المعلم الناجح نواة العملية التعليمية وأساس قيامها وتقدمها

لولاه ما رفعت للعلم منارة ولا وجد له في حياة الناس أثر –

حثّت خطبة الجمعة الطلبة وهم يبدأون سنتهم الدراسية الجديدة على أن يشحذوا للجد والاجتهاد هممهم، ويوقدوا له عزائمهم؛ فإن صاحب البداية الصحيحة، والانطلاقة المسددة، يفوز بالمأمول، وتحقيق المرجو، ويكون له السبق، ومن أبطأت به همته، وأقعده عدم تخطيطه، فلن تسرع به أمنياته، ولن تسمو به رغباته.
ودعتهم: «وليحذر الطلبة الشباب الذين يلتحقون بالدراسة الجامعية من دعاة السوء، ومزالق الفتن، وضلالات الأفكار، فإن كثيرا منهم ينتقلون إلى بيئة لم يألفوها، ويختلطون بثقافات لم يعرفوها، ويخرجون من ركن الأسرة الحامي، وحضنها الحاني، إلى حياة تختلط فيها التيارات الفكرية، وتختلف فيها التوجهات السلوكية، فتزل قدم من لم يكن له مرشد من عقله، وحافظ من دينه، فليتزينوا بالخلق، وليتجملوا بالآداب، وليظهروا بسلوكهم حسن منبتهم، وكريم أصلهم، ورقي أسرهم.
ودعت الآباء ألا يغفلوا عن تحصين أبنائهم منذ البداية بالخلق والفضيلة، ومتابعة توجيههم وإرشادهم ورعايتهم، وإعانتهم على الخير والصلاح، حتى لا يكون الفرد منهم إمعة يتبع كل ناعق .. وإلى ما جاء في نص الخطبة التي أعدتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وجاءت بعنوان (وقفات مع العام الدراسي الجديد).

الحمد لله رب العالمين، جعل العلم إليه دليلا؛ فعرف به، وجعله لمرضاته سبيلا، ونشهد ألا إله إلا الله، ونشهد أن محمدا رسول الله، خير البرية، وأفضل معلم عرفته البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) واعلموا -عباد الله- أن الله قد أكرم بني البشر بأن جعلهم أولي قدرة على التعلم والدربة، وذوي استطاعة على اكتساب المعارف والعلوم، ورزقهم سبحانه من الوسائل والملكات ما يعينهم على ذلك، يقول السميع العليم: (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، ويقول سبحانه واصفا نفسه: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، ويقول ممتنا بنعمته على الإنسان: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). وتعظم النعمة – عباد الله – إن كان للإنسان مع تلك القدرة وتلك الملكات معلم يفتح له مغاليق العلوم، ويبين له صحيح الفهوم، أو تتوافر له مؤسسة تجني له من ثمار الثقافات أحاسنها، وتكشف له من بحار المعارف لآلئها، ولقد من الله علينا في هذا البلد الطيب المبارك أن أصبح التعليم فيه متاحا للجميع، وفتحت صروحه في كل حي وبلدة، فاحتوت مدارسه أبناءنا، والتحق بجامعاته شبابنا، فالحمد لله على هذه النعمة التي تستوجب حفظا وشكرا، وتستدعي رعاية وعناية وتطويرا.

معاشر المؤمنين:

إن مما يحسن بنا جميعا أن نعلمه أن العملية التعليمية النظامية التي ترعاها الدول والحكومات، وتقوم بها المنظمات والمؤسسات، ليست حصرا على من يقوم بها ويرعاها فحسب، بل لا بد أن يكون المجتمع بأسره فيها شريكا مساهما، فخيره مربوط بصلاحها، وتقدمه مرهون بتقدمها، فيسهم الآباء في وضع الخطط والتصورات، وتحقيق الأهداف والغايات، من خلال تواصلهم المستمر مع المدرسة، ومشاركتهم الفاعلة في برامجها وأنشطتها، ويساهم أصحاب الفكر والرأي في تطوير المناهج وتصحيح المسارات من خلال دراساتهم الشاملة، ومنابرهم المتاحة، ويخدم أولو الاختصاص ميادينهم بما يسد الخلل ويعمق الفائدة، ومثل هذا التعاون هو تعاون على البر، مدعو إليه من يحسنه، ومأمور به من يستطيعه (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

إخوة الهدى والصلاح:

إن المدارس عما قريب ستفتح أبوابها، وستستقبل الكليات والجامعات طلابها، فتنطلق الحياة التعليمية في ربوع بلادنا الطيبة، نابضة بالحيوية، ومفعمة بالنشاط، محتضنة الأعداد الضخمة من أبنائنا وشبابنا. غير أنه مما لا يمكن تجاهله ـ أيها الأحبة – أن البيئة داخل المؤسسات التعليمية تختلف تماما عن بيئة الأسرة والبيت، فهي تحوي خليطا من الطلبة، تختلف خلفياتهم وتوجهاتهم، وتتمايز اهتماماتهم ورغباتهم، وتتباين أخلاقهم وسلوكياتهم، وقد يتأثر الطالب فيها بصحبة سيئة التوجه، أو رفقة فاسدة الطباع، فعلى الآباء ألا يغفلوا عن تحصين أبنائهم منذ البداية بالخلق والفضيلة، ومتابعة توجيههم وإرشادهم ورعايتهم، وإعانتهم على الخير والصلاح، حتى لا يكون الفرد منهم إمعة يتبع كل ناعق، وقد جاء في الحديث: (لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا). وليحذر الطلبة الشباب الذين يلتحقون بالدراسة الجامعية من دعاة السوء، ومزالق الفتن، وضلالات الأفكار، فإن كثيرا منهم ينتقلون إلى بيئة لم يألفوها، ويختلطون بثقافات لم يعرفوها، ويخرجون من سكن الأسرة الحامي، وحضنها الحاني، إلى حياة تختلط فيها التيارات الفكرية، وتختلف فيها التوجهات السلوكية، فتزل قدم من لم يكن له مرشد من عقله، وحافظ من دينه، فليتزينوا بالخلق، وليتجملوا بالآداب، وليظهروا بسلوكهم حسن منبتهم، وكريم أصلهم، ورقي أسرهم. كما يجدر بالطلبة ـ إخوة الهدى – وهو يبدؤون سنتهم الدراسية الجديدة، أن يشحذوا للجد والاجتهاد هممهم، ويوقدوا له عزائمهم، فإن صاحب البداية الصحيحة، والانطلاقة المسددة، يفوز بالمأمول، وتحقيق المرجو، ويكون له السبق، ومن أبطأت به همته، وأقعده عدم تخطيطه، فلن تسرع به أمنياته، ولن تسمو به رغباته.

أيها المؤمنون:

لتتذكروا وأنتم تهيئون أبناءكم لمدارسهم، وتحزمون لهم حقائبهم، أن هناك من إخوانكم من لا يجد لأبنائه ما تجدون، فيقعده فقره عن تلبية حاجياتهم، ويحبسه عوزه عن توفير ضرورياتهم، فتضيق نفسه باقتراب موعد المدارس، وغيره بها يستبشر، وتحزنه حاجة أبنائه بين زملائهم، وغيره بالسعة يفرح، فليعن كل مستطيع مقتدر إخوانه أولي الحاجة، لينفق – بارك الله فيكم – ذو السعة من سعته، وليتصدق من بسط الله له مما في يديه، يقول ذو الجلال والإكرام: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، ويقـول سبحانـه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

فاتقوا الله -عباد الله-: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.


الحمد لله، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، وعلى آله وصحـبه ومن والاه.
أما بعد، فاعلموا – عباد الله – أن نواة العملية التعليمية، وأساس قيامها، ومدار تقدمها، هو المعلم الناجح، فلولا المعلم ما رفعت للعلم منارة، ولا انتشر له ذكر، ولا وجد له في حياة الناس أثر، ولولا المعلم ما تقدمت الأمم، ولا قامت الحضارات، ولا ازدهرت المجتمعات؛ لذا جاء في الحديث عن نبيكم عليه الصلاة والسلام قوله: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير). المعلم يبذل وقته، ويجهد فكره، ويترك راحته؛ لأجل أن يعطي طلبته من التوجيه حقهم، ومن التعليم نصيبهم، فأي فضل يداني فضله، ومن ذا الذي يقارب منزلته، ويكافئ عطاءه؟ فحق للمعلم أن يقدر ويحترم، ويعز ويكرم، ويعطى من الإجلال ما هو به جدير، ويبوأ في المجتمع مكانته التي به تليق. فاقدروا – أيها الأحبة – للمعلم قدره، وعلموا أبناءكم كيف يحترمون معلميهم، فمن لا يحترم معلمه لن يأخذ منه علما، ولن يستفيد منه نصحا ولا توجيها، علموهم كيف يحفظون الفضل لأهله، وكيف يشكرون من يسدي لهم خيرا ونفعا، فيكونون لجهد معلميهم ذاكرين، ولسعيهم شاكرين، و(من لا يشكر الناس لا يشكر الله). أما أنتم أيها المعلمون، فإن أمانتكم التي تحملون عظيمة، ومسؤوليتكم التي تتحملون جسيمة، إنكم تكونون الفكر، وتصنعون التوجه، وتغرسون القيم، وتحفظون الخلق، قبل أن تنقلوا العلم، وتلقنوا المعلومة، فأخلصوا لله قصدكم، وابذلوا الخير جهدكم، ولئن واجهتم في هذا السبيل نكرانا أو إيذاء؛ فإن رسل الله قد واجهوا من ذلك أضعافا، وهم خير المعلمين، وأفضل الناصحين الموجهين، فهنيئا لكم أن يكون سبيلكم كسبيلهـم.
فامضـوا – بارك الله فيكم – في طريقكم الذي ارتضيتموه، واعلموا أن سعيكم لا يقدر بمادة، وأن عطاءكم لا تجازيه مكافأة، ولكم خير الجزاء عند مليك مقتدر، (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ووحد اللهم صفوفهم، وأجمع كلمتهم على الحق، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.
اللهم ربنا احفظ أوطاننا وأعز سلطاننا وأيده بالحق وأيد به الحق يا رب العالمين، اللهم أسبغ عليه نعمتك، وأيده بنور حكمتك، وسدده بتوفيقك، واحفظه بعين رعايتك.
اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).