هدنة عسكرية محدودة أم تهدئة سياسية شاملة؟

د.صلاح أبونار –

الأمر المؤكد أن هناك اتفاقية يجري الاعداد المكثف لها بين حماس واسرائيل. وإذا تابعنا ماتحمله الاخبار حول مايجري، او راجعنا تحليلات المشهد السياسي، سنعثر علي اجماع يفيد ان هناك اتفاقية في الطريق جرى انجاز الكثير من بنودها، واصبح الاعلان عنها وشيكا. ولكن هذا الاجماع لا يرافقة اجماع مماثل على هوية الوليد المنتظر، ولا على صلابته وقدرته على مواجهة تناقضات الازمة وعواصفها .
انطلقت المفاوضات منذ شهرين تقريبا.كانت النوايا بشأنها اقدم من ذلك ، والخطط المطروحة لموضوعاتها قيد النقاش في اوساط سياسية عديدة. وكان من الواضح حضور وقوة العوامل الموضوعية الدافعة لمسار المفاوضات، الا ان قوة الدفع السياسي اللازمة لاطلاقها وبناء توافق كاف حولها كانت غائبة. حتى جاءت زيارة جاريد كوشنر للمنطقة في يونيو الماضي، لتطلق عمليات سياسية علي امتداد المنطقة تولدت منها قوة الدفع السياسي الراهنة.
وعندما نرصد العمليات السياسية الدائرة الآن سنلاحظ عليها عدة سمات. اولها الانقسام الواضح في الصف الفلسطيني. فالمفاوضات تجري اساسا بين حماس واسرائيل، ليس فقط بعيدا عن السلطة الوطنية بل ايضا في وجة معارضتها الباترة والعلنية. وثانيها عملية المزج بين الردع المتبادل والتهدئة السياسية. قصف حدودي متبادل، تصاحبة مسيرات العودة واطلاق الطائرات الورقية الحارقة، وتتلوه هدنة معلنة يصاحبها فتح معبر « كرم ابو سالم « وتخفيض في كثافة مسيرات العودة.وثالثها تعدد الاطراف الاقليمية الضالعة في الاتفاق، ليس فقط عبر الوساطة التفاوضية، بل ايضا عبر الدعم المادي وتوفير التسهيلات الاقتصادية المقترحة والضغوط السياسية.
تولدت قوة الدفع السياسي من سياق تفاعل عدة عوامل، كانت تفعل منذ فترة زمنية طويلة.ويمكننا التمييز بين ثلاثة عوامل. اولها التدهور الحاد في اوضاع غزة، تحت تأثير الحروب والحصار الاقتصادي. تشدد بيانات البنك الدولي علي هذا التدهور. منذ 1994 تزايد عدد سكان غزة بنسبة90%، وارتفعت كثافتهم في الكيلومتر المربع الي4800 مواطن، اعلي معدل كثافة في العالم . بينما ظل معدل نموها الاقتصادي في حدود 2% سنويا، اي نصف متوسط معدل النمو العربي في نفس الفترة وهو 4%. وفي 1994 وصل نصيب الفرد من الدخل القومي النهائي الي 2695 دولارا امريكيا، و كان نصيب الفرد في الضفة الغربية اعلي منه بنسبة 8% فقط. ثم انخفض حاليا الي 1862، واصبح نصيب الفرد في الضفة الغربية اكبر منه بنسبة 137%. وحاليا تصل نسبة البطالة بين الشباب ( 15 و29 سنة) الى نحو 44%، بالمقارنة بنسبة 18% في الضفة الغربية المحتلة .وفيما بين 1994 والوقت الراهن، انخفض نصيب الصناعة من الدخل القومي الاجمالي من 16% الي 8 %، والزراعة من 11% الى 5%.وانعكس ذلك على مجمل الحياة. تعتمد غزة اساسا على المياه الجوفية، ونتيحة للحروب المتواصلة اصبج 90% من مصادرها ملوثة بنسب عالية. ويصل اجمالي ما تحتاجه من الكهرباء الى نحو 500 ميجا وات، ولايتعدي المتوفر منها 170 ميجا وات.
