الحقوق الثقافيّة الكونيّة وديمقراطيّة التعدديّة

د.عبد الهادي أعراب –
ظلَّت الحقوق الثقافيّة إلى حدود قريبة، تصنَّف من ضمن الصنف المُهمَل من حقوق الإنسان، مُقارنةً بالحقوق المدنيّة والسياسيّة التي عرفت بالجيل الأوّل من الحقوق. ويُعزى هذا الإهمال للصعوبة الكبرى التي تلفّ بهذه الحقوق، ولاسيّما على مستوى التطبيق، فاختلافها من مجتمع إلى آخر وَسَمَها بقدر كبير من العموميّة، كما أنّ طبيعة ارتباطها بالقيَم والأخلاق والأديان أحاطها بكثيرٍ من الحساسيّة؛ من هنا نجد أنّ وجودها سواء في الإعلان العالَميّ لحقوق الإنسان أم الاتّفاقيّة الدوليّة للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، لم يكُن تامّاً، بل جاء بكيفيّة مجزَّأة وغير مستقلّة، بما جَعَلَها تابعة لحقوق أخرى، يُضاف إلى ذلك، سيادة فهْمٍ مُختزَل وضيّق لمفهوم «الثقافة»، قصر الحقّ الثقافيّ في حقٍّ فرعيّ هو «حقّ المُشارَكة في الحياة الثقافيّة».

