النهضة العمانية.. لم تترك أحدا في الخلف

أ.د. حسني نصر –

«لا تترك أحدا في الخلف»، تعبير ذي دلالة استحدثته الأمم المتحدة في عام 2003 عندما وضعت استراتيجية التنمية المستدامة في العالم، للتأكيد على أن التنمية الحقيقة يجب أن يستفيد منهم كل أبناء الوطن دون تفرقة، ودون أن تترك أحدا منهم لا يتمتع بثمار هذه التنمية.
هذا التعبير الذي غير معادلات التنمية الدولية، وما زال يمثل معيارا للحكم على نجاح أو فشل خطط التنمية والنهوض في العالم، سبقت إليه عمان الأمم المتحدة بأكثر من ثلاثين عاما، وكان هو المحرك للنهضة العُمانية الحديثة التي انطلقت في مثل هذا اليوم، الثالث والعشرين من يوليو 1970 بتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في البلاد. ويمكن تلمس نجاح النهضة العمانية في وصول عوائدها ومنجزاتها المادية والبشرية إلى كل شبر في أرض السلطنة، وإلى كل إنسان يعيش على هذه الأرض، وعدم ترك أحد في الخلف، في جميع مجالات العمل التنموي، وهو ما يشهد به الواقع وما تشهد به أيضا التقارير الدولية المعنية بقياس عوائد التنمية.
والواقع أن قراءة تقارير الأمم المتحدة حول أهداف التنمية المستدامة ضمن أجندة 2030 تجعلك تشعر وأن الحديث يدور عن عُمان ونهضتها الحديثة، خاصة وأن فكرة عدم ترك أحد في الخلف تنطبق تماما على ما تم على أرض عمان من تنمية حقيقية، وجاءت الأمم المتحدة لتؤكد عليها وتطالب الدول الأعضاء بتطويع أهداف التنمية المستدامة، لكي يتمتع بها كل الناس وكل قطاعات المجتمع، مع منح الأولوية لأولئك الذين سبق وأن تركوا في الخلف في عهود ماضية. هذا بالضبط ما فعلته النهضة العمانية منذ بزوغ فجرها في مطلع سبعينات القرن الماضي التي استهدفت رفاهية الشعب العماني كله، في كل محافظات الدولة دون تمييز، وخاطبت بإنجازاتها كل فئاته من أطفال وشباب وكبار السن، ورجال ونساء، وذوى احتياجات خاصة.
ولعل ما يؤكد تفرد ونجاح التجربة العمانية في النهضة أن عوائدها التي تم توزيعها بعدالة على المجتمع كله على مدار العقود الماضية، أنتجت دولة مستقرة آمنة لا تعاني -بحمد الله- من المشكلات التي تعاني منها دول كثيرة في العالم، وهي المشكلات التي أشار لها تقرير الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة لعام 2018 والصادر في العشرين من شهر يونيو الماضي، والتي تشمل التهجير، والمجاعات، وشح مياه الشرب. ويكفي أن نشير هنا إلى ما أورده التقرير عن وجود 783 مليون شخص في العالم يعيشون تحت خط الفقر، و815 مليون جائع، و2.3 بليون شخص لا تصل إليهم خدمات الصرف الصحي، و892 مليونا ليس لديهم دورات مياه خاصة، و216 مليونا أصيبوا بالملاريا و4 بلايين شخص (نصف سكان العالم تقريبا) لا يتمتعون بأية حماية اجتماعية، بالإضافة إلى أن تسعة من كل عشرة أشخاص يعيشون في المدن يتنفسون هواء ملوثا. يكفي أن نشير إلى ذلك لنؤكد إلى أي حد نجحت النهضة العمانية من خلال خطط التنمية المتواصلة في توفير الحياة الكريمة والخدمات الأساسية لجميع المواطنين والمقيمين على أرض السلطنة، دون تمييز ودون أن تترك أحدا في الخلف.
