تركيا: اقتصاد قوي يواجه عاصفة عابرة

د. صلاح أبونار –
في 10 أغسطس أعلن ترامب قراره برفع الرسوم الجمركية على صادرات تركيا إلى أمريكا، من الصلب بنسبه 50% والألومنيوم بنسبه 20%. ولم يكن القرار مفاجأة، فلقد كانت مقدماته الاقتصادية العامة حاضرة في قرارات مماثلة طالت صادرات الصين والاتحاد الأوروبي. وكانت مقدماته الإجرائية الخاصة حاضرة في قرار الممثل التجاري للولايات المتحدة في الأول من أغسطس، ببدء مراجعة مكتبه لصلاحية تركيا القانونية للمشاركة في برنامج النظام العام للتفضيلات.

وكانت مقدماته السياسية حاضرة في أزمة القس الأمريكي اندريو برونسون المحتجز في تركيا منذ عامين، و كانت قيد التفاوض منذ فترة حتى تدخل فيها ترامب علنا في 18 يوليو، لتخرج بقوة إلى مجال الفعل السياسي المباشر.
في نفس يوم إعلان القرار فقدت الليرة التركية 13% من قيمتها في مواجهة الدولار، ليصبح إجمالي ما فقدته منذ يناير الماضي 45%. وكان قرار ترامب سياسيا بامتياز، وجاء رد فعل اردوغان من نفس النمط. وهكذا عندما نحلل تصريحاته سنجدها مزدحمة بعبارات مثل: (حرب مخططة)، توظف (الدولارات واليوروهات والذهب من اجل إخضاع تركيا). والأمر المؤكد أن فقدان أي اقتصاد 45% من قيمة عملته خلال 6 اشهر منها 13% في ليلة واحدة، يعني وجود أزمة ليست هامشية. إلا أن هذا لا يفيد بالضرورة انه اقتصاد ضعيف، بل فقط اقتصاد تتخلله اختلالات في بنيته الداخلية وعلاقاته الخارجية. تمنحنا الإحصائيات مؤشرات كافية على قوة الاقتصاد التركي. وصلت قيمة الناتج القومي الإجمالي 2017 إلى 2.133 تريليون دولار، محتلا المرتبة 14 عالميا. ووصل متوسط معدل نمو هذا الناتج خلال الفترة من 2010 إلى 2016 إلى 7%، مناطحا معدلات الصين والهند في افضل سنواتها. وفي 2017 حقق 7.4% متخطيا التوقعات الداخلية والعالمية. وتتخطى إنتاجية العمل التركي مستوى اغلب دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي 2017 وصلت نسبة إجمالي الادخار إلى الناتج القومي الإجمالي 25.1%، ونصيب الفرد منه إلى26.500 دولار. وتساهم الزراعة في تكوين الناتج القومي بنسبة 6.7%، ويعمل فيها 18.4% من قوة العمل. والصناعة بنسبة 31.8% ويعمل فيها 26.6% من قوة العمل، والخدمات بنسبه61.4% ويعمل فيها 54.9% من قوة العمل. ويتسم قطاع الأعمال بالقوة والديناميكية، وعلى مدى العقد الماضي أخذ في الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والتنويع والتوسع العالمي، ولكن قاعدته التكنولوجية الحديثة الذاتية لا زالت محدودة. وفي 2017 وصل حجم الصادرات 137.3 بليون دولار، وإجمالي الاستثمارات الأجنبية 143.7 بليون دولار.
جاء التجلي الأكبر والأبرز للأزمة التركية في انهيار سعر الليرة في مواجهة الدولار الأمريكي. في يناير 2018 كان الدولار يساوي 3.7 ليرات، ثم أخذت في الانخفاض لتصل بعد قرار ترامب إلى 45% من قيمتها في مطلع العام. وسرعان ما تجلت أزمة الليرة في أزمات أخرى. ارتفاع قيمة الديون الخارجية بنسبة 20%، وتراجع قدرة البنوك الأجنبية على تقديم القروض، وقدرة المقترضين على السداد، وأصبحت البنوك التركية معرضة لأزمات نتيجة لاحتمالات عجز عملائها عن السداد. كيف يمكننا تحليل انخفاض الليرة؟ عبر وضعه في ثلاث مسارات تحليلية.