نستطيع أن نؤكّد أنّ هذا الفهْم المُختزَل كان متعمّداً، ويَجِد مُبرّراته الأساسيّة في التخوّف السافر لدى بعض الأطراف من صنف الحقوق الثقافيّة، مُعتبرين أنّ التسليم بها ومن ثمّة الاعتراف بالهويّات الثقافيّة المُختلفة، يشجّع مبدأ الانشقاق ويعرِّض وحدة البلاد للخطر، كما أنّ أصواتاً أخرى أكثر تشدّداً، ظلّت ترى في توسيع الحقوق الثقافيّة أمراً من شأنه أن يُضعِف من قوّة حقوق الإنسان ويجمّدها مُستمسكين بـ«الخصوصيّة» و«الحساسيّات الدينيّة والمذهبيّة».
خلافاً لهذه المواقف التي تتغيّا فصل الحقوق الثقافيّة عن حقوق الإنسان، نرى أنّها تتمتّع بطابعٍ كوني من حيث المبدأ العامّ، فهي تشمل جميع الناس عبر العالَم وفقاً لظروفهم الخاصّة الاجتماعيّة والثقافيّة. ثمّ إنّها ليست مفصولة عن منظومة الحقّ الإنساني الذي يعتبره الفيلسوف الألماني «إمانويل كانط» كونيّاً، يدمج بالضرورة مفهومي الواجب والمسؤوليّة؛ لأنّ الحديث عن الحقوق يستلزم منطقيّاً تحمّل الفرد مسؤوليّات أخلاقيّة ما دامت حقوقه ترتبط بحقوق الآخرين الذين يعيشون إلى جانبه.
هكذا ظلّت تخترق الحقوق الثقافيّة وحقوق الإنسان على نحوٍ عامّ، إشكاليّة يُمكن اختزالها في حدَّي «الخصوصيّة» و«الكونيّة»؛ ولئن كان هناك من يرى أنّ جوهر الحقوق كونيّتها من دون خصوصيّة أو استثناء، والبعض الآخر يرتاب من الكونيّة واجداً فيها مبدأ ينطوي على أبعاد هيمنيّة واستعماريّة، فغير بعيد عن هذَين الموقفَين المتقابلَين، هناك موقف ثالث توفيقي، يَعتبر أنّ الكونيّة لا تنفي الخصوصيّات الثقافيّة. نجد فلسفة هذا الموقف واضحة في الإعلان الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا من 14 إلى 25 (يونيو) 1993: «جميع حقوق الإنسان عالميّة وغير قابلة للتجزئة..، وعلى المجتمع الدولي أن يُعامل حقوق الإنسان على نحو شامل وبطريقة مُنصِفة ومتكافئة وعلى قدر المساواة (…) ويجب أن توضع في الاعتبار أهميّة الخاصيّات الوطنيّة والإقليميّة ومُختلف الخلفيّات التاريخيّة والثقافيّة والدينيّة…».
ولئن كان المُعترضون على كونيّة الحقوق الثقافيّة يتذرّعون بالخصوصيّة والاختلاف، فإنّنا لا يُمكن أن نلغي البُعد الإنساني الذي يؤسّسها لمصلحة جنس الإنسان؛ وعليه فالاختلافات الثقافيّة لا تلغي الاستفادة من كونيّتها، شريطة ألّا تأخذ طابع الإكراه أو الدَّمج القهري الذي يلغي الاختلاف الثقافي كحقٍّ في ذاته. كما نعتبر الحقوق الثقافيّة نواةً أساسيّة صلبة لحقوق الإنسان، فمسعاهما واحد يتمثّل في احترام كينونة الإنسان وإنسانيّته التي لا يُمكن اختزالها في محض شروط اجتماعيّة أو بيئيّة أو جغرافيّة. ولئن كان صحيحاً أنّ الحقوق الثقافيّة هي حقوق الأشخاص فرادى أو جماعات في التمتّع بثقافتهم الخاصّة، فصحيح أيضاً أنّها تشمل حقّهم في الاستفادة من الثقافة الإنسانيّة العالميّة، دونما تعصّب أو تمييز أو إكراه. وبالتوقّف عند أهمّ المواثيق الدوليّة لحقوق الإنسان، نجد الحقوق الثقافيّة التي تتوافق عليها كلّ القواعد الدوليّة والقوانين الوضعيّة تتلخّص في:
– المساواة في الحقوق بين الأُمم كبرت أم صغرت.
– حقّ الأشخاص في التمتّع بثقافتهم والإعلان عن ديانتهم واستعمال لغتهم.
– اعتبار جميع الثقافات بتعدّديتها وتنوّعها، جزءاً من التراث المُشترَك للبشريّة.
– صيانة كرامة كلّ ثقافة والمُحافظة عليها.
– حقّ كلّ شعب في تطوير ثقافته وضرورة تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب.
ففي المادّة (27) من الإعلان العالَمي لحقوق الإنسان (10 يناير1948)، ثمّة تنصيص واضح على أنّ: «لكلّ فرد الحقّ في المُشارَكة بحريّته وإرادته في الحياة الثقافيّة للمجتمع والتمتّع بالفنون والمُشارَكة في التقدّم العِلمي ومَنافعه، فضلاً عن أنّ لكلّ فرد الحقّ أيضاً في أن يحمي المصالح الأدبيّة والماديّة التي تنشأ عن أيّ إنتاج عِلمي أو أدبي أو فنّي هو مؤلّفه ومُبدعه». وقبله المادّة (22) تؤكّد أن: «لكلّ فرد الحقّ في فهْم واستيعاب الحقوق الثقافيّة من خلال جهدٍ قومي وتعاون دولي -لا غنى عنه لعزّته- وللنموّ الحرّ لشخصيّته».
لا ننسى كذلك بنود المواثيق الإقليميّة، كالبند (13) من الإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان وواجباته 1948: «لكلّ شخصٍ حقوق المُشارَكة في الحياة الثقافيّة للمجتمع والتمتّع بالفنون والمُشارَكة في الفوائد التي تنشأ عن التقدّم الفكري، وخصوصاً الاكتشافات العِلميّة»، والبند (14) من الاتفاقيّة الإضافيّة للاتفاقيّة الأمريكيّة لحقوق الإنسان أو ما عُرف بـ«بروتوكول سان سالفادور». والبند (17) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب1981: «لكلّ فرد الحقّ في المُشارَكة الحرّة في الحياة الثقافيّة لمجتمعه، وعلى الأفراد واجب الحفاظ على القيَم الثقافيّة الأفريقيّة الإيجابية وتقويتها بعلاقتها بأعضاء المجتمع الآخرين، بروح التسامح والحوار والتشاور والإسهام في رفاهيّة المجتمع ورقيّه». في السياق ذاته، نجد الوثيقة الختاميّة لاجتماع منظّمة الأمن والتعاون الأوروبي في مؤتمر كوبنهاجن 1990، وقد نصّت على مبدأ عدم التمييز وتحقيق المساواة غير المُقتصرة على حماية الهويّة الثقافيّة واللّغويّة …، بل سعت إلى توفير الظروف والشروط لحمايتها. الاهتمام ذاته جسّده ميثاق باريس الذي اعتمدته منظّمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE في اجتماع 21 (نوفمبر) 1990، بإعلان وجوب حماية الهويّة الثقافيّة واللغويّة والدينيّة والإقليميّة.
وممّا ينبغي ذكره، أنّ التنوّع الثقافي رهانٌ مهمّ يأتي موافقاً لإعلان اليونسكو، فمادّته (1) ترى: «أنّ التنوّع الثقافي إرث عامّ للإنسانيّة، والثقافة تستقي التنوّع عبر الزمان والمكان الذي يتجسّد في تفرّد هويّات المجموعات والمجتمعات المكوِّنة للبشريّة وتعدّدها. إنّه ضرورة للبشريّة كضرورة التعدّد الحيوي للطبيعة باعتباره مصدراً للتبادل والتجدّد والابتكار. لذا فمِن الوجوب الاعتراف بالإرث العامّ للبشريّة وتأكيده لمصلحة الأجيال الحاليّة والقادِمة»؛ كما تنصّ المادّة (2) على أنّ هذا التنوّع مدخل أساسي لترسيخ التفاعل بين الناس والمجموعات من ضمن الهويّات الثقافيّة المتعدّدة والنشطة، دونما تعارض مجتمعي مع إطار العمل الديموقراطي؛ فالتعدديّة الثقافيّة تُهيّئ الأرضيّة للتبادُل الثقافي وتُشجِّع ازدهار القدرة الابتكاريّة التي تحفظ الحياة العامّة. أكثر من ذلك نجد المادّة (3)، تعتبر التنوّع الثقافي ضرورة أخلاقيّة مُلازِمة لاحترام كرامة الإنسان، لذا ينبغي ضمانها بموجب حقوق الإنسان.
ختاماً، نؤكّد أنّ مراعاة الخصوصيّات الثقافيّة نافذة أساسيّة لبلورة الاستراتيجيات التنمويّة، ولاسيّما أنّ القيَم الثقافيّة رأسمال بشري لا يقلّ قيمة عن الرأسمال الماديّ؛ يشهد على ذلك أنّ كبرى الاستراتيجيات التنمويّة والأمنيّة على حدّ سواء، تضع في اعتبارها عناصر الثقافة والقيَم والدّين لتلافي المعوّقات الداخليّة التي قد تُعرِّضها للفشل. لكنْ يبقى أن نتساءل: إلى أيّ مدى تتّجه المساعي لتكريس الكونيّة الحقوقيّة للإفادة من وجهها الإيجابي طالما أنّها تسمح بتعميق ديمقراطيّة التعدديّة والتعايش بين المجموعات الثقافيّة على أساسٍ تعاقدي بعيداً عن نزعات الهَيمنة أو التعصّب؟

■ كاتب وأكاديمي من المغرب