أوروبا.. والحاجة للخطة «ب» للتعامل مع ترامب!!

صحيفة نيويورك تايمز – وولف جانج اسكنجر –
الأسبوعان الماضيان كانا فترة صعبة بالنسبة (للاطلنطيين) أو مؤيدي جبهة الأطلنطي في أوروبا، الذين ما زالوا يعتقدون أنه «ليس علينا التخلّي عن الولايات المتحدة». الرئيس الأمريكي ترامب كاد أن ينسف حلف الناتو وأساء لمضّيفيه البريطانيين، وقال عن الأوروبيين أنهم «أعداء» للولايات المتحدة .. كل هذا بينما أبدى مشاعر الود تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واصفاً إيّاه بالمنافس الجيد أو «الخصم الجيّد».

منذ شهور مضت كانت المخاوف الأوروبية حول تصريحات الرئيس الأمريكي يتصدّى لها «الأصدقاء الأمريكيون»، داعين أوروبا لتجاهل ما يصدر من ترامب في تغريداته والتركيز على العمل الذي تقوم به الإدارة الأمريكية، مطالبين الأوروبيين بوضع ثقتهم في ما تقوم به الإدارة من تعديل وتوازن. كان ذلك منطقيّاً، حيث إن كبار أعضاء الإدارة أمثال وزير الدفاع ظلّوا ملتزمون بالنظام العالمي الليبرالي الحُر وبالالتزام بتحالفات أمريكا و شركائها. الكونجرس ساند الناتو بقوة، والقوات الأمريكية ما زالت تضمن أمن أوروبا.
لكن في الشؤون الدولية لا تهم فقط الأفعال، إنما الكلمات أيضاً تهم، خاصة كلمات الرئيس الأمريكي. دعنا نواجه الحقيقة: إن معتقدات ترامب الجوهرية تتضارب مع أساسيات الاستراتيجية الغربية الكبرى منذ فترة منتصف أربعينات القرن الماضي (1940) . ترامب يعتقد أن أمريكا تحصل على صفقة خاسرة من حلفائها الأوروبيين. كما أنه يعبّر عن إعجابه بمتسلطين أمثال رئيس كوريا الشمالية (كيم جونج.أُن) وبوتين. وفي الوقت نفسه يحتفظ بأشد تصريحاته اللّاذعة للنيل من شركاء ديمقراطيين مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الكندي جاستين ترودو. وبهذا فإن ترامب يمثّل الضد لما تعنيه (الليبرالية الدولية).
مثل هذا الموقف يرسل لأوروبا رسالة حزينة فحواها أن عهد الهيمنة الأمريكية الحميدة قد ولّى، بل وفي الوقت الذي ما زالت فيه أوروبا غير مهيّأة بتاتاً للاعتناء بنفسها.
في قمة الناتو يومي 11 و12 يوليو الماضي تم تأكيد بعض النتائج، منها أنه على الأعضاء – تقوية للتحالف- زيادة الإنفاق بنسبة 2% من الناتج الإجمالي المحلي لكل دولة عضو بحلول عام 2024، وأنه بينما كانت مساهمة بعض الدول الأوروبية في ارتفاع كان ترامب محقاً في ملاحظته حول البعض الآخر من الأعضاء، منهم ألمانيا، الذين قالوا إنهم لم يقدموا ما يكفي. كما أن مخاوفه مشروعة حول عدم توازن الميزان التجاري.
لكن عدم مقدرة ترامب على تصوّر الهدف أو التصوّر الصحيح ووصفه بأنه «مستحقات» يدين بها الأعضاء لأمريكا ستجعل من الصعوبة بمكان على القادة الأوروبيين إقناع الناخبين بدعم زيادة الإنفاق العسكري. كما أن تصريحاته المستفزّة جعلت الأوروبيين يشككون في ما إذا كان سيكون أكثر استعداداً لمغادرة التحالف من استعداده لقيادته.
مثل هذه التهديدات اللفظية الضمنية تضرب أساس التحالف: وهي فكرة التكاتف والالتزام تجاه أمن الطرف الآخر. الأمريكيون يقولون لنا إن ترامب لا يستطيع مغادرة الناتو دون موافقة مجلس الشيوخ، وهذه جدلية تفتقر لفهم النقطة الأساسية، حيث إن أي شك حول التزام أمريكا سيلحق الضرر بمصداقية جبهة الرد التي يتولاها الناتو.
