سلطنة عُمان في عين العالم: منبع الحكمة وموئل السلام

محمد عبد الله محمد – البحرين –
بين الـ 23 من يوليو من العام 1970م والـ 23 من يوليو لعامنا هذا حكاية عُمانية من نوع آخر. تلك الفترة وبلغة الزمن قد لا تكون معقدة. يكفي أن نعرف أنها 17 ألفًا و 533 يومًا. أو لِنَقُل 48 سنة وثلاثة أشهر وبضعة أيام، إلاّ أن تلك الأرقام حين تُقرأ كأحداث فإنها تبدو بحجم شواهق الجبال. فكل يوم منها كان فيه نحتٌ لدولةٍ ووطن، وكأن رسّامًا يصنع بريشته ملامح لوحة عظيمة.

فـ عُمان كانت لها صورة قبل العام 1970م وصورة أخرى بعد ذلك، حين نَهّضَها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –حفظه الله ورعاه – بتولّيه الحكم، فَقُرِنَت عُمان الحاضر به، بالضبط كما قُرِنَت مفاصل الحقب في أوطان أخرى بقيادات وطنية محدّدة ، وشديدة التأثير في اوطانها .
نعم نحن نؤمن بالتطور الطبيعي للدول بحكم الصيرورة ، لكننا نعلم جيدًا أن ذلك التطور خاص بالمادة وديمومتها وشروط تغيّرها المستمر، إلاّ أنه لا يجعل من بلدٍ ما يحتل المركز الثالث في جودة الطرق مع امتلاكه مساحة تصل لـ 309 آلاف من الكيلومترات وأرض جبلية قاسية تلامس الـ 46 ألفا و 425 كم، أو أنه يخلق حكمة وحنكة سياسية حتى قيل عنها إنها «سويسرا الشرق».
لذلك سرّ التطور الذي شهدته وتشهده سلطنة عُمان يكمن في شيء آخر. إنها القيادة التي كانت قادرة على الرؤية من بعيد لتشخيص الطريق الصحيح للسير بالقافلة في أمان وسلام. طريق يمنح سالكيه الخطى الواثقة والابتعاد عن عثرات المسير. فالقيادة الحصيفة هي التي تصنع الإنجاز وتُحيل الصعوبات إلى فرص، حتى ولو كان زمان الآخرين يفيض بالفشل والإخفاقات.
من الصور الجميلة لنهضة سلطنة عُمان أنها ليست نسخة كربونية من أحد. هي تجربة عُمانية خالصة حتى ولو مشت بِهَوْن. فليس كل شيء هناك صالحٌ للتطبيق هنا. فالأرض لها منطقها والناس لهم منطقهم. والحياة ليست نظامًا ميكانيكيًا صرفًا، وإلاّ استطاعت النابليونية أن تنتصر لخططها في بولندا وروسيا بذات المنطق الذي نَصَرَها في لومباردي والرّاين وأوروبا الوسطى كما دوّن ذلك التاريخ.
أكثر ما ميّز «التنمية» في سلطنة عُمان أنها كانت مقرونة بفلسفة سياسية تقوم على تأمين السياسات المتخذة إلى أبعد مدى ممكن عبر منطق «السلام». فالعلاقة بين التنمية والسلام علاقة طردية، فكلما زادّ متغيّر السلام زاد معه متغيّر التنمية.
جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – أدرك ذلك فعزّزه وجعله ملازمًا لسياسات السلطنة . فالصراعات ليست مجرّد دمار للأوطان والشعوب فقط ، بل وحسب ستيفان أدوان رورز هي: تفظِيع العقول. يُربَط كل شيء بالصراع: التعليم والمسرح والصحافة والترفيه والإعلانات، إلى أن يصل الأمر بنشر «ديانة وطنية» تقوم على «الانتقام» وعلى إبراز «الانحلال الفسيولوجي للعدو» كما يستعرض ذلك باسكال جوتشيل وإيمانويله لواييه. وما الحرب الأهلية السورية الرهيبة إلاّ مثالاً.
لذلك صَدَقت مجلة نيوزويك الأميركية وبقلم مراسلتها ميرين جايدا (التي تغطي قضايا الإرهاب والأمن) عندما قالت بأن سلطنة عُمان تمكنت من تجنب الانزلاق في «الصراع» الذي أكل الشرق الأوسط ناقلة عن «المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في كلية كينجز في لندن أنه لم ينضم أي عُماني واحد إلى أكثر من 20 ألف مقاتل أجنبي يقاتلون إلى جانب داعش».
إن الصورة المشرِقَة لسلطنة عُمان لها تأثير كبير على التنمية والاقتصاد العُماني وجذب رؤوس الأموال إليه بل هو من أهم عوامل التنمية، خصوصًا وأن السلطنة تبني أكبر مشروع اقتصادي منفرد وواعد في تاريخها وهو المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم والتي ترمي السلطنة من خلاله تنويع مواردها الاقتصادية في ظل ظروف النفط العالمية.
نعم، لقد شجّع موقع عُمان وسياساتها الحكيمة لأن تكون في عين اهتمام العالم اقتصاديًا، وصنّفت ضمن أفضل عشرين دولة يمكن الاستثمار فيها. فالاستقرار السياسي ونشادة السلام من أهم العوامل التي تجعل الأموال تستقر. لننظر إلى سويسرا وكيف أصبحت البلد الأول في العالم في إدارة الثروات العابرة للبحار بما يصل إلى تريلونَيْن و 300 مليار فرنك سويسري! إنه الاستقرار السياسي والمالي (بالإضافة طبعًا إلى عوامل أخرى كالخصوصية المحمية والشفافية).
إننا نبارك للسلطنة يوم نهضتها متمنين لها دوام الرفعة والعزة والتقدم، وأن يُمتّع سلطانها المعظم بموفور العافية لقيادة هذا البلد الحبيب على قلوب جميع العرب.