النهضة المباركة أولت أهمية بالغة بالسلطة القضائية كونها أحد أعمدة الدولة الحديثة

تحقيقا لترسيخ دولة المؤسسات –

أولت النهضة المباركة التي بدأ بزوغ فجرها في الـ 23 من شهر يوليو عام 1970 أهمية بالغة بالسلطة القضائية كونها أحد أعمدة الدولة الحديثة، وضمنت لهذه السلطة العمل باستقلالية وحيادية عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، حرصا منها على الرسالة التي تؤديها السلطة القضائية وما يجب أن تتمتع به من حيادية واستقلالية تمكنها من أداء الحقوق والفصل بين الناس دون أي ضغوط. إن ما تحقق خلال الأعوام القضائية الماضية من نجاح يؤكد ثوابت النظام القضائي في السلطنة، وما جاء ذلك إلا بفضل الاهتمام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – رئيس المجلس الأعلى للقضاء الذي أكد أن «العدالة لا بد أن تأخذ مجراها وأن تكون هي هدفنا ومبتغانا ونحن بعون الله ماضون في تطوير المؤسسات القضائية والرقابية بما يحقق تطلعاتنا لترسيخ دولة المؤسسات ، فدعمنا للقضاء واستقلاليته واجب التزمنا به ، واحترام قراراته بلا محاباة أمر مفروغ منه فالكل سواسية أمام القانون». وظلت كلمة جلالته ـ أبقاه الله ـ أمام مجلس عمان محركا أساسيا لسياسات الدولة فيما يتعلق بتطوير القضاء ودعم استقلاليته ، وجاء المرسوم السلطاني رقم (9/‏‏‏2012) بشأن إنشاء مجلس أعلى للقضاء يترأسه جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تكريما للمنظومة القضائية ، حيث أكد هذا المرسوم على أن الهدف من إنشاء المجلس الأعلى للقضاء هو  العمل على استقلال القضاء وتطويره وترسيخ قيم ومثل وأخلاقيات العمل القضائي ورعاية نظمه، ليأتي بعدها المرسوم السلطاني رقم (10/‏‏‏2012) معلنا عن استقلالية القضاء في السلطنة، وعن بداية جديدة في مسيرة العمل القضائي حيث نقل هذا المرسوم مسؤوليات إدارة القضاء إلى مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ، وذلك حفاظا على استقلالية القضاء ،ودعما لمسيرة تطويره.

الأمانة العامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء

جاء المرسوم السلطاني رقم (54 /‏‏‏ 2012) ، منظما لعمل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ، ومعينا له في أداء دوره في تطوير منظومة القضاء ، حيث نص على إنشاء أمانة عامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء تعاون المجلس ورئيسه في ممارستهما لاختصاصاتهما المقررة قانونا، كما اعتمد المرسوم الهيكل التنظيمي للأمانة العامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء ، حيث يتكون الهيكل التنظيمي من ست (6) إدارات هي الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية ، الإدارة العامة للمحاكم ، الإدارة العامة للتخطيط ، الإدارة العامة لشؤون القضاة ، الإدارة العامة لشؤون التنفيذ ، الإدارة العامة للتفتيش القضائي .
حيث عكس هذا الهيكل التنظيمي سياسات المجلس في الاهتمام بتطوير المنظومة القضائية انطلاقا من التخطيط وتوفير المتطلبات الإدارية والمالية ،وصولا إلى العناية بالعمل القضائي منذ تسجيل الدعاوى وحتى تنفيذ الأحكام والرقابة التي تأتي بعد صدور الأحكام ، لضمان تحقيق العدالة الناجزة.

