جلالة السلطان المعظم .. قائد التحولات التاريخية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
الحديث عن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- قائدا للتحولات التاريخية في السلطنة خلال العقود الأربعة والنصف الأخيرة يحتاج الى تحليل عميق حول المنهج الإصلاحي لدولة كانت تصنف من الدول المنعزلة عن العالم لسنوات طويلة، حيث ظل الشعب العُماني ولسنوات طويلة يعاني من ثالوث الجهل والمرض والفقر، ومن هنا فإن أي محلل سياسي أو مراقب منصف لابد ان يعطي جلالة السلطان الذي قاد التحول التاريخي في يوم ٢٣ يوليو عام ١٩٧٠وهو اليوم الذي يحتفل به العمانيون كل عام، الى جانب جانب الاحتفال بالعيد الوطني في 18 نوفمبر، وهو التاريخ الذي يوافق يوم ١٨ من نوفمبر ١٩٤٠ الذي ولد فيه السلطان قابوس المعظم في مدينة صلالة حاضرة محافظة ظفار.

يوم ٢٣ يوليو من عام ١٩٧٠ كان يوما فارقا في تاريخ عمان الحديث حيث تقلد جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في البلاد ورغم صعوبة الاتصالات والمعلومات فإن خبرا مقتضبا من الإذاعة البريطانية جعل العالم يعرف أن هناك دولة تسمى عُمان وفي موقع مهم على ضفاف الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، وأن عُمان التي كانت يوما امبراطورية يشار لها بالبنان، حيث التواجد في شرق إفريقيا وسواحل الخليج وبلاد فارس وبعض أجزاء شبه القارة الهندية هذه الدولة الحضارية قد بدأت من جديد في ظل ظروف صعبة ومعقدة علي المستويين الاقتصادي والاجتماعي علاوة على الوضع السياسي المعقد في شمال البلاد وجنوبها على حد سواء.

أولويات السلطان وعمان الجديدة
كان الخطاب الأول أو البيان الذي تلاه جلالة السلطان قابوس المعظم إيذانا ببدء مرحلة التغيير واضحا حول دعوة الشعب العُماني لبداية مرحلة جديدة، منوها إلى رفع القيود والعزلة عن عمان وشعبها، وأن مسيرة التنمية والتحديث لسلطنة عمان قد بدأت، ولعل ما يمكن الإشارة إليه هنا، هو أن السلطان الشاب والذي كان عمره آنذاك ٣٠ عاما أمام مشهد صعب حيث كانت إمكانات البلد تكاد تكون منعدمة، وليس هناك موارد حقيقية، كما أن البلاد كانت شبه مقسمة حيث كانت عمان تنقسم إلى عمان الداخل والمنطقة الساحلية وهناك ظفار وبقية الأقاليم أي ان الوحدة الوطنية كانت غير متحققة، وكانت هناك صراع عسكري محتدم في جنوب السلطنة وصراع آخر مرير في شمال البلاد، ومن هنا يأتي أهمية الفكر والأولويات لأي قائد يريد أن ينهض ببلد شبه محطم، حيث تفتقر البلاد لأي مقومات حقيقية.
الوحدة الوطنية ولم الشمل
كانت الوحدة الوطنية ولم شمل العمانيين وإيجاد تماسك اجتماعي وغرس مفهوم المواطنة، وأن الوطن هو الذي يحتضن الجميع وهو البوتقة التي تحافظ على أمن واستقرار المواطنين والمقيمين على حد سواء، هي نقطة البداية، حيث بدأ السلطان قابوس بترسيخ فكره المستنير الذي يجمع بين الحداثة والأصالة من خلال الاهتمام بالهوية العمانية والتاريخ والثقافة والتعليم وانتشال عمان من عزلتها، وإطلاق مفاهيم ومرتكزات تواصلت كنهج اختطه جلالته- حفظه الله ورعاه- قوامه إقامة الدولة العصرية بكل أركانها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإقامة دوله تعتمد في سياستها الخارجية على ثوابت قوامها التعاون والحوار مع الدول والشعوب، والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤون السلطنة وان يكون التفاهم والتسامح هما الأداتان الحضاريتان اللتان أطلقهما جلالته منذ البداية وحتى الآن، مما أعطى السلطنة تفردا في مواقفها السياسية وأصبحت نموذجا إيجابيا من خلال جملة من الأحداث التي شهدتها المنطقة والشرق الأوسط خلال الأربعين عاما الماضية. وخلال سنوات قليله تم إنهاء الصراعات المسلحة في البلاد من خلال شعار أطلقه جلالته، وهو «عفا الله عما سلف» مما عزز الثقة والشعور بالأمان، وعاد العمانيون، الذين كانوا في الخارج، إلى بلادهم ليساهموا في معركة التنمية والبناء حيث تحولت عمان إلى ورشة عمل كبرى تسابق الزمن مما جعل السلطنة تعيش حالة استقرار تقترب من نصف قرن من خلال فلسفة حكم تقوم على الحوار والتواصل المباشر بين السلطان وشعبه وهذا ما يجعلنا نتحدث عن ملمح آخر مهم من محددات الحكم الحديث في عمان وهو الجولات الميدانية للسلطان قابوس في صحاري وقرى عمان منذ بداية حكم السلطان قابوس بن سعيد.
الجولات السامية والحوار مع الشعب
من الأدوات الأساسية في مسيرة حكم جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم التي تفرد بها في المنطقة والعالم هو حرصه على الجولة السنوية للقاء مواطنيه في كل مناطق عمان والحوار المباشر مع شعبه حول مجمل القضايا الوطنية التي تحتاج إلى مناقشة وطرح معمق للوصول إلى حلول، وهذه الجولات السلطانية هي اقرب إلى البرلمان المفتوح في الهواء الطلق وفي إطار إجراءات مبسطة تنم عن التحام السلطان بشعبه في حب متبادل قل نظيره في التاريخ الحديث ولا يزال وهناك علاقة الحب العفوية والعميقة بين جلالته وبين شعبه، وامتدت إلى الأجيال الجديدة والتي شاهدت وطنها ينهض من جديد في شتى مناحي الحياة العصرية ولعل هذا الملمح الوطني يشاهد بكثافة من خلال التغني بحب الوطن خلال الأعياد الوطنية مما يعني ان جلالته الذي يمزج بين ما شاهده في الغرب حيث سنوات الدراسة في كلية ساندهيرست العسكرية في بريطانيا حيث التطور الحضاري في الغرب وبين دراسته للتاريخ العُماني وكتب السير والفقه وأمهات الكتب مما جعل جلالته ذا سمات فارقة عبر عنها في أحد حواراته الصحفية بقوله: إنه يشعر بأنه «صاحب رسالة وليس صاحب سلطة» وهذه كلمات تنم عن فلسفة في الحكم قوامها المزج بين التحديث والمحافظة على الهوية العمانية الأصيلة، وهو ما يتم التأكيد عليه من خلال كلماته وخطبه طوال السنوات الماضية ولا يزال خلال المناسبات التي تقتضي ذلك.

