فنزويلا والخروج من الانكماش الاقتصادي

كراكاس – وكالات:-

ألقى الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» خطاباً إلى الشعب في 17 أغسطس يختلف كثيراً عن خطاباته المعتادة التي تجاوزت 100 خطاب منذ بداية العام. وبحسب تقرير لمجلة «الإيكونوميست»، فإنه رغم حقيقة أن نحو نصف المشاهدين يغلقون أو يتجاهلون أجهزة التلفزيون عندما يلقي أي مسؤول تصريحاً بحسب مسح حديث، إلا أن الخطاب الأخير كان يستحق المشاهدة.
وبدا رئيس فنزويلا وكأنه يتخلى عن بعض الممارسات الاقتصادية التي تجعل من «الثورة البوليفارية» في فنزويلا تجربة مدمرة بشكل فريد في الشعوبية اليسارية.
وعانت فنزويلا انكماشاً اقتصادياً أفقدها أكثر من ثلث الناتج المحلي منذ عام 2013، كما من المحتمل أن يتجاوز التضخم مليون بالمائة هذا العام وكذلك يوجد نقص في الغذاء والدواء إضافة إلى هجرة المواطنين إلى الدول المجاورة.
وفي سياق وعده بالمعجزة الاقتصادية، ألغى مادورو سعر صرف البوليفار الذي تتحكم فيه الدولة والذي أقره سلفه “هوجو شافيز” في عام 2003.
وشهدت قيمة العملة تخفيضاً من السعر الرسمي البالغ 250 ألف بوليفار لكل دولار إلى سعر السوق السوداء البالغ 6 ملايين بوليفار لكل دولار.
وأعلن “مادورو” استبدال العملة المحلية لفنزويلا بأخرى جديدة أقل 5 أصفار تدعى “البوليفار السيادي”، وهو ما يشير إلى التقلب من قبل النظام الذي أكد مراراً أن سعر السوق السوداء غير حقيقياً.
وفي اعتراف غير مسبوق لـ”مادورو”، أكد أن الحكومة هي السبب وراء التضخم المفرط في البلاد عبر طباعة العملة المحلية “البوليفار” من أجل تمويل العجز الضخم في الموازنة.
كما وعد بخفض عجز الموازنة إلى الصفر، والذي من المتوقع أن يبلغ 30% من الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا هذا العام، وذلك بشكل جزئي عبر زيادة ضريبة القيمة المضافة وعن طريق زيادة سعر البنزين والذي يعتبر مجاني تقريباً في الوقت الحالي إلى المستويات الدولية.
ويعتزم كذلك الرئيس الفنزويلي تسريع تحصيل الضرائب؛ وذلك حتى لا تصبح قيمة الإيرادات عديمة القيمة بسبب التضخم في الوقت الذي تصل فيه إلى خزانة الدولة.
وفي 20 أغسطس، بدأ عهد جديد حينما أعلن مادورو اجازة عامة في فنزويلا من أجل السماح بتقديم العملة الجديدة لكن في اليوم التالي عندما أعيد فتح البنوك اصطف الفنزويليين في الطوابير انتظاراً لأول عملية سحب.
وعلى الرغم من تأكيد الرئيس بأن فنزويلا لديها 10 أضعاف ما تحتاجه من الكاش إلا أن أجهزة الصراف الآلي “إيه.تي.إم” قيدت عمليات السحب إلى 10 بوليفارات جديدة أي حوالي 17 سنتاً.
واعتبر العديد من المواطنين الأمر بمثابة اختبار رياضي محير، حيث تساءل “ألبرتو كلاودينو” وهو أحد العملاء في بنك يقع شرق كاراكاس ما إذا كان يمكنه سحب 50 بوليفاراً بينما كان يملك نحو 9 ملايين بوليفار قديم!.
وفي حين أن بعض عناصر حزمة إنقاذ مادورو تبدو وكأنها قادمة من غرفة اجتماعات أحد البنوك الدولية فإن الواقع يوضح أن هذا أقرب لما حدث.
ومع تسارع التضخم، قام فريق بقيادة “طارق العيسمي” نائب الرئيس لشؤون الاقتصاد منذ يونيو الماضي بالتشاور مع المستشارين الماليين، حيث تم رصد مجموعة من الإكوادور في كاراكاس في الشهر الماضي، وهو الفريق الذي اعتمد الدولار عملة للبلاد في عام 2000.
ويقول “بيدرو بالما” مدير “إيكواناليتكا” وهي شركة استشارية اقتصادية مقرها كاراكاس: “لقد سمعنا جميعاً الحكومة تبحث عن اقتراحات من الاقتصاديين”، موضحاً أن البعض داخل الحكومة أدرك أن الوضع غير قابل للاستدامة.