الإدارة العامة لشؤون التنفيذ

يعتبر إنشاء الإدارة العامة لشؤون التنفيذ من أهم العلامات الفارقة في الهيكل التنظيمي للأمانة العامة لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء ، حيث جاء تأسيس هذه الإدارة انعكاسا على الاهتمامات المستقبلية للقائمين على تطوير المنظومة القضائية ، وهو الاهتمام بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم ، باعتبار تنفيذ هذه الأحكام هو الركيزة الأساسية التي ستسهم  في تحقيق سياسة نشر  العدالة الناجزة في ربوع السلطنة ، حيث إن صدور الحكم القضائي لا يعد كافيا لتحقيق مصلحة المتقاضين بل إن تنفيذه هو الفيصل لحصول المتقاضين على العدالة. بدأت الإدارة العامة لشؤون التنفيذ في تنفيذ دورها من خلال تطوير عمل أقسام التنفيذ ، حيث سعت إلى توفير كافة المتطلبات الإدارية والفنية التي يحتاجها موظفو تلك الأقسام ، كما حرصت على اطلاع العاملين في أقسام التنفيذ على التطورات التي يشهدها العالم في مجال تنفيذ الأحكام ، وذلك بإقامة (ندوة تنفيذ الأحكام والسندات بين الواقع والطموح) خلال الفترة (3- 5 /‏‏‏مايو 2015) والتي شهدت مشاركة عدد من التجارب العربية والعالمية في مجال تنفيذ الأحكام أهمها التجربة السنغافورية، كما تحرص الإدارة على تنفيذ ملتقى سنوي لأقسام التنفيذ في السلطنة بهدف عرض أهم التطورات وبحث احتياجات تلك الأقسام بهدف تطويرها خدمة لمسيرة العدالة في السلطنة .

اللائحة الجديدة للتفتيش القضائي

نص المرسوم السلطاني رقم (10 /‏‏‏ 2012) في مادته الثانية على نقل تبعية المحاكم والإدارة العامة للمحاكم والإدارة العامة للتفتيش القضائي إلى مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ، حيث تهدف الإدارة العامة للتفتيش القضائي إلى القيام بأعمال التفتيش القضائي المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية، والإشراف على أعمال المفتشين القضائيين ، بالإضافة إلى تلقي الشكاوى المتعلقة بالتفتيش القضائي واتخاذ اللازم بشأنها ، وإجراء الدراسات اللازمة لتطوير وسائل وطرق التفتيش القضائي ، ولذلك وفي إطار تطوير التفتيش القضائي بما يخدم مسيرة العمل القضائي في السلطنة فقد أصدر مجلس الشؤون الإدارية للقضاء مؤخراً لائحة جديدة للتفتيش القضائي، عوضاً عن اللائحة السابقة التي صدرت في 25/‏‏‏1/‏‏‏2001م . هذه اللائحة تعتبر نقلة كبرى ولبنة إضافية للخطوات المبذولة من قبل مجلس الشؤون الإدارية للقضاء ضمن رؤية شاملة من أجل تعزيز عمل التفتيش القضائي بالسلطنة بآليات تكفل المتابعة المستمرة والتشخيص المباشر والصحيح لسير العمل بالمحاكم، بما يحقق التطوير الشامل لعمل القضاء والارتقاء به إلى المستوى الذي يتطلع إليه المجلس من تيسير لإجراءات التقاضي وتسريعها وتطوير دورة العمل بالمحاكم ويُواكب التحولات النوعية التي تشهدها السلطة القضائية برؤية حكيمة وفكر ثاقب من لدن مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ رئيس المجلس الأعلى للقضاء وتأكيداً للاستقلال التام والصلاحيات الواسعة للنظام القضائي في السلطنة. راعت اللائحة الجديدة الاستفادة من أحدث التجارب وأنجحها في أنظمة التفتيش القضائي بالدول التي سبقت في هذا المجال بما يساعد في تطور الأداء القضائي، إذ وضعت ضوابط وآليات دقيقة للتفتيش المستمر لسير العمل القضائي بالمحاكم وتقييم مستوى انتظامه كما وسّعت مجال التفتيش ليشمل كل جوانب عمل أصحاب الفضيلة قضاة محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية وسائر الأعمال المساعدة في الأداء القضائي، وراعت فضلاً عن ذلك جعل دور التفيش القضائي وقائياً قبل  أن يكون أداة لتعَقُّب الأخطاء بحيث يغدو التفتيش أداة فاعلة وفعالة ليس لرصد الأخطاء وإنما لمنع وقوعها ؛ لإضفاء أكبر قدر من الشفافية والوضوح على عمل الإدارة العامة للتفتيش القضائي، فقد نظمت اللائحة الجديدة علاقة الإدارة بأصحاب الفضيلة القضاة وبالمحاكم والمراجعين وحددت مجال عمل المفتشين القضائيين وضوابطه، كما حددت ضوابط إعداد تقارير التفتيش بشقيه الفني والمستمر – وإجراءات التصرف فيها، وإجراءات تقديم الشكاوى وضوابط فحصها وتحقيقها وصلاحيات المحقق وكيفية التصرف في التحقيق وغير ذلك من الأحكام المستجدة التي تعتبر خطوة متقدمة في عمل  التفتيش القضائي ، دعما لتطوير القضاء .

