الهند عملاق آسيا القادم .. نموذج أثبت نجاحه !

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

الكل يتحدث عن الانطلاقة الكبرى للهند خلل العقدين الأخيرين بشكل خاص وتزاحم الكبار في مجال التقنية والفضاء والتكنولوجيا ، حيث يعج وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا بالشباب الهندي المتحمس ، الذي استطاع أن يهيمن على قطاع التقنية الجديدة ، كما نجح في نقل ذلك إلى المدن والقرى الهندية في بانجالور ودلهي مما جعل الهند تتبوأ مكانة مرموقة في عالم التقنية الرقمية واعتبر الهنود من افضل المبرمجين مهارة في العالم .

ومن هنا فإن الأخذ بناصية التقنية هو الذي مكن الهند من تطوير قدراتها في مجال الصناعة والزراعة وإطلاق الأقمار الصناعية وغيرها .
إن من أهم العومل الأساسية لنهضة الهند الحديثة هو استقرار النظام السياسي كأكبر الديمقراطيات في العالم ، فقد ابتعدت الهند عن الإشكالات الكبرى وقضايا الإرهاب عدا الخلاف المزمن مع جارتها باكستان ، حول قضية كشمير وهي من الموضوعات المعقدة بين الدولتين الجارتين ، ورغم ذلك انطلقت الهند في شراكات اقتصادية كبرى مع روسيا والولايات المتحدة والصين وتركيا وإيران والسلطنة بالطبع مما جعلها السوق المفضل لعدد من المنتجات الغذائية والزراعية والبرمجيات والحلول الرقمية وتصديرها لدول العالم المختلفة بما فيها أوروبا والولايات المتحدة .

بلد التنوع والتعدد
تحوي الهند الكثير من مظاهر ومجالات التنوع والتعدد ، سواء في مجال اللغات ، أم في مجال التنوع الديني أم العرقي أم الاجتماعي ، ومع ذلك فهناك تقبل متبادل ، واضح وتام ، لقناعات الآخر لان البديل هو عدم استقرار ومن هنا كان السياج هو النظام السياسي الديمقراطي الذي يحكمه الدستور الهندي ، والذي استمد عددا من مواده من النظام البريطاني ، فقد كانت هناك علاقة طويلة بين نيودلهي ولندن استمرت لاكثر من 140 عاما ، سيطرت فيها بريطانيا على الهند حتى عام 1947 الذي شهد استقلال الهند تحت زعامة غاندي الأب الروحي للهند الحديثة .
الهند بعدد سكانها الكبير الذي يتجاوز الألف مليون نسمة ، قد اعتبره البعض حتى داخل الهند بأنه معوق للتنمية من خلال زيادة نسبة الفقر ومشاكل الغذاء وغيرها ، وقد عانت الهند كثيرا في هذا الجانب ومع ذلك فاني أرى التقنية هي التي انتشلت الهنود من كل تلك المشاكل . صحيح أن مسألة الفقر موجودة ، حتي في الدول الغنية في منطقتنا العربية وبإعداد سكان أقل بكثير ولا يقارن ، ومع ذلك نحن نتحدث عن الذكاء الفطري للشعوب وكيف أدركت الحكومات الهندية المتعاقبة بأن الحل يكمن في التقنية . وعند زيارتي لوادي السيلكون ومراكز التقنية الشهيرة في الولايات المتحدة فإن الإنسان الهندي متواجد هناك بفضل مهارته الكبيرة خاصة ، وإن عملاق البرمجيات بيل جيتس هو من أصول هندية ، وذهب في زيارة للهند وأقام القرى الذكية للتكنولوجيا والتي مهدت لإقامة وادي السيلكون الهندي المصغر في بانجالور الذي اصبح الحاضنة الرقمية للشباب الهندي .
إذن قصة الهند مهد التطور الاقتصادي المذهل يكمن في تغيير المنهجية ، فموضوع الابتكار والذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة واستغلال التقنية والاستثمار في البشر قبل الحجر ، هو الذي اطلق هذا العملاق الآسيوي لينضم الى عمالقة آسيا الآخرين مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرهم من النمور الآسيوية .