ويعاني القطاع الصحي من التدهور، فقلة الطاقة اوقفت عمل العديد من المستشفيات والمراكز الصحية، ويقدر ان غزة ينقصها 50% من الادوية الضرورية. ولدى غزة شبكة جيدة للصرف الصحي ولكنها الآن تعالج 90% من مياه الصرف الصحي معالجة جزئية فقط. وخلاصة ماسبق ان هناك تدهورا عاما في اوضاع غزة، تجعلها قاعدة سكانية قابلة لانفجارات عشوائية ومدمرة، والاخطر انها بيئة خصبة لنمو التطرف السياسي وغيره ، الامر الذي يثير قلق الاطراف الفاعلة في الازمة،ويدفعها نحو التدخل لاحتواء التدهور.
وثاني تلك العوامل: استراتيجية حماس الجديدة.على مدى فترة تزيد عن عام انتهجت استراتيجية تمزج التهدئة بالتصعيد. سنجد التهدئة في تحولات حماس عام 2017. في فبراير انتخبت يحيي السنوار قائدا جديدا، واختفى خالد مشعل من المشهد التنظيمي . وفي ابريل تبنت وثيقة سياسية جديدة انهت بها صلتها المباشرة بالاخوان المسلمين، واقرت قبولها لحل دولة فلسطينية في حدود 1967، وبشرعية اوسلو كإطار تفاوضي.ورافق ذلك تهدئة مع مصر، فاغلقت ماتبقى لها من انفاق، و سحبت جنودها من المناطق الحدودية مع مصر، ليحل محلهم جنود تابعين للسلطة الوطنية. وتجسد بعد التصعيد في استراتيجية مسيرات العودة الكبرى، التي اطلقتها في 30 مارس 2018 في يوم الارض.ومن هذا التاريخ حتى الآن والمسيرات متواصلة بدرجات كثافة متباينة،واسفرت عن 176 شهيدا و نحو 18000 مصاب. وكان اخطر ماحملته المسيرات معها امكانية تحولها الى مادة لاضطرابات اوسع تطال الضفة الغربية، وامكانية اتخاذها لمسارات اكثر صدامية تسفر عن اشتباكات عسكرية واسعة لا يريدها احد في هذا التوقيت، وامكانية اطلاقها لشرارة اضطراب هائل داخل غزة الزاخرة بعوامل الاشتعال ستكون له تداعياته علي الحدود الاسرائيلية . والحاصل ان حماس من خلال سياسات التهدئة اثبتت صلاحبتها للتفاوض والتوافق، ومن خلال سياسات التصعيد اثبتت قدرتها علي المقاومة و التهديد.
وثالث تلك العوامل يتعلق بالمصير الذي انتهت اليه صفقة القرن. طرح موقع كارنيجي السؤال التالي على مجموعة من الاختصاصيين: هل سيعلن ترامب صفقة القرن؟ وجاءت اجابة اغلبهم بالنفي، وفي معرض تبريرهم لذلك ، قالوا ان التطورات اثبتت انه لاتوجد قوة فلسطينية مؤيدة لها، ولا دولة عربية يمكن ان تغامر علنا بتأييدها بعد قرار الاعتراف القدس عاصمة لاسرائيل .واضاف بعضهم ان اسرائيل وان كانت ترحب بها علنا ، فمن المشكوك فيه انها تريدها فعلا. ذلك انها حصلت مقدما علي الجائزة الكبرى وهي القدس، وتفضل عدم طرح الصفقة الان لانها قد تعرقل سياساتها في فرض الامر الواقع في الضفة الغربية. وتؤيد الاحداث صحة هذا التفسير. في 15ابريل انعقدت قمة الظهران العربية، وفي بيانها الختامي لم يتزحزح الموقف العربي الرسمي من القدس، عن مواقفة السابقة المؤطرة بسلسلة طويلة من قرارات الامم المتحدة، والاهم اعاد طرح مبادرة السلام العربية 2002 كإطار تفاوضي ثابت للازمة. ثم جاءت زيارة جاريد كوشنر للمنطقة العربية بمثابة اقرار امريكي بالعجز عن تمرير الصفقة. من 17 يونيو وعلي مدي اسبوع ، زار كوشنر اسرائيل وقطر والاردن والسعودية ومصر.وكان من المتوقع ان يعلن عن الصفقة قبيل زيارته او خلالها ، ولكن لم يحدث، وسنعثر علي السبب في عبارة جاءت في حواره مع القدس الفلسطينية:» القادة العرب يصرون على دولة فلسطينية عاصمتها القدس».وبالتوازي مع الاخفاق في تمرير الصفقة عربيا، تقدمت غزة لتحتل الصدارة في مباحثاته في كل العواصم.وكان الهدف حشد الدعم العربي من اجل منع غزة من الانهيار، و تأمين روافع مستديمة لنموها الاقتصادي. ولكن غزة ليست مقصودة في حد ذاتها، والمقصود الحفاظ علي السياق السياسي العام الراهن بما يمنع من تفجيره بفعل اي عوامل قادمة من غزة، وبالتالي تمكين الدور الامريكي من مواصلة الامسك بخيوط المشهد السياسي للازمة.