التحول الإلكتروني

إن سياسات السلطنة العامة تعتبر المحرك الرئيسي لسياسات تطوير المنظومة القضائية، ومن تلك السياسات ، سياسات التحوّل إلى الحكومة الإلكترونية، والتي التفت إليها المجلس سواء في تصميم مجمعات الحاكم أم مبنى المحكمة العليا، ولا يزال مجلس الشؤون الإدارية للقضاء يعتزم الاستمرار في هذا النهج وبدأها بتدشين برنامج مكتبي حيث يهدف إلى التحول إلى الإدارة المكتبية الإلكترونية بديلا للتعاملات الورقية ، مما يساعد على سرعة إنجاز الأعمال ، كما قام المجلس بتدشين برنامج إدارة القضايا والذي سينقل العمل في المحاكم إلى مستوى المحاكم الذكية ، من خلال إنجاز  المعاملات إلكترونيا ابتداء من تسجيل الدعوى وحتى استكمال إجراءات التنفيذ ، حيث يهدف البرنامج إلى توفير قاعدة بيانات موحّدة ومركزية وآمنة على مستوى مجلس الشؤون الإدارية للقضاء، وتوحيد وتحسين الخدمات المقدمة من قبل المحاكم ، بالإضافة إلى سهولة وانسيابية العمل الإجرائي من طرف موظفي المحاكم ،وتوفير إحصائيات دقيقة حول جميع أنواع الدعاوى المعروضة على المحاكم  والتي تساعد على اتخاذ القرارات بشأن إدارة المحاكم ، وسيحول هذا البرنامج العمل القضائي إلى العالم الإلكتروني ، من خلال تقديم عدد من الخدمات سواء داخل المحاكم نفسها ،أم الخدمات القضائية عبر شبكة الإنترنت ، بالإضافة إلى بوابة المحامين التي ستعين المحامين على تسجيل الدعوى ومتابعتها عن بعد ،ومن المؤمل أن يتم تعميم هذا البرنامج على كافة محاكم السلطنة .
ويسعى مجلس الشؤون الإدارية للقضاء إلى مد جذور التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة في مجال التعاون القضائي بما يخدم مسيرة تطوير منظومة العمل القضائي في السلطنة ويسهم في التعريف بالتطور الذي يشهده القضاء العماني ، وبناء على ذلك وقّع المجلس في  17/‏‏‏4/‏‏‏2017م مذكرة للتعاون القضائي بين سلطنة عمان والمملكة المغربية تتضمن بنودا تنظم التعاون القضائي في مجال تبادل المعلومات وتشجيع الزيارات والندوات بين البلدين. وتشمل مذكرة التفاهم التي وقعها فضيلة الشيخ الدكتور إسحاق بن أحمد البوسعيدي، رئيس المحكمة العليا ، نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، رئيس مجلس الشؤون الإدارية للقضاء، ومعالي المستشار مصطفى فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض بالمملكة المغربية بنودا حول تبادل المعلومات والخبرات في المجال الإجرائي بين البلدين ودعم التعاون في مجالات اختصاصات المحكمة العليا في السلطنة ، ومحكمة النقض في المملكة المغربية ، والمسائل المتعلقة بالتنظيم الداخلي للمحكمتين وتبادل مجموعات الأحكام والقرارات والنشرات والدوريات القضائية وتنظيم الحلقات والندوات المتخصصة المشتركة. كما تضمنت المذكرة تشجيع  تبادل الدورات التدريبية للقضاة والموظفين وزيارات الخبراء وإقامة البحوث العلمية في مجال التعاون والتعرف على الأنظمة التقنية الحديثة المستخدمة في تيسير الأعمال الإجرائية في المحاكم تحقيقاً لجودة أداء الأعمال وفق التقنيات والمعارف الحديثة، كما تشمل إقامة الندوات والمحاضرات والاطلاع على كافة المستجدات القضائية في جانبها التقني والإجرائي . تشكل هذه المذكرة لبنة جديدة في صرح التعاون بين السلطنة والمملكة المغربية تطورا ملحوظا وتعد بمثابة جسر للتواصل القضائي لتعزيز كل ما يسهم في توحيد الاجتهادات القضائية وتكثيف اللقاءات ذات الصلة بالشأن القضائي وذلك رغبة من البلدين في تعزيز وتعميق الصلات وتطوير أوجه التعاون الذي  يستند على الاطلاع إلى التجربة القضائية وتبادل الخبرات والاستفادة من مناهج التدريب.