ومارس الرئيس القمع على المعارضة، كما قام بتجريد البرلمان من السلطة التشريعية، ما أدى إلى أن الضغط على مادورو أصبح في ازدياد من داخل النظام نفسه.
وفي يوليو الماضي، بات اجتماع الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا والذي يُعقد مرة واحدة كل 4 سنوات منتدى لانتقاد “مادورو”، حيث عارض “فريدي بيرنال” والذي يدير برنامجاً حكومياً لتوزيع إعانات الطعام، حجة النظام بأن إخفاقاته بما في ذلك التضخم المفرض هو نتيجة حرب اقتصادية شنها المخربين والقوى الأجنبية.
وتعرض مادورو لانتقاد لاذع على هامش الاجتماع من جانب “بيرنال” بقوله: “نعيش 19 عاماً في الثورة، نحن فقط مسؤولون عن الخير والشر الذي يحدث لنا”، وفقاً لما ذكره أحد المندوبين.
وفي 4 أغسطس واجه رئيس فنزويلا الأسوأ، حيث تعرض لمحاولة اغتيال جوية خلال مشاركته في استغراض عسكري في كاراكاس بعدما توجهت طائرتان محملتان بالمتفجرات نحو المنصة وانفجرت أحدهما على بعد بضعة مئات من الأقدام من الرئيس بينما أصابت الطائرة الأخرى مبنى.
ورأى الشاهدون على الحدث، والذي تم بثه على التليفزيون، مجندي الحرس الوطني وهم يهربون قبل أن يتم إيقاف الكاميرات بشكل مفاجئ مع إلقاء القبض على 25 شخصاً مشتبه فيهم بمحاولة الاغتيال بما في ذلك 3 من كبار ضباط الحرس الوطني شبه العسكري.
وساهم هذا الوضع في إقناع مادورو بأنه بحاجة إلى تقديم مقترح قابل للتصديق يهدف إلى إنهاء الكارثة الاقتصادية للبلاد، على حسب قول “كوليت كابريلز” أستاذ العلوم السياسية.
ويخلط مخطط مادورو للإنقاذ بين الأفكار المعقولة وبين الحماسة البوليفارية، حيث تقول “كابريلز” إنه مثل عالمين مختلفين كالماركسي والنقدي، في حين يطلق السياسي المعارض “أنخيل ألفارادو” على هذا المخطط “المستحيل.. يوتوبيا”.
ومن الصعب التوفيق بين وعود مادورو لتقليص عجز الموازنة وبين خطة زيادة الحد الأدنى للأجور بنحو 3000%.
ومن المتوقع أن تتراجع المكاسب المالية من رفع أسعار الوقود بسبب التعهد بمواصلة تقديم الدعم لحوالي 17 مليون من حاملي البطاقات التموينية الصادرة عن الحكومة، أي أكثر من نصف السكان.
ولم يذكر الرئيس الفنزويلي الديون الخارجية للبلاد والتي تعثرت بالفعل عن سداداها.
ومن المرجح أن تستمر الحكومة في السيطرة على سوق الصرف الأجنبي كما من المفترض أن يأتي استقرار العملة الجديدة من ارتباطها بعملة “البترو” وهي عملة إلكترونية أصدرتها البلاد في وقت سابق هذا العام والتي يفترض أنها مدعومة من احتياطيات النفط.
وتعادل قيمة “البترو” الواحدة نفس قيمة برميل النفط (حوالي 60 دولاراً) كما ترتبط عملة البوليفار السيادي الجديدة بوحدة الحساب الجديدة (بمعدل 3600 إلى واحد).
ومن شأن ذلك أن يعزز الثقة في البوليفار السيادي لكن لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بانتهاء التوسع في المعروض النقدي والذي أدى إلى التضخم.
ويمكن قريباً أن يمتص التضخم الدخل الإضافي القادم من رفع الحد الأدنى للأجور ما يتسبب في المزيد من البؤس والغضب الشعبي ضد الحكومة.
وما أن خرجت عملة البوليفار السيادي إلى النور إلا وبدأت قيمتها في الهبوط، حيث يوضح موقع “دولار توداي” أن قيمة البوليفار الجديد في السوق السوداء بلغت 1.4 سنت يوم 22 أغسطس وهو ما يمثل هبوطا إضافياً بنحو 18%.
وتعتبر هذه الأمور مثيرة للقلق بالنسبة لـ”مادورو” والذي قد يعتمد بقاءه في منصبه على نجاح خطته الاقتصادية، حيث يقول مصدر من داخل الحزب الاشتراكي الموحد أنه إذا فشل فإنها ستكون هزيمته وحده ويتحمل العواقب المحتملة.