مكافحة الجرائم المالية والعملات المزورة

حيدر بن عبد الرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تمكنت قيادة شرطة محافظة مسقط بشرطة عمان السلطانية مؤخرا من إلقاء القبض على متهمين اثنين من جنسية إفريقية متلبسين بجريمة تزوير عملات عمانية. ومثل هذه الجرائم لا تحتاج إلى فريق كبير للقيام بها، بل يبقى العمل سريا مع اثنين أو ثلاثة أشخاص لتنفيذها، والتي تهز أحيانا الاقتصادات الوطنية. وتدخل هذه الجريمة ضمن الجريمة المنظمة التي تقوم بها بعض الجماعات والعصابات من عدد من الأشخاص، بحيث تكون منظمة ومرتكبة خلال حيز زمني متصل وطويل، ومن أجل جني منافع مالية أو مادية بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد تم تعريف الجريمة المنظمة وفق ميثاق الأمم المتحدة المعتمد في عام 2002، على أنها تشمل عدة جرائم مثل الاتجار بالبشر، والمخدرات، وتبييض الأموال، والسطو المسلح، بالإضافة إلى تزوير الوثائق والعملات، والغش.
وتعتبر قضية تزييف وتزوير العملات واحدة من اهم مصادر القلق الاقتصادي لدى الحكومات والقائمين على حماية الاقتصادات القومية، ولم تتراجع هذه القضايا منذ أن تم طباعة العملات في العالم، في الوقت الذي تتطور وسائل وأساليب التزييف من التقنيات الحديثة التي تستخدم في هذه الجريدة من الآلات والأجهزة الحديثة للطباعة. ونسمع في العالم كل يوم عن ضبط كميات من العملات التي تقوم تلك العصابات بتزييفها وتزويرها حيث تصل قيمتها أحيانا بعشرات الملايين من الدولارات.
واليوم مع وجود التقنيات الصغيرة والحساسة من خلال استخدام الكمبيوترات والأجهزة الماسحة الضوئية (سكانرز) ووجود الألوان ونوعيات ورق عديدة، فإن العصابات تحاول طباعة العملات وترويجها بطرق مختلفة، إلا أن أجهزة كشف هذه الجرائم تطورت هي الأخرى، حيث تتمكن معرفة العملات الورقية الأصلية من المزيفة، في حين أن الصفات الأمنية التي تتمتع بها العملات في كثير من الدول ومنها السلطنة أصبحت صعبة للمزورين، حيث أدخلت السلطنة الكثير من المعايير والصفات الأمنية على عملاتها الوطنية خلال السنوات الماضية. كما أنشأت السلطنة وحدة خاصة للتحريات المالية بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (79/‏‏2010)، تختص بتلقي البلاغات والمعلومات من المؤسسات المالية وغيرها من الجهات المعنية الأخرى في كل ما يتعلق بهذه القضايا التي منها قضية تزوير العملات، وتزويد الجهات المبلغة وجهات الرقابة المختصة بنتائج التحليل والتحري عن تلك البلاغات.
وتتحمل المصارف مسؤولية الكشف عن العملات المزورة، لأنه تبيّن لدى مصارف بعض الدول العربية أن إدخال العملات المزورة إلى البنوك يتم بعدة طرق، خاصة ممن يملكون أرصدة كبيرة تجعلهم فوق مستوى الشبهات. فهؤلاء الأشخاص لا ينتظرون في الطوابير أمام شبابيك البنوك بل يتعاملون مباشرة مع كبار المسؤولين في البنوك، ويتم التعامل معهم بثقة وبصورة مميزة وسريعة في إتمام إجراءات الإيداع، نظرا لضخامة المبالغ وصعوبة الكشف عنها وسط الملايين التي يتم إيداعها، وبالتالي يكون من الصعب أيضا ردها إلى هؤلاء الزبائن الكبار بعدما يتم استلامهم إيصالات الإيداع، إلا أن المسؤولين يستطيعون الإبلاغ عن أية شبهة لتبدأ الجهات المعنية في المراقبة والتحقيق مع المتهمين. واليوم فإن مثل هذه الجرائم لا تشكل ظاهرة في الكثير من الدول في ظل وجود أجهزة تكنولوجية حديثة جدا للكشف، إلا أن هذه الجريمة وطباعة العملات الورقية المزورة تشكل تهديدا حقيقيا لجميع عملات دول العالم بلا استثناء، الأمر الذي يدفع الدول إلى إضافة صفات أمنية كثيرة ومنها خيوط الأمان والعلامات المائية وغيرها في الصفات الأخرى. ونشير هنا إلى أن عمليات التزييف وتقليد العملة في السلطنة لا تمثل ظاهرة، حيث إن مثل هذه الحالات فردية ولا توجد هنا عصابات منظمة للقيام بمثل هذه الجرائم، ولكن الخوف يكمن في قيام عصابات دولية خارج الحدود بمثل هذه الجرائم، الأمر الذي يتطلب تقوية الوحدات الأمنية في المراكز والحدود للكشف عن الكميات القادمة من الخارج.
