أولئك هم الوارثون «20 » – اللسان

إعداد: حماده السعيد –

من الصفات التي تورث جنة الخلد وذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وحث عليها رسوله العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده من حديث سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة».
يقول ابن عبد البر في كتابه « الاستذكار» وفي هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر وإنما هي من الفم والفرج وما بين اللحيين الفم وما بين الرجلين الفرج ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر وقذف المحصنات وأخذ أعراض المسلمين ومن الفم أيضا شرب الخمر وأكل الربا وأكل مال اليتيم ظلما.
ويقول المناوي في كتابه «التيسير بشرح الجامع الصغير» من يضمن، (من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية) لي ما بين لحييه (العظمان بجانبي الفم وأراد بما بينهما اللسان وما يتأتى به النطق) أضمن له الجنة. أي دخله إياها بغير عذاب وهذا تحذير من شهوة البطن وأنها مهلكة وعملها يؤثر في القلب ما يؤثره جميع أعمال الجوارح واللسان أخص لأنه يؤدى عن القلب ما فيه من الصور فيقتضى كل كلمة صورة في القلب مخالفة لها فلذلك إذا كان كاذبا حصل في القلب صورة كاذبة واعوج به وجه القلب، وإذا كان في شيء من الفضول اسود به وجه القلب وأظلم حتى تنتهي كثرة الكلام إلى أمانة القلب ولذلك قدمه المصطفى في الذكر اهتماما به.
ويقول الملا على القاري في كتابه «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» من يضمن بالجزم على أن من شرطية لي ما بين لحييه بفتح اللام منبت الأسنان أي من يكفل لي محافظة ما بينهما من اللسان والفم عن تقبيح الكلام وأكل الحرام وما بين رجليه أي من الفرج عن الزنا ونحوه أضمن له الجنة أي دخولها أو لا ،أو درجاتها العالية قال الطيبي وعن بعضهم من يضمن لي لسانه أي شر لسانه وبوادره وحفظه عن التكلم بما لا يعنيه ويضره مما يوجب الكفر والفسوق أضمن له دخول الجنة.
وحينما يعطي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعدا فهو خير من يوفي هذا الوعد لقد وعد بضمان الجنة لمن ملك لسانه وهو سبب رئيسي إن لم يملكه الإنسان في خراب الأسر والمجتمعات والأوطان.
فمن اللسان يصدر الكذب وإصدار الشائعات وقذف المحصنات والتي تؤدي في بعض المجتمعات إلى قتل صاحبها فبسبب هذا ضمن رسول الله الجنة لمن يملك لسانه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد مجتمعا قويا قائما على المحبة فمن ملك لسانه واتقى الله فيه فاز بجنة عرضها السموات والأرض.
وقد جاءت كثير من الأحاديث النبوية تحذر من زلات اللسان فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته).
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما النجاة في الفتن؟ قال: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار).
وفي حديث معاذ الطويل المعروف أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ -العاصم من هذه الأشياء- فأخذ بلسانه وقال: كف عنك هذا أو كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، أي: أن اللسان يحصد الشرور والآثام والأوزار بمنتهى السهولة؛ وذلك بكونه يفري في أعراض الناس ويخوض في الباطل.
وعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم، قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليه؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا) يعني: إن أكثر القوادح في الاستقامة هو اعوجاج أو انحراف اللسان.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي: تذل وتخضع له- وتقول: اتق الله فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا) تلكم الجوارح لها خصومة مع اللسان؛ فإنه يوقع في المهالك، ولقد حذره من هو خير منا، فهذا عمر – رضي الله عنه- يدخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوما وهو يجذب لسانه بيده فقال له عمر رضي الله عنه: [مه! يغفر الله لك, فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد] فأين نحن من رجل لو وزن إيمانه بإيمان هذه الأمة لرجح إيمانه بإيمان هذه الأمة، أين نحن من رجل يخير من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، ثم هو يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.