تواصل: لص يعجبك حديثه !

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول:

تحاول أن تنهي تقريرا دراسيا للجامعة، أمامها على الطاولة جهاز حاسب آلي وفي يدها هاتفها الذكي، تفتح متصفح انستجرام لتشاهد فيديو قصيرا “للفاشينستات” اللواتي تحبهن ومنتجاتهن التي لا يتوقف عرضها في حساباتهن ثم تنتقل للفنانين الذي رقصوا رقصة “كيكي” التي اشتهرت مؤخرا بنزول الشخص من المركبة والرقص والسيارة تواصل مشيها، كلما حاولت أن تركز في فكرة التقرير الذي تريد إنجازه وجدت نفسها منشغلة بهاتفها، مرت أربع ساعات ولم تكتب حرفا واحدا!

مشهد ثانٍ:

خلال ساعات العمل يفتح كل حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي في الحاسب الآلي الخاص بالعمل كي يسهل عليه التصفح ومتابعة تفاعلات المتابعين مع ما ينشره في حسابه، إضافة إلى متابعة ما ينشر في تلك الوسائل، يؤجل إنهاء متطلبات العمل ويردد بثقة “العمل ما بيطير”، ينتهي يوم عمله، يغلق حساباته تلك قبل أن يغلق الحاسب الآلي وهو لم ينجز شيئا خاصا بالعمل.

مشهد ثالث:

تبدأ في القراءة في كتاب نصحتها به صديقة، تضع في ذهنها أن تختار منه بعض المقاطع التي تصلح للمشاركة مع متابعيها في وسائل التواصل الاجتماعي، تنشغل بفكرة إيجاد مقاطع النصوص الملائمة أكثر من انشغالها بالقراءة، تكتب عشرة منشورات لمتابعيها من صفحات لم تقرأها بعد، يعجب المتابعون بما نشرته ويتبادلونه، تتابع تفاعلهم، يمر الوقت وهي لم تقرأ من الكتاب أكثر من صفحتين في مدة تتجاوز 3 ساعات!!

مشهد رابع:

يعود من عمله ولديه خطط كثيرة يرغب في تنفيذها في الفترة المسائية، خصوصا أنه يعيش وحده في المدينة وعائلته في ولايته البعيدة، يقول: سأذهب للنادي الرياضي، وسأمشي على شاطئ البحر، وسأنهي قراءة الكتاب الذي استعرته من صديقي منذ شهر ثم أذهب للتنزه في إحدى الحدائق العامة، يحدث نفسه كل يوم بهذا الحديث وكل ما يفعله هو التمدد على أريكته المريحة ثم تصفح وسائل التواصل الاجتماعي ويمضي الوقت سريعا حتى موعد نومه الذي يؤخره كل ليلة ليسهر مع منصات التواصل الاجتماعي!
لقد قدمت وسائل التواصل الاجتماعي خدمة كبيرة للبشر في جعلهم يشعرون أن هناك من قد يتفاعل مع ما يقولونه في أي وقت يقررون فيه أن يعبروا عن أي فكرة تشغلهم حتى لو كانت سطحية لا معنى لها إلا لديهم، كما وفرت لهم عبر المستخدمين أنفسهم معلومات وأخبارا وصورا وفيديوهات كثيرة لم تكن وسائل الإعلام التقليدية لتوفرها في أغلب الأحوال، وقد ساهمت هذه المزايا في إدمان الكثيرين لتصفح هذه القنوات لساعات طويلة دون أن يشعروا بالاكتفاء منها مهما كان حجم ما نهلوه من معرفة أو ترفيه أو تواصل، إذ تظل أعينهم معلقة بتلك القنوات حتى موعد نومهم بل قد يحين موعد النوم ولا يشعرون بقدرة أو رغبة في مغادرة تلك العوالم.
قد يقول قائل: ما المانع في أن يتعلقوا بهذه المنصات؟ فما يمنحونه من وقت هو وقتهم الذي قرروا مختارين أن يقضوه برفقة ما يحبون، المشكلة هي في أن ذلك التعلق لا يحدث لمرة واحدة في الشهر أو الأسبوع على أسوأ تقدير بل بشكل يومي لدرجة قد يفقد الفرد تركيزه في الكثير من الأمور المتعلقة بالدراسة والعمل وشؤون الحياة المتعددة، فكم من شخص حصل على إنذار من جهة عمله لإهماله العمل مقابل متابعته لتلك الوسائل، وكم من طالب رسب في مقرر ما لأنه انشغل بوسائل التواصل أكثر من انشغاله بدراسته، كما أن عادات استخدام هذه القنوات تجعل الشخص يميل تلقائيا إلى البقاء بمفرده بعيدا بذهنه عن القرب الأسري أو حضور المناسبات الاجتماعية أو كل ما قد يتطلب حركته من أريكته أو سريره لشعوره بأن هذه المنصات تؤنسه وبالتالي لا يحتاج لأن يكون مع أحد آخر، وما يترتب على هذا الإحساس من مشكلات اجتماعية أبرزها الانعزال والوحدة وربما الاكتئاب في مرحلة متقدمة.
دراسات علمية كثيرة أجريت على عادات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإشباعات المتحققة والتأثيرات الصحية خلصت إلى أن طول ساعات استخدام هذه الوسائل قد يسبب اختلال العلاقات الاجتماعية الواقعية، إضافة إلى صعوبات في النوم والصحة العامة بشكل، عام وربما ذلك بعض ما حدا بجمعية معنية بالصحة العامة في المملكة المتحدة إلى تنظيم حملة بعنوان “سبتمبر بلا تصفح” تدعو فيها مدمني منصات التواصل الاجتماعي إلى التوقف بشكل كامل عن استخدام تلك التطبيقات لمدة شهر حتى يستطيعوا بعدها أن يسيطروا على إدمانهم لها ويستعيدوا زمام قيادتهم لحياتهم التي تتحول شيئا فشيئا لأن تكون افتراضية مع ذلك الإدمان.
إن وسائل التواصل الاجتماعي التي أوجدت لأهداف إيجابية كثيرة، قد تتحول في حالة الإسراف في استخدامها إلى لص يسرق من وقتك وراحتك وصحتك وعلاقاتك الاجتماعية، لص تعرف تماما أنه يسرقك لكنك وبكل بساطة تسمح له بذلك لأنك متعلق بحديثه وشكل واجهته !!