ماهي عناصر الاتفاق المنتظر؟ تبدو المعلومات متضاربة، وتخلط بين عناصر اتفاق محدود مرجح الوصول اليه، وعناصر اتفاق آخر اوسع واكثر صلابة وقابلية للاستدامة، يمكن الوصول اليه لو اثبت الاتفاق المحدود قدرته عبر مدى زمني على الصمود.ولكن رغم هذا الخلط، تميز المعلومات المتوفرة بوضوح بين التصورين من خلال الحديث عن مرحلتين للاتفاق.
ماهي ابعاد الاتفاق المحدود؟ هدنة عسكرية بموجبها تتوقف الاشتباكات العسكرية، وتمتنع حماس عن تسيير مسيرات العودة ، واطلاق الطائرات الورقية الحارقة. وفي المقابل سيتم فتح معبري كرم ابو سالم ورفح ، والسماح بدرجة اعلي من تدفق البضائع ومواد البناء، وتوسيع نطاق مياة الصيد البحري، ومزيدا من تدفق الطاقة الكهربائية والوقود الى قطاع غزة .
ماذا بشأن الصيغة الاوسع للاتفاق؟ هنا سنجد عدة مشاريع. استكمال رفع الحصار الاقتصادي، ومنطقة اقتصادية حرة ، ربما في سيناء، ومطار لغزة تردد ايضا انه قد يكون في سيناء، ومحطة كهرباء مخصصة لغزة ايضا ، ورصيف بحري عائم لغزة في قبرص، وتدفقات مالية لاعادة بناء البنى التحتية.وماذا ستقدم حماس في المقابل؟ في حدود المعلن: مواصلة الالتزام بتعهدات الهدنة المحدودة، وتسليم جثث جنديين اسرائيلين و اسيرين اسرائيليين مدنيين. ويصعب تصور امكانية دخول حقيقي ومتصاعد في هذة الصيغة الواسعة. فهي – اولا – لكي تعمل فهي في حاجة الى مصالحة عضوية بين السلطة الوطنية وحماس، تحتم من منظور السلطة ان تفكك حماس آلتها العسكرية، وتسليمها لغزة عسكريا وامنيا، وهو امر مستحيل من منظور حماس في حدود موقفها الراهن.
وهي – ثانيا – تكاد تكون مصممة لوضع حماس تحت سيطرة خارجية مباشرة، فلايوجد اي معنى لكون الميناء والمطار ومحطة الكهرباء خارج غزة سوى هذا المعنى.ويصعب تصور مسايرة حماس لهذا الاتجاه، إذ يعني التنازل عن مساحة من ارادتها السياسية في فترة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لرياح عاصفة، ويفقد الفلسطينيون الكثير من السند الدولي والعربي. وهي – ثالثا – ليس من المتوقع ان تمضي في خطواتها قدما، الا على حساب تفكيك سلطة حماس داخليا، وحتى لاتتحول الى مصدر لقوتها.
وماذا يعني كل مسبق؟ يعني –اولا – إننا عمليا امام تهدئة عسكرية محدودة، تنهي بعض ظواهر التوتر العسكري وتخفف من حدة حصار غزة الخانق ، بما يبقيها بعيدا عن حافه الانفجار. إلا أن هذا لاينفي امكانية اعلان تلك التهدئة المحدودة عبر ربطها بالصيغة الاوسع المذكورة، ولكنه سوف يكون محض ربط نظري ومشروط وبلا افق مستقبلي حقيقي.
ويعني – ثانيا – ان المخرج الحقيقي لأزمة غزة ، ينطلق اولا واساسا من اعادة بناء الجبهة الفلسطينية وترميم الصدع العميق بين فتح وحماس، وبناء اجماع فلسطيني جديد.