لا صفقات كبرى بين ترامب وبوتين وقمة جديدة قادمة !

بشير عبد الفتاح –

«عانى جدول أعمال القمة بين ترامب وبوتين من تزاحم شديد في الملفات والقضايا على الصعيدين الإقليمي والدولي، ما بين الخلافات الثنائية بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، ومسألة توسيع الناتو باتجاه الشرق وقضية أوكرانيا وسباق التسلح والحروب التجارية وضم شبه جزيرة القرم.. ولعل ذلك من اهم أسباب تحضيرهما لقمة اخرى بينهما في واشنطن».
بعد انتظار وترقب قارب العامين، جاء لقاء القمة الروسي الأمريكي بين الرئيسين ترامب وبوتين بمدينة هلسنكي الفنلندية في السادس عشر من الشهر الجاري وعلى رغم كثافة الغيوم التي تلبد سماء تلك القمة، يلمس مراقبون كثر بصيصا من الأمل في شأن مخرجاتها، لاسيما المتعلقة منها بالشأن الدولي، كونها جاءت في أعقاب تفاهمات روسية أمريكية حول قضايا ثنائية ودولية عديدة، لاحت بوادرها في فيتنام إبان لقاء جمع الرئيسين بوتين وترامب على هامش قمة أبيك خلال شهر نوفمبر الماضي، ثم أخرى بشأن سوريا تم التوصل إليها مطلع الشهر الجاري وتقضي بعودة الجيش السوري إلى جنوب البلاد مقابل إخراج مقاتلي المعارضة ورافضي ذلك إلى إدلب، على أن يتعهد الجانب الروسي بـإضعاف الدور الإيراني في سوريا، حسبما تردد.
في غضون ذلك، لم يستبعد مراقبون أن تبارك قمة بوتين – ترامب إعطاء أولوية لتشكيل لجنة من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني إجراء إصلاحات دستورية في سوريا توطئة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام 2021 ودعم جهود المبعوث الدولي، ستيفان دي ميستورا، في جنيف لتجسير الفجوة بين ضامني عملية آستانا، وبين النواة الصلبة التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن وألمانيا، ويعني توافق روسيا وأمريكا عمليا القبول ببقاء الرئيس بشار الأسد حاليا كأمر واقع ، كما بدا جليا مؤخرا في تأكيد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن لا سلام مع الأسد في ظل وجود إيران في سوريا.
وفي هذا السياق، أشعرت واشنطن برفع الغطاء العسكري عن فصائل الجبهة الجنوبية في الجيش الحر عبر إبلاغها خطيا بعدم توقع أي تدخل عسكري أمريكي، إضافة إلى عدم قبول لاجئين سوريين في الأردن، وقد أزالت تلك الرسالة اللبس بين خطين كانا يتجاذبان داخل أروقة الإدارة الأمريكية أولهما: يدعو للضغط على موسكو لالتزام اتفاق خفض التصعيد الموقع بين روسيا وأمريكا والأردن في يوليو الماضي، ثم جرى التأكيد عليه بين ترامب وبوتين في نوفمبر الماضي، والتلويح بـإجراءات حاسمة ضد دمشق، أما ثانيهما: فيتجلى في التخلي عن المعارضة والتزام ترتيبات ثلاثية روسية – أمريكية – أردنية أو ربما رباعية تضم إسرائيل لعودة قوات الحكومة السورية وإبعاد المعارضة مقابل إبعاد إيران عن حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان المحتل تمهيدا لإنهاء دورها في سوريا في المقابل، أعلنت موسكو ضمن التفاهمات عن خفض قواتها في قاعدة حميميم كما فعلت مرات سابقة خلال السنتين الماضيتين.
