعيشون النقيض، حيث يتنامى الخوف لديهم الى حد التردد والتراجع، وهؤلاء يسجلون أرقاما أكثر في الفشل، وليس شرطا أن يكون ترددهم مفتاحا للنجاح ، فكلا الطرفين يعيشان تبادل الأدوار، وتظل نسب نجاحاتهما أو فشلهما نسبية إلى حد بعيد، ولا تحتمل الحكم المطلق للنتائج المتوقعة بصورة مباشرة.
هناك من يعول على خبرة الحياة، والممارسة في ترجيح خطوات النجاح وقلة الخوف أكثر من آخرين مازالوا في مستهل مشوار حياتهم، حيث تنقصهم الخبرة والتجربة، ويربط مستوى الخوف على مقياس هذه التجربة، ووجاهة هذه الصورة أقرب للحكم على انخفاض مستوى الخوف، لأن الإنسان بطبيعته البشرية يأمن أكثر كلما اتضحت أمامه الصورة عن الشيء الذي ينوي عمله، أو المكان الذي يود الذهاب إليه، حيث يستحضر مجموعة الصور القديمة التي تختزنها الذاكرة، فتضفي إليه الكثير من الاطمئنان، وتبعد عنه وحشة الوحدة، ولذلك نرى ردة الفعل التي يبديها الطفل -على سبيل المثال- عندما تضعه على ظهر لعبة لأول مرة، أو تضعه على كرسي الحلاق لأول مرة، أو تقترب به من حافة الماء على الشاطئ، ولغياب خبرته في هذه التجارب تأتي ردة فعله الطبيعية التي فيها الخوف من المجهول، وتقاس التجربة ذاتها على الكبار أيضا عندما يواجهون واقعا يعيشونه أول مرة.
وفي كل الأحوال يبقى الخوف حالة صحية، تعطينا فرصة للتأكد والتمعن، وعدم المجازفة، وعلينا أن نتعامل معها في حينها، ولا نعطيها المساحة الواسعة في نفوسنا، حتى لا تتعمق فينا صورة الخوف أكثر، فتنقلنا إلى حالة التردد والانحسار عن المضي قدما في مختلف مشروعاتنا في الحياة، فحالة الوقوف في وسط المسافة أمر ينبغي أن يكون، حيث لا إفراط ولا تفريط.