بومبيو ينجح حيث فشل تيلرسون

ديفيد إجنيشس – واشنطن بوست –
ترجمة قاسم مكي –
حين تحدث وزير الخارجية مايك بومبيو في أثناء مراسم أدائه القسم يوم 2 مايو الماضي نصح زملاءه الجدد في فوجي بوتوم (وزارة الخارجية الأمريكية) بقوله «أريد من وزارة الخارجية أن تستعيد خيلاءها». وزارة الخارجية «لا تمشي الخُيَلاء» في الحقيقة لكن مسؤولي سلكها الوظيفي يقولون ان معنوياتها تحسنت من مستوى الحضيض الذي تدنت إليه مع سلفه ريكس تيلرسون. ويبدو بومبيو، وهو العضو السابق الصخب في مجلس النواب، كابحا لجماح خيلاءه هو نفسه في الوزارة. لقد ظل شعاره في الغالب وحتى الآن نسخة من عبارة « لا تنبس ببنت شفة». يقول وزراء خارجية عديدون أنهم يريدون ممارسة الدبلوماسية الهادئة. ذلك يقينا هدف تيلرسون. لكن بومبيو جعل منه «مبدأً شغالا». يتصرف بومبيو في وزارة الخارجية على نحو ما كان يفعل حين كان مديرا لوكالة الإستخبارات المركزية. فدوره كان (وقتها) على الأغلب دور المبعوث الرئاسي السري. وهو يدير محادثات نزع التسلح النووي الكوري الشمالي، الملف الأكثر حساسية للإدارة الأمريكية، من حقيبة أوراقه تقريبا . وربما ماهو أكثر أهمية أن في مقدوره التعبير في موثوقية (وفي السر غالبا) عن أفكار ورغبات الرئيس. وهذا شيء ما كان تيلرسون ليفعله أبدا. حدة بومبيو الآيدولوجية الفظة التي دفعت به إلى مجلس النواب كجمهوري من حزب الشاي في عام 2010 لا تزال معه. لقد ظهر ذلك بوضوح في إجاباته اللاذعة في جلسة استماع لمجلس الشيوخ الشهر الماضي. لكن في وزارة الخارجية كما في وكالة الاستخبارات المركزية أدهش بومبيو المراقبين بمناصرته لموظفين كانوا في البداية متشككين فيه. من الصعب استخلاص استراتيجية بومبيو بسبب تحفظه . لكن يمكنك أن ترى خطوطها العريضة في تعليقاته العلنية. دعونا نبدأ بوزارة الخارجية نفسها.

لقد قال بومبيو منذ أول يوم له بالوزارة أنه يريد رفع معنويات وزارة الخارجية المتردية وسعى لمشورة دائرة واسعة من مسؤوليها السابقين بمن فيهم البعض ممن كانوا شديدي الانتقاد للرئيس ترامب. وحيثما كانت هنالك وظائف رئيسية تركها تيلرسون شاغرة وظَّف بومبيو نفوذه في البيت الأبيض والكونجرس لتعيين شاغلين لها. ومن المرجح أن يتم تأكيد شغل أكثر من دستة وظائف في الأيام القادمة ربما تشمل أربعة « سفراء مهنيين» كبار. وكان اختيار بومبيو لديفيد هيل وكيلا للشؤون السياسية بالوزارة ، وهي تقليديا أعلى وظيفة في سلك الخارجية، ذا دلالة. «هيل» دبلوماسي من المدرسة القديمة. وكسفير في لبنان وباكستان كان قد تمكن في حذق من إدارة اثنتين من أكثر ملفات أمريكا حساسية. وسيشجع وجوده (في المنصب) الدبلوماسيين الأمريكيين والأجانب على السواء. إن كوريا الشمالية هي الاختبار الأقسي لبومبيو. كمدير لوكالة الاستخبارات المركزية كان القناة السرية لترامب مع كيم جونج أون. والآن لديه المهمة المعقدة المتمثلة في ترجمة حماس ترامب في قمة سنغافورة إلى خطة نزع للسلاح النووي من الممكن التحقق منه. ولفهم سياسته من المفيد إيلاء اهتمام وثيق لملاحظاته الموجزة التي أدلى بها الأسبوع الماضي في آسيا. لقد أشار بومبيو خصوصا إلى أنه يبارك رغبة كيم في عملية تدريجية وممرحلة لنزع السلاح النووي ومرتبطة بتخفيف أوسع نطاقا للتوترات. وقال خلال مقابلة تلفزيونية يوم 3 أغسطس في سنغافورة أنهم منخرطون في أشياء ستعزز «الثقة بين بلدينا» وأن البرنامج الزمني النهائي « لنزع السلاح النووي سيوضع بواسطة الرئيس كيم، على الأقل جزئيا». وحين سئل من قبل صحفي أمريكي يوم 5 أغسطس عن احتمال وجود تنازلات متبادلة بموجب «مقاربة ممرحلة» قبل بلوغ النهاية ، رد بومبيو بقوله «نعم. ذلك صحيح» . هذه ليست بالضبط خارطة طريق. ولكنها (طريقة تعبير) بومبيو. وفيما هو يشير إلى استعداده لعملية الخطوة خطوة، يصر بومبيو على أن عقوبات الأمم المتحدة « ستظل قائمة حتى يكون لدينا نزع كامل للتسلح النووي في كوريا الشمالية»، حسبما ذكر في سنغافورة الأسبوع الماضي. ربما يخشى بومبيو من أن التخلي السابق لأوانه عن العقوبات سيمكِّن كوريا الشمالية من التملص من نزع التسلح النووي كما فعلت في المفاوضات السابقة. لقد حاول المسؤولون الكوريون الجنوبيون طمأنة بيونج يانج بوعدها بإصدار إعلان رسمي ينهي الحرب الكورية بنهاية هذا العام. قد يشجع هذا الإعلان على تقديم تنازلات مقابلة من كيم. لكن يمكنه أيضا أن يقوض مبرر استمرار العقوبات الأممية. إن بومبيو يلزم الصمت حول ما إذا كان راغبا في لعب هذه الورقة. الصداع الكبير الآخر لبومبيو هو إيران. وعلى الرغم من تصريح ترامب بأنه مستعد للمحادثات مع القادة الإيرانيين يستمر بومبيو في التعبير عن خط متشدد ومتشكك. لقد أبلغ الصحفيين يوم 5 أغسطس بأن أي تقدم في العلاقات سيتطلب «تغييرا ضخما من جانب السلطات الإيرانية». لكن، حسبما يقول، «لا يوجد دليل حتى الآن على رغبتهم في التغيير» . (إذن لنستعد ) إلى ضغط طويل الأمد وبطىء ، حسب قوله . ليس من السهل أن يكون المرء كبير الدبلوماسيين للرئيس (ترامب) الأشد افتقارا للدبلوماسية في التاريخ الحديث. لقد قضت هذه المحاولة على تيلرسون. لكن حتى الآن ينجح بومبيو في طمأنة وزارة الخارجية دون إغضاب الرجل الذي يشغل المكتب البيضاوي. ربما لأنه يتقاسم مع ترامب شخصية «كبير القوم» نجح في أن يكون ذلك المرؤوس «النادر الوجود» الذي يظل قريبا من الرئيس ولكن ليس قريبا إلى حد الاحتراق.