سنجد المسار الأول في السياق الاقتصادي الكلي، وهنا يمكننا رصد تأثير عدة عناصر أساسية. منها – أولا – تأثير ارتفاع معدل التضخم. وصل معدل التضخم 2017 إلى 15%، بينما استهدف البنك المركزي 5%. وكان لهذا تأثيره السلبي. فلقد أعاق الاستثمار، واهتزاز ثقة المستثمرين الأجانب في الإدارة الاقتصادية، وتراجع الثقة في العملة التركية. ومنها – ثانيا – تأثير الخلل في الميزان الجاري. في عام 2017 وصلت قيمة الصادرات إلى 173.3 بليون دولار، بينما كانت الواردات196.8بليون دولار. شكل الخلل في حد ذاته قوة دافعة لانخفاض الليرة، والأخطر تحوله مع انخفاض قيمتها إلى قوة مضاعفه للعجز، وبالتالي دافعه للمزيد من انخفاضها. ومنها – ثالثا – كثافة الاعتماد على التمويل الخارجي للتنمية. كان لهذا التمويل مزاياه في فترة معينة، ومع مرور الوقت ظهر عاملان مارسا تأثيرهما السلبي. عامل الخلل بين الاحتياطي النقدي وحجم الديون الخارجية، ففي 2017 لم يتعد الاحتياطي النقدي 196.8 مليار دولار، بينما وصل الدين الخارجي 429.6 مليار دولار. وعامل تغير شروط التمويل الخارجي. جاء هذا الاعتماد المكثف في سياق ظاهرة الأموال السهلة التي انتشرت بعد أزمة 2009 المالية. قادت سياسات الإصلاح المالي أعقاب الأزمة، إلى تخفيض كبير في سعر الفائدة داخل أمريكا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع رؤس الأموال الأوروبية للاتجاه للدول الصناعية الجديدة بحثا عن فائدة أعلى. وهكذا حدث تدفق مالي كثيف بمعدلات فائدة معتدلة، ولهذا سميت بالأموال السهلة. استمرت الفترة اكثر من المتوقع، ولكنها الآن على وشك أن تنتهي مع سياسة رفع سعر الفائدة الأمريكية، الأمر الذي خلق تيارا للعودة للشمال. وهكذا وجدت تركيا نفسها بين فكي كماشة. فالاحتياطي لديها لا يلبي احتياجاتها، ورؤس الأموال لم تتراجع تدفقاتها الجديدة فقط بل شرع أيضا قديمها في الرحيل، وفي أعقاب انقلاب 2016 تصاعد الإنفاق العسكري على حساب الإنفاق التنموي. وترتب على هذا ارتفاع معدل الطلب على التمويل الخارجي، وشكل هذا قوة ضاغطة على العملة التركية.
نجد المسار الثاني في السياسات الاقتصادية الرسمية. المؤكد أن تلك السياسات لعبت أدورا استراتيجيا في صنع النهضة الاقتصادية، ولكن في السنوات الأخيرة بدأت تظهر بعض ممارساتها التي ساهمت في تخليق الأزمة. ويشدد المحللون على أمرين: تراجع استقلالية البنك المركزي التركي، والإصرار على بقاء سعر فائدة منخفض على الاقتراض. قبل محاولة الانقلاب كانت هناك توترات بين اردوغان والبنك المركزي التركي حول السياسة المالية، وفي عام 2015 وصل الصراع بينهما إلى حد نعته لاديم باسيك محافظ البنك بالخيانة لرفضه تخفيض الفائدة. إلا أن البنك كان محصنا دستوريا ضد الخضوع للسلطة التنفيذية، ولكن بعد الانقلاب الفاشل وتبني النظام الرئاسي تمكن من انتزاع حق تعيين المحافظ. وخلق هذا قلقا قويا في الأوساط المالية الغربية، حيث أعطى في سياق النفور الغربي من سياسات ما بعد الانقلاب، مؤشرا مؤكدا لتغليب السياسي على الاقتصادي، لدى جهات اقتصادية تستثمر البلايين في تركيا، وأخرى سياسية رسمية مثل أنجيلا ميركل التي أعربت إعلاميا عن أملها في ضمان استقلالية البنك. ولم يكن الأمر خوفا افتراضيا. فعلى الرغم من عمليتي الرفع المحدودة لسعر الفائدة على الإقراض التي تمت في الشهور الخمسة من عام 2018، جاء إصرار اردوغان على عدم الوصول به إلى النسب المطلوبة من قبل الدوائر المالية الغربية والدولية، مؤكدا على صحة تلك المخاوف. ويرى تقرير منشور في شاتهام هاوس، أن موقف اردوغان حطم مصداقية البنك المركزي التركي في تلك الدوائر، ويضع خروج 15 مليار دولار من مجال الاستثمار الأجنبي في تركيا عام 2015 في هذا السياق.