وهذا ما يصبغ الخطورة الشديدة على تصريحات ترامب. ربما سيستخرج الأمريكيون بضع مليارات للإنفاق على الدفاع، لكنهم في الوقت ذاته سيدمّرون الضمانات التي من المفترض أن تقويّها تلك الدولارات. كما أن ما زاد الطين بلة هو الظهور الشاذ أو الخارق للعادة لترامب بجوار بوتين في قمة هلسنكي (وكأنما دولتاهما صديقتان حميمتان). في الواقع تبرّأ ترامب من مجتمعه المعلوماتي، حيث إنه فشل في الإعلان عن عدم قبوله لتلاعب روسيا بالديمقراطيات الغربية. إذا لم يكن بوتين قد أحس بالجرأة الآن ، متى سيحس بها؟ من سيصدق أن التدخّل في الانتخابات الديمقراطية ستكون له توابع وخيمة؟ أداء الرئيس ترامب يوحي بأن أمريكا مستعدة للتخلّي عن طموحها في قيادة العالم الحُر.
كان مؤلماً لأصدقاء أمريكا الأوروبيين مجرّد أن يشاهدوا مثل هذا السلوك. نحن حاولنا، طوال فترة حكم ترامب، أن نبقي على علاقة شراكة وثيقة مع أمريكا، وعلى التأثير إيجابياً على إدارة ترامب وتأمين المصالح الأوروبية. لكن ذلك لم يجدِ شيئاً. ترامب تجاهل مخاوفنا بمغادرة اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي مع إيران، كما أنه فرض ضرائب جمركية غير مسبوقة على أقرب حلفائه.
لماذا إذاً يتسنى على الأوروبيين اعتبار هذه الإدارة الأمريكية جديرة بالثقة؟ الجدير بالذكر أن استطلاعاً حديثا للرأي في ألمانيا بيّن أن 9% فقط من الألمان يثقون في الحليف الأمريكي .
لكن ليست هناك خطة بديلة «ب» بعد لدى الأوروبيين، وهذا ما يُعتبر لغزاً في حد ذاته: الأوروبيون ليس بمقدورهم ببساطة التصدّي (للعدو) وحدهم، لكن يبدو أن علينا أن نجهّز أنفسنا لمواجهة فكرة أن نُترك لمصيرنا. وعليه يجب علينا أن نطوّر خطة بديلة، خطة «ب». ما عاد هناك فائدة من الاحتماء والاختباء.
أولاً، على أوروبا أن تختار لها منهجاً متعدد المسارات. علينا أن نقوّي جاهزيتنا العسكريّة وطاقة تقرير المصير، مبينين للبيت الأبيض أن أفعاله ستكلّف أمريكا الكثير. كما أنه يتوجّب علينا التعاطي مع مخاوف ترامب المبررّة، مثل الرغبة في زيادة الإنفاق العسكري .. لكن ليكن ذلك في إطار ما يخدم مصالحنا بدلاً من مجرّد إرضاء ترامب.
كما علينا أن نبادر بالتعاون الوثيق مع أولئك الأمريكيين الذين يعتقدون أن الشراكة القوية مع أوروبا ستظل تخدم مصالح أمريكا. على الأوروبيين الاستمرار بشكل حثيث في التواصل مع الكونجرس، ومع محافظي الولايات، ومع مجتمع رجال الأعمال الأمريكي، ومع المجتمع المدني.
سيظل السؤال الذي يطرح نفسه: هل بإمكاننا الاعتماد على أن النظام السياسي الأمريكي سيعمل كما يجب عليه أن يعمل. الآن حان الوقت للتحقق وموازنة الأمور. وبالمخاطرة بالاتهام بـ(التطفّل)، علينا أن نتحرّى عمّا إذا كان هناك أعضاء جمهوريون في الكونجرس مستعدون لرفض التصويت لصالح أي عضو يعيّنه ترامب، إلا لو توقف ترامب عن الاستخفاف بمجتمع الاستخبارات الأمريكية نفسها.
يجب ألّا يكون الأمن قضية تجعل الولايات المتحدة وأوروبا في مواجهة مع بعضهما. الكثير من المجتمعات الأوروبية منقسمة بين من يؤمنون بالإبقاء على نظام «ما بعد الحرب العالمية الثانية» ومن يحبّذون استبدال هذا النظام بـ(قومية القرن التاسع عشر).
على الأوروبيين الذين يؤمنون بسذاحة فكرة «الاستغناء عن النظام الغربي الليبرالي» أن يدعموا فريقنا. نحن لن ننجح بدون الحصول على دعم قوي من أصدقاء على الجانب الآخر من الأطلنطي يفكّرون بنفس الطريقة التي نفكّر بها. هذا ندائي: يا أيها الأمريكيون المعتزون بوطنيتكم ، هل ستعملون معنا يداً بيد؟
…………………………………
(الكاتب وولف جانج اسكنجر هو رئيس مؤتمر ميونخ للأمن منذ عام 2008 ويعمل استاذاً بمدرسة هيرتي للحوكمة في برلين وكان سفيرا لألمانيا لدى الولايات المتحدة من 2001 إلى 2006 )