التحول المجتمعي
يندهش الزائر الى القرى الهندية البعيدة وهو يرى التقنية وشبكة المعلومات الدولية متاحة للجميع ، حتى لكبار السن، إذن هناك شعور مجتمعي بأن حل مشاكل المجتمعات في القرى يكمن في التقنية وهناك فرق تعليمية تذهب لتعليم الناس على هذه التقنية والتي أصبحت جزءا أصيلا من حياة الهنود ومن هنا فإن التحول المجتمعي نحو أي تغيير هو الذي يحفز الجميع على تبني ذلك التحول من خلال الحملات الإعلامية الصوتية والمرئية والممارسات الفعلية ، وهي الأكثر تأثيرا لان الجميع آمن بأن الطرق التقليدية لرفع كفاءة الفرد والانتقال به إلى عالم أفضل ، لا يمكن أن تحدث في ظل الأعباء السكانية والمشكلات الاجتماعية ، ومن هنا فإن الحل التقني كان هو الشرارة التي انطلق وراءها الجميع .
إن وجود القرى الذكية في الهند اصبحت ظاهرة ومن هنا تتحقق الاهداف الوطنية في ان تكون الهند أحد مراكز الثقل في المجال التقني والرقمي في العالم ، والذي يزور وادي السيليكون الهندي المصغر في بانجالور سوف يدرك حقيقة ذلك التحول وقد صرفت الهند اموالا كثيرة ، لتحقيق ذلك المشروع التقني الوطني لانها ادركت بأن الهند لابد ان تكون احد رواد التقنية في العالم ، خاصة وان لديها البشر الاذكياء والذين اثبتوا جدارة لافتة للانتباه عند التحاقهم بوادي السيلكون في ولاية كاليفورنيا ، وعلى ضوء هذه الحقائق فليس مستغربا ان تكون الهند وهي دوله نووية و احد الاعضاء الدائمين في مجلس الامن في المستقبل ، وان تكون من افضل عشر اقتصاديات في العالم ، والذي يميز الهند انها تعمل بصمت وتواضع وهذا شئ يميز الهنود كثقافة .
التعليم والارادة السياسية
التعليم يبقى المحور الاساسي لنهضة أي شعب والتعليم في الهند متطور وخاصة في مجال البحث العلمي . ومن هنا جاءت التكنولوجيا لتعطي اضافة للتعليم في الهند من خلال وجود التكنولوجيا في المنهج الدراسي ، والذي لم يعد تقليديا حتى المدارس الهندية خارج الهند تعد مدارس راقية خاصة ، مع وجود اللغة الانجليزية ، والتي تعد من اللغات التي يتم الاعتماد عليها في كل مجالات الحياه الحديثة في الهند .
ان التحولات الاجتماعية تحتاج الى ارادة سياسية اولا ، وبعد ذلك تبدأ عملية التوعية من خلال الوسائل المختلفة ، ولاشك ان ذلك التحول في دولة تعد بمثابة القارة وبسكان كبير ليس مسألة سهلة بل تعد عملية معقدة خاصة في القرىوبين غير المتعلمين . ومع ذلك كانت مسألة التحول لارجعة عنها لانها الآليه الوحيدة التي تحسن من مستوى المعيشة لملايين الناس خاصة في القرى والبلدات المحرومة .
لقد كان التعليم هو المفتاح السحري لتطورات كبرى في المجتمعات في الشرق والغرب علي حد سواء وقد كان العرب والمسلمون في عز ازدهارهم العلمي والحضاري في الاندلس وافريقيا بفعل العلوم والادوات الحضارية والثقافية وهذه هي دروس التاريخ والهنود انفسهم كانت لهم حضارة مزدهرة في بلادهم . إذن العلوم والأدوات الحضارية والتعليم هي التي تهيئ الشعوب نحو التقدم ومزاحمة الاقوياء والبعد عن الصراعات والحروب والمشكلات التي تراها الآن في المنطقة العربية، ومن هنا لا يمكن تسجيل تحول تاريخي مرحلي في منطقة تسودها الحروب والخلافات السياسية ولكن ذلك التحول حدث في الهند ذات النظام السياسي المستقر.
الذي وجد المفتاح السحري في التقنية الحديثة على الأقل لحل جزء من المشاكل المتعددة ، ومن هنا فإن النموذج الهندي هو جدير بالمتابعة ويمكن الاستفادة منه في بعض أجزائه لأن التحول في الهند من الصعب تطبيقه ؛ لأسباب وعوامل تتعلق برقي التعليم والمنهجية ووجود الاستثمار في البشر مع وجود دولة عملاقة ذات اقتصاد كبير وإنتاجية تنافسية في السوق العالمي مما يجعل الهند الآن في وضع افضل حتى أن مهندسيها وأطباءها وخبراءها يفضلون العمل في بلدهم نظرا لارتفاع الاجور والمناخ المناسب للعمل ويستثني من ذلك ذهاب البعض للولايات المتحدة وأوروبا بغرض المزيد من التعليم وأخذ الخبرة . حتى العمالة الأقل تكلفة والتي تجلب إلى دول الخليج للعمل في مجال الإنشاءات لم تعد متاحة كثيرا لان الأجور في الهند ارتفعت بحيث إنها أصبحت كافية لذلك العامل وأسرته إلى حد غير قليل . إذن هذا جزء من التحول المجتمعي الذي طرأ على المشهد الهندي وحتى العملة الهندية ارتفعت قيمتها مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عقدين هذا التحول الرقمي أحدث ثورة مجتمعية كبيرة في المجتمع الهندي وأنعش الاقتصاد وجعل الجميع يقبل على تعلم التقنية التي أصبحت الوسيلة الأكثر نجاحا في تغيير نمط الحياة إلى الأفضل وأصبحت الهند تنفذ مشروعها الإصلاحي دون ضجيج إعلامي ودون بهرجة في إطار من التقاليد الهندية الراسخة التي تجنح دوما إلى التواضع وعدم المبالغة واحترام قدرات الآخرين .
وأمام هذا النموذج الهندي فإن العرب مطالبون على الأقل بالتأمل لعل وعسى يحدث غير المتوقع ، ونشهد التحول المجتمعي نحو قضية فض الصراعات والخلافات السياسية ؛ لتكون مدخلا نحو التحول التقني لبناء أمة عظيمة تستحق أن يكون لها مكان تحت الشمس .