وسوف نجد المسار الثالث في عالم السياسة. هنا سيتقدم ترامب ليحتل الواجهة، فهو عندما اعلن قرارته الاقتصادية السابقة بشأن تركيا، كان واقعيا يعاقب تركيا على خلافات سياسية قديمة، ولم يشكل موضوع القس برونسون سوى شكل إخراجها الإعلامي. ومع ذلك جاء ذلك ليفاقم وضعا اقتصاديا متأزما أصلا، والأخطر ليجعله موضوعا لتفاعلات اقتصادية عالمية، وبعبارة اخرى تقليل نطاق السيطرة التركية عليه. ولكن السياق السياسي كان شأن اردوغان فيه اكبر من شأن ترامب. وهنا يمكننا الإشارة إلى بعدين. يتعلق الأول بسياساته الإقليمية، وخاصة المرتبطة بالأزمة السورية. أسفرت تلك السياسات في مراحل ومواقف معينه، عن دخول تركيا في توترات مع قوى إقليمية أسفرت عن خسائر اقتصادية.
وفي أعقاب إسقاطها للطائرة الروسية، فقدت ما بين 9 /12 بليون دولار من تجارتها الروسية. وفي فترة توتر علاقاتها مع إيران، انخفضت قيمة تبادلاتها التجارية معها من 21.9 بليون دولار عام 2012 إلى 9.7 عام 2015. وتكرر ذلك مع بعض دول الخليج في سياق الأزمة السورية، حيث انخفضت صادراتها إليها من 12.8 بليون دولار عام 2013 إلى 9 بلايين عام 2015.
ويتعلق البعد الثاني بالتحولات السياسة التركية في أعقاب محاولة الانقلاب. نظاميا أسفرت عن الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي. ولا يشكل ذلك في حد ذاته مشكلة، والأرجح انه كان ضروريا في مناخ ما بعد الانقلاب واحتمالاته الخطرة. والاهم تحول الآليات السياسية المسيطرة داخل النظام السياسي. أضحت تلك الآليات اكثر نزوعا للسيطرة، وأميل للمصادرة السياسية العامة وإقصاء النخب المنافسة والمعارضة. وترتب على ذلك شعور بعدم الارتياح في الدوائر الغربية، فهو يعني مناخا غير آمن للاستثمار الخارجي، والأهم مدخل لتقليل عقلانية الإدارة الاقتصادية، وضيق هامش المساومة والتوافق مع النخب الحاكمة في لحظات الأزمات.
يواجه الاقتصاد التركي أزمة عاصفة، ولكن تفيد مؤشرات البنية الكلية للنظام، وقدرات وتماسك وشرعية النخبة السياسة الحاكمة، انه قادر على مواجهتها وان بخسائر غير هينة. وفي كل الأحوال لسنا أمام أزمة صنعتها قوى خارجية. تلك العناصر الخارجية حاضرة، ولكن الأزمة جوهريا نابعة من التوازن الهيكلي للنظام. وسوف يحتاج تجاوزها إلى قرارات صعبة تشق طريقا جديدا لنموذج التنمية المتبع.