السلطان قابوس ومفردات حضارية
لقد كان السلطان قابوس ذا فكر ملهم فقد كانت لديه رؤية واضحة من اللحظات الأولى لتوليه الحكم من خلال ثبات المرتكزات التي قامت عليها الدولة العمانية الحديثة فعلاوة علي اهتمامه الكبير بالقطاعات الأساسية التي غيرت ملامح السلطنة وعلى رأسها التعليم والصحة وشبكة الطرق التي تعد من اهم شبكات الطرق في العالم العربي رغم قسوة الجغرافيا الجبلية وتكلفتها المالية الكبيرة علاوة علي تحديث الدولة والمواطنة والوحدة الوطنية حيث أصبحت هذه الأخيرة واحدة من أهم إنجازات جلالة السلطان قابوس حيث لا وجود للمذهبية ولا الصراعات العرقية حيث هناك السلم الاجتماعي والاحترام وسيادة القانون وهو الفيصل ومن هنا اعتبرت سلطنة عمان واحة للأمن والسلام في منطقه الشرق الأوسط الملتهبة وهذا يعود إلى النهج الحكيم الذي اختطه جلالته- حفظه الله ورعاه- حيث إن وجود الأوبرا السلطانية مسقط يعطي مؤشرا على ثقافة حضارية عالية كما أن وجود المتاحف الوطنية في العاصمة مسقط وعدد من المدن العمانية هو ملمح عماني وسيكون متحف عمان عبر الزمان الذي يبنى الآن في ولاية منح بمحافظة الداخلية هو من اهم المشاريع الحضارية والثقافية في السلطنة والمنطقة، كما أن وجود السيمفونية السلطانية والتي تعزف أهم المقطوعات الموسيقية العالمية بكل احترافيه تعد إضافة إلى اهتمامات جلالته علاوة على الاهتمام بالموروث العُماني من القلاع والحصون والاهتمام بالحرف التقليدية والرياضات البحرية والفلك وغيرها من الأدوات الحضارية وهو ما جعل من جلالة السلطان قابوس شخصية متفردة وقائدا صاحب رسالة نهض بوطن وشعب من الصفر.