إن التحليل الموضوعي لمسيرة النهضة العمانية يكشف أنها استطاعت على مدى العقود الماضية تحقيق جل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة التي استحدثتها الأمم المتحدة قبل خمسة عشرة عاما، وتأمل في تحقيقها بحلول عام 2030. فقد نجحت السلطنة من خلال الخطط الخمسية المتتالية في تحقيق الهدف الأول الذي تسعى من خلاله الأمم المتحدة إلى إنهاء الفقر بكل أشكاله والذي يعاني منه 11 بالمائة من سكان العالم. ويندرج سكان السلطنة ضمن 45 بالمائة فقط من سكان العالم الذين يتمتعون بخدمات حماية اجتماعية بعد التقاعد من العمل. ويصدق نفس الحديث عن الهدف الثاني المتمثل في إنهاء الجوع، وضمان الأمن الغذائي، وتحسين نوعية الغذاء وتشجيع الزراعة المستدامة. وفي هذا المجال لا يعاني أطفال السلطنة تحت سن خمس سنوات، على سبيل المثال، ما يعانيه 151 مليونا من نظرائهم في العالم من قصر القامة، وما يعانيه 51 مليونا من نقص الوزن الناتجين عن نقص الغذاء، وما يعانيه 38 مليونا من السمنة المفرطة الناتجة عن سوء التغذية. وبفضل النهضة والتنمية الشاملة والمتوازنة لا تعاني السلطنة ما تعانيه 26 دولة في العالم، أشار لها التقرير، من ارتفاع هائل في أسعار المواد الغذائية يؤثر سلبا على الأمن الغذائي.
ولعل من المفيد أن نشير إلى أن من أهم ما أنجزته النهضة العمانية ويؤكد طابعها الإنساني الشامل هو الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة التي حددتها الأمم المتحدة، والمتمثل في ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاهية لكل أفراد المجتمع في جميع الأعمار. ويبدو هذا الأمر جليا في شبكة الرعاية الصحية التي تغطي كل محافظات السلطنة في صورة مراكز صحية ومستشفيات عامة وخاصة، والتي أسهمت في تمتع المواطنين بحياة صحية أفضل مما كان عليه الأمر قبل النهضة. ويرتبط بما سبق الهدف الخامس الذي ينص على ضمان التعليم الجيد الشامل والعادل وتعزيز فرص التعلم للجميع مدى الحياة. وغني عن القول إن التعليم الحديث في السلطنة ارتبط ببواكير عصر النهضة، عندما أكد جلالة السلطان منذ البداية على نشر التعليم في جميع ربوع البلاد، رغم نقص الإمكانات في تلك الفترة، ويحضرني هنا قول جلالته الخالد الذي صار قولا مأثورا ومثلا يحتذى «سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة». وعلى طول سني النهضة لم يمر عام تقريبا إلا وتم افتتاح مدارس جديدة واستيعاب أعداد أكبر من التلاميذ، وضم المزيد من الكوادر العمانية إلى المهن التعليمية المختلفة، كما تم توطين التعليم الجامعي في عام 1986 بافتتاح جامعة السلطان قابوس، وتزايدت مؤسسات التعليم العالي ومخرجاتها من أبناء الوطن الذين يشغلون حاليا المراكز القيادية في الدولة. وقد نجحت السلطنة في توفير بنية تحتية تربوية وتعليمية متميزة استطاعت من خلالها تقديم تعليم ذي جودة عالية، خال من التمييز على أساس النوع أو المناطقية (ريف وحضر). ويمكن القول إن النهضة التعليمية في عُمان لم تستثنِ أحدا من أبنائها أو حتى المقيمين على أرضها، وتمثل صورة ناصعة لفكرة عدم ترك أحد في الخلف، إذ تتيح المنظومة التعليمية للجميع الالتحاق بالمدارس الحكومية المجانية بالإضافة إلى المدارس الخاصة، كما توفر مؤسسات تعليم عال عامة وخاصة للجميع.
وإلى جانب الأهداف الخمسة السابقة يمكن القول إن النهضة العمانية سبقت الأمم المتحدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة الأخرى، مثل تحقيق المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وضمان إتاحة المياه، وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها بشكل يحافظ على استدامتها، وضمان الوصول واستخدام مصادر الطاقة الحديثة والمستدامة للجميع، وتشجيع النمو الاقتصادي المستدام، وتوفير العمل اللائق للجميع، وتعزيز السلام الاجتماعي وضمان الوصول إلى العدالة للجميع، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة.
إن كل الشواهد تؤكد أن النهضة العمانية المباركة التي أرسى دعائمها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله ورعاه- كانت وما زالت للجميع، وعلى مدى عمرها، الذي يدخل غدا عامه التاسع والأربعين، لم تترك أحدا في الخلف.