تواصل :واقع بـ «فلتر» الورد !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –
مشهد أول:

خرجت من عملية ولادتها لطفلتها الأولى بترهل واضح في منطقة بطنها وانتفاخ في مختلف أنحاء جسدها واستمر ذلك حتى بعد مرور شهور عديدة من تلك الولادة، نظرت باستياء لنفسها وقالت: لماذا أنا فقط من يحدث لي هذا الأمر بعد الولادة ؟ كل نجمات وسائل التواصل الاجتماعي تبدو أجسادهن جميلة ووجوههن نضرة بعد ولاداتهن مباشرة وإن تكررت، لتبدأ في الحنق على جسدها رغم أن ما يمر به طبيعي جداً بشهادة الأطباء!
مشهد ثانٍ:
تشغله فكرة أن حياته وزوجته لا تبدو كحياة ذلك المشهور في وسائل التواصل الاجتماعي والذي يظهر في مقاطعه المنشورة حجم السعادة التي يعيشها مع زوجته ومدى اهتمامها بتفاصيله ما كبر منها وما صغر، يبدأ في مقارنة حياته وزوجته بهما بقوله: لدينا منزل كبير وأطفال رائعون، وكذلك لدينا المال ونسافر للدول التي يسافران لها، لكننا لسنا سعداء مثلهما، هما لا يختلفان أبداً، بينما أنا وزوجتي التي أحبها وأعرف أنها تحبني نختلف ونتشاجر أسبوعياً ، لماذا لسنا مثلهما ؟ هل نعاني من مشكلة؟ ومضى يفكر عميقاً في الأمر!
مشهد ثالث:
تشاهد وجهها العشريني الجميل في المرآة، تقول لنفسها: ماذا لو عدلت أنفي قليلاً كما فعلت فنانتي المفضلة ؟، كما يمكنني أن أصغر من حجم ذقني كما فعلت تلك الفاشينستا الشهيرة، ثم لا بد من أن أحقن وجهي بإبر النضارة التي تستخدمها شهيرات وسائل التواصل الاجتماعي واللاتي بعدها يستطعن أن يظهرن بوجوههن الطبيعية دون ماكياج ويقلن بتباهٍ عالٍ :” شوفوني بوجهي الطبيعي بلا حتى نقطة ماكياج” ،تواصل حديثها لنفسها: والدي لديه المال لأقوم بكل ذلك وهن لسن أفضل مني!
مشهد رابع:
يصل لقناعة أن التعليم والشهادات الجامعية لا قيمة لهما، وأن الحياة تفتح ذراعيها ومكاسبها لمن يجيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى لو كان ذلك باستعراض حياته، وتصنع خفة الدم وجمع متابعين كثر يصفقون له وربما يشتمونه لأن كل ذلك يصنع تفاعلاً جيداً في حساباته يلفت المؤسسات التجارية لتبدأ في دعوته لمختلف الفعاليات ودفع الأموال بلا توقف.
إن وسائل التواصل الاجتماعي بكل ما فيها من تفاعلات يومية جعلت من بعض المستخدمين ضحايا لها لتصديقهم لكل ما يعرض فيها إذ يعتقد أولئك الضحايا إن جاز لنا تسميتهم كذلك أن الصورة الحقيقية للحياة هي ما يرونها هناك وإن أي شكل مختلف عما يعرض هناك شاذ وغير طبيعي فيبدأون بمقارنة حياتهم بحياة المتصدرين للمشهد في تلك الوسائل والتي تبدو فيها الأخيرة بلا أخطاء بل سعادة طوال الوقت،بتفاهم وحب مع الشريك ، ذلك الشريك المتفهم لنجومية شريكه في العلاقة ومحبة الناس له ، كما يظهرون بأجسام مثالية ووجوه نضرة وجميلة حتى عندما يصحون من النوم ، وملابس أنيقة ومن أغلى الماركات ، إضافة إلى أن ولادات المتصدرات للمشهد سهلة ويظهرن بعد الولادة مباشرة بمظهر أنيق وجميل ليقمن بتحية جمهورهن الذي لم يتوقف عن الدعاء لهن خلال ولادتهن بحسب أقوالهن.
يتوقف هنا ضحية ما يعرض في تلك المنصات ليقول: لماذا حياتي ليست مثلهم؟ لماذا لدي أعلى الشهادات ولست مشهورا مثلهم وهم بالكاد أكملوا شهادة الدبلوم العام؟ وقد يصدم بعض هؤلاء الضحايا في قناعاتهم ويبدأون في العيش في دوامة المقارنات بين شكل حياتهم وأولئك المتصدرين بشهرتهم وسائل التواصل الاجتماعي وقد يصلون إلى فقدان القناعة بمبادئهم وقيمهم وقيمة تعليمهم ومكتسباتهم التي تحققت باجتهادهم وبعمل دؤوب استمر لسنوات طويلة! وهناك من يحاول أن يغير حياته لتكون متشابهة مع ما يراها في تلك الوسائل كأن يلهث خلف عمليات التجميل أو يهمل دراسته أو عمله لأنهما لا يحققان ما يحققه أولئك المشاهير، كذلك قد يرغب في تغيير شريك حياته ليكون مماثلا في التصرفات لما يراه في تلك المنصات.
لضحايا ما يعرض في تلك الوسائل :
إن أجسادنا التي تترهل طبيعية وليست كتلك التي تظهر معدلة بواسطة “ فلاتر “ تطبيق “سناب شات” أو “انستجرام” ، أو بواسطة عمليات التجميل، ووجوهنا التي قد تظهر فيها التجاعيد حتى لو كنا في مقتبل العمر أيضاً طبيعية وأن ما يظهر على تلك المنصات من نضارة وجمال مع التقدم في السن له أسبابه التي قد لا تكون طبيعية بالمرة ، كما أن علاقاتنا الأسرية التي قد يظهر عليها التوتر في بعض الأحيان بل و حتى بشكل متكرر حتى لو كان أساسها الحب طبيعية بل من غير الطبيعي أن يكون التفاهم سيد الموقف في كل لحظات العمر، كما أن ملابسنا العادية ومنازلنا التي لا حديقة واسعة فيها لا تعني أننا مفلسون ، وتعليمنا العالي الذي لم يقدنا للثراء المادي ليس من دون قيمة كما قد يتم تقديمه في رسائل غير مباشرة من قبل أولئك المتصدرين لمشهد وسائل التواصل الاجتماعي .
إن الحياة الملتقطة باستخدام “فلتر” براق قد يظهر شكلها جميلا جداً بلا خطأ بسيط وكأن الفرد منا يعيش في الجنة ! لكنها دائماً ليست حقيقية فهي بزوال تلك الواجهة “ الفلتر “ تبدأ في الظهور على حقيقتها كما لم نتوقع يوماً! ففلتر الورد الذي نستخدمه كثيراً في تطبيق “ سناب شات “ جميل جداُ ويظهر وجوهنا وكأنها خضعت للتو لعملية تجميل، فتعجبنا صورنا وزوايا وجوهنا، لكن جمالنا الفاتن الخلاب يزول في لحظة ضغطنا على زر إلغاء الـ”فلاتر “ !

جريدة عمان

مجانى
عرض