وقد جاءت هذه التفاهمات الروسية – الأمريكية حول الجنوب السوري ضمن تصور أوسع لسياسة الإدارة الأمريكية حيال سوريا، حيث تؤكد المصادر الغربية أن ترامب لا يزال متمسكا بالانسحاب من شمال شرقي سوريا، علاوة على تقويض تنظيم «داعش» الذي لا يزال يسيطر على قرابة 2 في المائة من الأراضي السورية، فيما كان يسيطر على أكثر من 40 في المائة منها قبل تحريرها وتطهيرها من بقايا التنظيم الإرهابي، وأشارت المصادر إلى أن دولا غربية وعربية قدمت نحو مائة مليون دولار أمريكي لدعم الاستقرار في المناطق المحررة من تنظيم «داعش» بناء على طلب ترامب من جميع الحلفاء المشاركة في تحمل العبء استعدادا لإعلان الانسحاب بعد تصفية «داعش» بالتزامن مع موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس بداية شهر نوفمبر المقبل، وبناء عليه، لوحت مصادر روسية وغربية إلى أن التفاهمات التي ستكون موضوع بحث بين ترامب وبوتين، ستتناول أيضا شمال شرقي سوريا بحيث يتم البحث في ترتيبات تتجاوز اتفاق منع الاحتكاك القائم بين الجيشين الروسي والأمريكي خلال قتال «داعش» قد تنضم إليها أنقرة بعد استعادة الثقة مع واشنطن في ضوء اتفاق منبج لتصبح ترتيبات روسية – أميركية – تركية لشرق نهر الفرات تتضمن مجالس محلية ودورا أكبر لـقوات سوريا الديمقراطية والأكراد مقابل استبقاء علاقة قانونية ومؤسسية مع الدولة المركزية في دمشق. من منظور آخر، يصعب التعويل على قمة ترامب – بوتين، حتى الآن على الأفل خاصة وانه لم يتسرب منها إلا ما اعلنه ترامب وبوتين في مؤتمرهما الصحفي بعد القمة، على رغم أهميتها في تحقيق اختراق تاريخي عبر تجاوز الخلافات وتقريب وجهات النظر بين موسكو وواشنطن، فمن جهة، تأتي القمة في سياق دولي وإقليمي معقد، إذ لم يسبق للرئيسين ترامب وبوتين أن التقيا بشكل مباشر ومخطط في قمة ثنائية صرفة حتى الآن إلا على هامش المشاركة في فعاليات دولية، حيث التقيا قبل نحو عام في هامبورج على هامش اجتماع مجموعة العشرين، ثم بعدها في قمة أبيك بفيتنام خلال شهر نوفمبر الماضي، ومن ثم، فإن القمة المنعقدة في 16 يوليو الجاري بهلسنكي ستكون هي الأولى رسمياً بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، لكنها ستجرى للأسف في بلد ثالث حيث العاصمة الفنلندية هلسنكي وليس في روسيا أو الولايات المتحدة. وقد جاء الإعلان عن قمة اخرى بين ترامب وبوتين بدأ الإعداد لها لتؤكد ذلك. وقد عانى جدول أعمال القمة من تزاحم شديد في الملفات والقضايا على الصعيدين الإقليمي والدولي، ما بين الخلافات الثنائية بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، ومسألة توسيع الناتو باتجاه الشرق وقضية أوكرانيا وسباق التسلح والحروب التجارية وضم شبه جزيرة القرم، إلى العقوبات الاقتصادية على روسيا، علاوة على الأمور الدولية كالقضية السورية وصفقة القرن وأمن الطاقة وغيرها، وبسبب هذا التزاحم في الملفات والقضايا المطروحة على جدول أعمال القمة الروسية الأمريكية، استبعد الخبراء أن يبرم الزعيمان بوتين وترامب صفقة كبرى تشمل كل الملفات والمسائل الخلافية العالقة، خصوصا مع سعي كلا الزعيمين إلى تكريس شعاره في استعادة قوة بلاده ومكانتها الدولية، ولعل ذلك كان من أسباب الإعداد لقمة ثانية بينهما.
ومن جهة ثانية، يبدو من غير الحكمة استبعاد تأثير مشاركة ترامب في فعاليات عديدة تستضيفها دول أوربية قبل قمته مع بوتين كقمة الناتو وزيارة بريطانيا وغيرها، على مجريات قمة الرئيسين الأمريكي والروسي، حيث يثير تزامن التئام قمة بوتين وترامب عقب القمة الثامنة والعشرين لحلف شمال الأطلسي في بروكسل يومى11 و12 الشهر الجاري، تساؤلات عديدة، في ضوء التوتر المتصاعد، الذي يعتري العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ مجيء إدارة ترامب، التي تسعى إلى إبرام اتفاق تجاري مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي الذي رحّبت به واشنطن، ومن ثم يخشى الأوروبيون أن تزيد قمة الناتو – كما حدث في قمة الدول السبع الكبرى من قبل – الخلافات والخصومات بين واشنطن والحلفاء الأوربيين، وذلك في ظل إصرار ترامب على مبدأ تقاسم الأعباء وضرورة دفع الأوربيين ثمن الحماية لواشنطن، التي لا يخالجها شك في أن الخطر الحقيقي على واشنطن والغرب يكمن في الصين وليس روسيا، ومن ثم يسعى ترامب إلى منع أي تحالف صيني – روسي عبر استقطاب روسيا والمطالبة بضمها إلى السبعة الكبار وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بينها وبين الناتو.