الدولة العصرية وأسس السياسة الخارجية
نجح جلالة السلطان المعظم في إقامة الدولة العصرية التي وعد بها العمانيين في البيان الأول في ٢٣يوليو من عام ١٩٧٠ ومن هنا فإن التحدي الآخر لتواصل الدولة الوليدة طريقها نحو التحديث والتنمية الشاملة هو انتهاج سياسة خارجية ذات ملامح خاصة والتي تمت الإشارة إلى بعض ثوابتها ولا شك ان ثوابت هذه السياسة على مدى 48 عاما ومن خلال الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة والشرق الأوسط على مدى ٤٠ عاما من حروب وصراعات أثبتت أن جلالته- أبقاه الله- هو احد أمهر الساسة في العالم في العصر الحديث قياسا إلى الموقع الجيواستراتيجي للسلطنة والإشكالات التي حدثت ومع ذلك نجح جلالته وبامتياز في عبور تلك المشكلات من خلال سياسة خارجية موضوعية ومتزنة حافظت علي خطوط علاقاتها بالجميع وهنا تكمن أهمية الشخصية الكارزمية لجلالته، حيث لا يتحدث كثيرا للصحافة والإعلام، ولكن نهجه السياسي مدهش وقد أصبحت عمان هي البلد الأكثر قبولا في الشرق الأوسط . ولعل دور السلطان قابوس في حل واحد من اعقد الملفات وهو الملف النووي الإيراني مع الغرب نموذجا واضحا لهذا الدور المهم الذي حظي بثقة العالم شرقه وغربه ويعطي مصداقية لدور عمان المبني على الصدق والنزاهة وهناك عشرات الملفات المعلنة وغير المعلنة والتي كان لحكمة وبراعة جلالته دور محوري في نجاح مميز للدبلوماسية العمانية الأكثر هدوءا والأفضل نجاحا على المستويات الإقليمية والدولية. لعل من اهم ملامح شخصية جلالة السلطان المعظم، خبرته العسكرية ودراساته المتعمقة في أصول الحكم وتعرفه المبكر علي تجارب حضارية وإنسانية متعددة وجولات حول العالم مما أعطاه بعدا متكاملا للعلاقات الدولية وكيفية التعامل معها بشكل صادق وأمين ولعل حصول جلالته على أرفع الجوائز والأوسمة من جامعات ومراكز بحثية مرموقة في العالم يعطي مؤشرا على مدى مكانته وتقدير العالم قادة ومفكرين لدوره الحضاري والإنساني في مجمل القضايا العالمية، كما ان اهتماماته بقضايا السلام والتراث والتسامح والحفاظ على المناخ والبيئة جعل منه صانع سلام حقيقي علاوة علي سجاياه المميزة في خدمة الإنسانية ووجود عالم خال من الصراعات والحروب والكراهية هذا هو جلالة السلطان قابوس المعظم وبعض من ملامح شخصيته الراقية والمتفردة وهي نموذج لما ينبغي ان يكون من خلال تتبع مسيرة حافلة بالعطاء المخلص لجعل العالم اكثر سلاما وتسامحا، وهنا تقفز إلى الذهن القوافل العمانية التي تجوب مدن العالم لنشر ثقافة التسامح وقيم الإسلام الجميلة مما يعطي لعمان لجلالته هذا التفرد وهذا الإصرار علي توصيل تلك المثل السامية التي تجعل الإنسانية على التماس وحوار وتعايش بين الحضارات والثقافات والشعوب.

السلطان قابوس وحلم الوطن الكبير
السلطان قابوس بن سعيد ومنذ طفولته كان جادا ومثابرا على التعليم كما يتحدث عن ذلك معلميه وأبرزهم الراحل الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني- رحمه الله- مما أعطى لهذا التوهج المعرفي مبكرا دورا في وجود هذا الحلم الكبير لجلالته وهو ينظر إلى تاريخ أجداده السلاطين الحافل بالبطولات والتحولات التاريخية حيث الأسطول العُماني البحري في عهد جده السلطان سعيد بن سلطان وذكريات السفينة السلطانية التي مخرت عباب المحيطات شاقة طريقها إلى سواحل نيويورك حيث أول تواصل دبلوماسي بين الامبراطورية العمانية والولايات المتحدة من خلال السفير احمد بن النعمان الكعبي حيث يُسمى أحد ارفع الأوسمة السلطانية باسمه، إن التعرض لبعض ملامح شخصية جلالة القائد المفدى الإنسان تحتاج إلى بحوث ودراسات فهذه الشخصية هي بحق متفردة في عالم يموج بالصراعات وثقافة الكراهية مما يجعله فريدا في عصره وذا رسالة لنشر مفاهيم السلام والتسامح والفكر الراقي لتنطلق هذه المفاهيم الجميلة من عمان الحضارة والتاريخ إلى أصقاع المعمورة.