ترامب .. هل يمنح بوتين انتصارا في سوريا؟

صحيفة واشنطن بوست –
بقلم ديفيد إجناتياس –
التقى الرئيس الأمريكي ترامب امس مع نظيره الرئيس الروسي بوتين في قمة هلسنكي وسط النقاشات المستمرة حول سوريا و حربها، التي ربما تقترب ممّا يمكن أن يوصف بأنه «نهاية دبلوماسية للّعبة». الدبلوماسيون والمسؤولون الأجانب يرون أن صفقة الملف السوري من بين المواضيع التي تمت مناقشتها بين الرئيسين.

من جانب آخر تعكف كلُّ من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل على تشكيل صفقة يفترض أن تبقى على استمرار الرئيس السوري بشار الأسد على سدّة الحكم لقاء ضمانات روسية (لإسرائيل) على لجم النفوذ الإيراني في المنطقة، حسبما يتردد.
لقد بات الهدف الأكبر الوحيد لدى الإدارة الأمريكية في سوريا هو ضبط القوة الإيرانية ونفوذها في سوريا في الوقت الراهن الذي يعتقد فيه أن تنظيم (داعش) انهزم تقريباً. الرئيس ترامب يبدو مستعدّاً لتبنّي سياسة ترمي للمصادقة على بقاء الأسد، بغض النظر عن دوره في مشكلة الهجوم بالغاز على الشعب السوري، علاوة على استعداده (ترامب) للتخلّي عن معارضة سورية تم تدريبها جزئياً بواسطة الولايات المتحدة.
سياسة ترامب في سوريا تميّزت بعدم الاستقرار (مثل حركة كرة البنج بونج ذهاباً وإيّاباً). المعلم الوحيد الثابت في هذه السياسة هو عدم ثقة الرئيس ترامب بالالتزامات العسكرية تجاه الشرق الأوسط، تلك الالتزامات التي أطلقها كل من سابقيه الرئيس جورج دبليو بوش والرئيس باراك أوباما. يبدو أن الرئيس ترامب يتخلّى عن هذه الالتزامات خطوة بخطوة.
الجانب المثير للاهتمام في الصفقة السورية المحتملة هو أنها تسير بناءً على تعاون وثيق بين روسيا وإسرائيل. الأجندة الإسرائيلية، مثل مثيلتها عند ترامب، تركّز بقوّة على تحييد أو ضبط القوة الإيرانية – فالإسرائيليون يبدو أنهم توصّلوا لقناعة بأن بوتين هو الشريك الإقليمي الذي يمكن أن يعتمد عليه.
الخبراء الإسرائيليون والأوروبيون والأمريكيون رسموا بعض العناصر المحتملة للهيكل (الذي يمكن أن تكون عليه الصفقة السورية)، وقالوا: إن روسيا في مقابل سحب أمريكا لطلبها لتداول السلطة في سوريا سوف تدعم العديد من الإجراءات الهادفة لاحتواء النفوذ أو القوة الإيرانية بما في ذلك:
أوّلاً: أن تبقى القوات المدعومة من إيران على بعد 80 كيلومترا من الحدود السورية مع إسرائيل على هضبة الجولان.
ثانياً: أن يكون لإسرائيل إذن ضمني لمهاجمة أهداف إيرانية في سوريا طالما لن تتضرر القوات الروسية. وقد مارست إسرائيل «حريّة العمل» هذه في الأسابيع القليلة الماضية بضربها قواعد إيرانية سرّية- حسب زعمها – ومنع محاولة طهران فتح «جبهة ثانية» ضد إسرائيل كان من الممكن أن تتكامل مع قوة حزب الله في لبنان.
ثالثاً: أن يقوم جيش الرئيس السوري، المدعوم بقوة سلاح الجو الروسي، بترسيخ السيطرة على المنطقة الجنوبية الغربية في سوريا واسترجاع نقاط نفوذ كان قد فقدها على الحدود الأردنية. ويبدو أن الأردن تفضّل سيطرة الأسد على الحدود لأن ذلك قد يسمح باستئناف حركة الشاحنات ودعم الاقتصاد الأردني الشديد الحاجة للسيولة النقدية. ولطالما يتدفّق الكثير من اللاجئين السوريين في اتجاه الحدود الأردنية المغلقة أصلاً. وفي الأيام الأخيرة بدأت المعارضة السورية في جنوب غرب سوريا في تسليم أسلحتها للجيش السوري الذي يمدد سيطرته على مدينة درعا.
رابعاً: أن تقوم الشرطة العسكرية الروسية بالتجوال لتغطية مناطق الجنوب الغربي السوري ضمن جهود لدعم استقرار تلك المناطق. لكن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين حذّر من أن «أي طموحات في أن تكون القوة الروسية بديلاً عن الأمن ستكون ضرباً من الأحلام». في الوقت الحالي ستبقي الولايات المتحدة على قواتها الموجودة في (التنف) في الجنوب السوري لمنع أي تقدّم يمكن أن تقوم به إيران في تلك المنطقة.
خامساً: أن يوسّع كل من نظام الأسد و روسيا امتدادهما للتواصل مع القوات الكردية في الشمال الشرقي في سوريا في مناطق عملت فيها القوات الكردية بنجاح مع قوات العمليات الخاصة الأمريكية في دحر (داعش) واستعادة الاستقرار. يأمل الضباط الأمريكيون في البقاء لمدة 18 شهراً أو ما شابه ذلك، لكن إدارة ترامب عبّرت عن كونها ضاقت ذرعاً بهذه المهمّة.
قادة المعارضة السورية مستاؤون للغاية من الصفقة التي يتم صياغتها الآن، وقال أحدهم: إن «الخذلان» الأمريكي سيكون حاضنة لتحركات جهادية في المستقبل. الدول الأوروبية التي كانت حليفاً مستتراً في سوريا تساورها شكوك عميقة حول فاعلية الخطة المضادة لإيران.
وقال أحد الدبلوماسيين: إن كل من بريطانيا وفرنسا حذّرت الولايات المتحدة بأنه ليس من المحتمل أن تتواجد روسيا على الأرض لجعل الإيرانيين يخرجون من مناطق تهيمن عليها الدولتان.
كما أن استعداد ترامب للتنازل للسلطة الروسية في سوريا – والتخلّي عن مكاسب حصلت عليها الولايات المتحدة بشق الأنفس – يزعج الكثير من مسؤولي البنتاجون، لكن يبدو أنهم خسروا الجولة.
لعله من الجدير أن نتوقّف قليلاً للتأمّل في مهارته في استخدام نفوذه. روسياً أصبحت الثقل الإقليمي الذي لا يستغنى عنه، وتلعب دوراً لطالما تباهت به الولايات المتحدة. روسيا نجحت بشكل ما في تطوير علاقات جيّدة مع كل من إيران وإسرائيل، علاوة على روابطها المتنامية مع كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. كما أنها تستطيع التباحث مع كل من الأكراد السوريين وخصومهم الألداء في تركيا. بوتين له سمعة رائدة كرجل مخابرات بارع في (الكي.جي.بي) سابقاً، لكن استراتيجيته في سوريا تتصف بآلية المفهوم الصيني الماكر الداعي للتغلّب على العدو دون قتال. بوتين أخذ موقع القرار في سوريا بأقل ثمن، مقارنة مع ترامب المتراجع الذي يبدو مستعدّاً لتأكيد انتصار بوتين.