ندوة تستذكر الروائي الراحل زياد قاسم وتعاين تجربته الإبداعية

عمّان- «العمانية»: قال نقاد وأكاديميون: إنه لا يمكن قراءة التاريخ الاجتماعي لعمّان بعيدا عن رواية «أبناء القلعة» للروائي الراحل زياد قاسم، كما لا يمكن قراءة تاريخ بلاد الشام بعيدا عن روايته «الزوبعة». وأضاف المشاركون في ندوة نظمتها مؤسسة عبد الحميد شومان: إن زياد قاسم فتح الباب أمام كتابة سلسلة الروايات «العمّانية»، وكان أول مَن سلط الضوء على المكان فيها.
وقال الناقد نزيه أبو نضال: إن زياد قاسم استطاع بعث الحياة في مدينة عمّان مستعيدا واقعها خلال أربعينات القرن الماضي، حيث اختار، كنقطة انطلاق، القلعة التاريخية المطلّة على المدينة، هذا المكان المستجد الذي بدأ يضج بالحياة، ثم ما لبث أن احتوى الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة التي شكّلت مدينة عمّان ورافقت حركة تطورها على امتداد زمن الرواية من بدايات الأربعينات إلى يونيو 1967، حين وقعت النكسة.
وأضاف أن قاسم أقام من خلال هذا العدد الكبير من الشخصيات الحية، معماره الروائي، وجعل الحياة تدب في أوصال المدينة، ثم راح يصوغ حركة نموها وتطورها، ويشكل مصائر شخصياتها وأحداثها، بما ينسجم مع المكونات البيئية والتربوية والنفسية للشخصيات من جهة، وبما يلائم المنطق الداخلي لحركة الأحداث المادية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية من جهة ثانية.
ورأى أبو نضال أن زياد قاسم كان الأقدر على استكمال حكاية عمّان، والإمساك بخطوط التاريخ الشعبي ليأتي متكاملا مع التاريخ الرسمي، بحيث أصبحت وثيقة المؤرخ هي الوجه الآخر لإبداع الروائي، ذلك أن هاجس الفنان هو دخول المختبر الاجتماعي كي يفهم كيف حدثت الأشياء ولماذا حدثت.
أما د.محمد عبيد الله، فتحدث عن صورة المرأة كما تبدّت في رواية «أبناء القلعة»، وأوضح أن هذه الرواية قدمت شخصيات نسوية كثيرة، ولكنها في معظمها لا تعكس صورة المرأة التي تجد في المدينة فضاء للتعليم والفعالية، كما أن معظم الشخصيات الأخرى كانت شخصيات مضطهَدة، مغلوبة على أمرها، لا تكاد تخلو من التشويه النفسي والجسدي.
ورأت د.صبحة علقم أن رواية «أبناء القلعة» تمثل سردية وتاريخية للزمان والمكان والشخصيات، ما جعلها تنتمي إلى تلك الروايات التي تغوص عميقا في البنية الاجتماعية متعددة الشرائح والأطياف والمنابت في مدينة عمّان.
وأوضحت علقم أن هذه الرواية ليست تسجيلا تاريخيا لمدينة عمّان، أو صورةً مرآوية لها، بل هي عمل فني له بناء خاص، وينطوي على دلالات رمزية وفكرية صنعها الروائي وفقا لرؤيته، وتوحي بها علامات النص وإشاراته الحرة.
أما الناقد السينمائي عدنان مدانات، فرأى أن رواية «أبناء القلعة» قابلة لأن يُقتبَس منها أكثر من فيلم، وأن يعالَج من خلالها أكثر من موضوع سينمائيا، أو أن يُكتفى منها بفيلم واحد يمكن تصنيفه ضمن نوع الفيلم الملحمي، الذي يمكن من خلاله، وبحسب نظرية المسرح الملحمي لبرتولت بريشت، النظر إلى التاريخ باعتباره حاضرا.
وبيّن مدانات أن زياد قاسم كان مهتما بالسينما، ليس فقط كمشاهد، بل وأيضا كطامح لكتابة السيناريو السينمائي، وخاض تجربة كتابة مسوّدة لسيناريو فيلم روائي طويل.
وقالت د.منتهى الحراحشة، إن رؤية زياد قاسم فرضت عليه في رواية «العرين»، جملة من الأساليب السردية تتمثل في توظيف الضمائر، وبخاصة ضمير الغائب، والارتداد والتذكر والحوار الداخلي والهذيان والتداعي والاستباق.
وأضافت الحراحشة أن روايات زياد قاسم تشكل مدخلا نقديا يمكن الاعتماد عليه لدراسة النصوص واستخلاص التفاعلات النسبية بين أداء الأديب وتشكيل العمل الأدبي، وهذا بدوره يتطلب من الناقد البحث عن التلاحم النسبي وبيان درجة التجاذب والتداخل بينهما، كما يتطلب جهدا ووعيا بالعلاقة الجدلية بين التفاعلات الداخلية للنص وتفاعلاته الخارجية.
من جهتها، أكدت الناقدة إسلام القضاة أن هذا الروائي استطاع تكوين الأبعاد التاريخية لمدينة عمّان في روايته «أبناء القلعة»، حيث ركز على الجانب التاريخي وجعل عمّان تحتل قاعدة محورية في عمله.
وأضافت أن الكاتب حشد جميع الخطوط في روايته في تصاعد درامي يمهّد لنكسة عام 1967، مستبطنا الهم العربي بشكل عام.
واعتبرت أن زياد أرّخ في رواياته لتطور المجتمع الأردني في علاقته الحيّة النشيطة بما يجري حوله من أحداث، واستطاع أن يعيد إلى الحياة حقبة تكاد تضيع من ذاكرة معاصريها.
وقدم د.ممدوح العبادي، شهادة شخصية حول تجربة زياد قاسم الروائية، قال فيها:
«ظل زياد قاسم حالة استثنائية في حياته كما في كتابته. ومثلما فاجأ القراء بروح الكاتب الذي بدأ الكتابة الروائية بعد ولوجه الأربعين، ظل يفاجئهم بحميميته وعناده وشراسته ووضوحه اللامحدود..
كان هو نفسه دائماً».
وقال القاص مفلح العدوان واصفا زياد قاسم: «هو سارد ذاكرة عمّان، وسارد حكايتها، فلا يمكن استحضاره إلا ومعه المدينة، وقد كانت روحه هنا متعلّقة في البلد، ووعيه ممتد لهفة إلى سوريا الكبرى التي يعشق». يشار إلى أن زياد قاسم وُلد في عمّان عام 1945، وتوفي فيها عام 2007، وله مؤلفات منها «أبناء القلعة»، «الزوبعة» (من ستة أجزاء)، «المدير العام»، «الخاسرون» و«العرين».