فهذه الجريمة بالتأكيد تدر دخلا كبيرا على أصحابها في بعض الدول وفي بعض فترات السنة، حيث تكثر فيها تزييف العملات الأجنبية من الدولار مع مجيء السياح، الأمر الذي يتطلب من المؤسسات المصرفية والجمهور توخي الحذر واليقظة، ومعرفة خصائص العملات الأجنبية أيضا. ويؤكد الخبراء في هذا الشأن أن عملية تداول العملات المزيفة في أي مجتمع لها آثارها السلبية العديدة، حيث يؤدي ذلك إلى خلق قوة شرائية كبيرة لا تقابلها زيادة في السلع والخدمات مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية، وبالتالي تؤثر على عملية الادخار وعلى ميزان المدفوعات وعلى قيمة العملة الحقيقية، حيث ينتج عن ذلك أحيانا ارتفاع الأسعار وزيادة التضخم، وخلل اجتماعي في توزيع الدخل القومي وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما يؤكد الخبراء أيضا أن انتشار العملات المزيفة يؤثر بشكل سلبي أيضا على مناخ الاستثمار، ويؤدي إلى فقد ثقة المستثمر المحلي أو الأجنبي في العملة الوطنية، فيحجم عن التعامل بكميات نقدية كبيرة خوفا من التعرض للتزييف، الأمر الذي يؤدي إلى هروب المستثمرين وبالتالي تقل فرص العمل وتتفاقم مشكلة البحث عن عمل في الدول.
ومثل هذه الجرائم كجريمة تزوير العملات تتطلب اليوم وجود إدارات متخصصة وتنسيق بين الأجهزة الأمنية والرقابية والمصرفية المختلفة، بحيث تقوم تلك الجهات بالإبلاغ فورا عن أي حالة تزوير تقع تحت يديها، وتسليم الأوراق المزيفة للبنك المركزي، ووضع الخطط الوقائية لجرائم تزوير العملات قبل حدوثها، فيما تتحمل وسائل الإعلام هذه المسؤولية بضرورة تعريف الناس بخصائص العملات الورقية والصفات الأمنية فيها، وكيفية التعرف على العملات الصحيحة من المزورة. كما أن كل فرد يجب عليه معرفة تلك الخصائص الأمنية والعلامات السرية في الأوراق النقدية أيضا مثل سمك الورقة والزخارف والنقوش والتكوينات الدقيقة الثابتة والألوان وغيرها. ومن المهم جدا عقد الدورات التدريبية بين فترة وأخرى للعاملين في المصارف تتناول طرق الكشف عن العملات المزيفة وكيفية استخدام آلات الكشف الحديثة. إن الجرائم المالية وجريمة تزييف العملات أصبحت اليوم وثيقة الارتباط بالتقنيات حيث يتم ارتكابها عبر وسائل الاتصالات الحديثة (الإنترنت) ولها تأثير سلبي كبير على القطاعات المصرفية والمالية، وعلى الأفراد والشركات والمنظمات والمجتمعات بأسرها بسبب ما يلحقها من خسائر مالية ضخمة.‏ وهناك العديد من المبادرات التي تقوم بها الشرطة الدولية (الإنتربول) في هذا الشأن لمكافحة الجرائم في مجالات غسل الأموال، وبطاقات الدفع الائتمانية، وتزييف العملات والوثائق المأمونة بالإضافة إلى مكافحة الاحتيال (كالاحتيال في مجال اليانصيب، وما يطلق عليه اسم ’’الرسائل النيجيرية‘‘). فالجريمة المالية والاقتصادية تتميز بخصائص تميزها عن بقية الجرائم إذ تنشط هذه الجريمة في ميدان المال والأعمال وتعنى بالممتلكات والشركات المختلطة، وجميع تلك الجرائم تلحق أضرارا بالاقتصادات الوطنية للدول، وتؤدي إلى نشوء عمليات اقتصادية غير شرعية مثل عمليات التهريب والرشوة وتزييف النقود والغش الضريبي وغسل الأموال والجرائم البنكية وغيرها. وقد تبين للمحققين في بعض الدول بأن الكثير من نوعية هذه الجرائم ترتكب في اغلب الأحيان من قبل أشخاص يتميزون بمكانة اجتماعية عالية في المجتمعات المحلية، ويتمتعون أحيانا بسلطات سياسية كبيرة والتي تمهد الطريق لهم الى ربط علاقات متينة وقوية مع أصحاب المال والجاه ومع أولئك الذين يتمتعون بصلاحيات واسعة في القرار.